الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 13، ألقاها
القياس هو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما، ويتضمن أربعة أركان: فرع وأصل وحكم وعلة. يستخدم القياس عند فقد النص الشرعي الصريح ويعتبر ميزانا عادلا.
يتم إلحاق فرع بأصل بناءً على علة مشتركة بينهما، مثل تحريم المخدرات لعلة الإسكار وتحريم الاعتداء على الوالدين لعلة الأذية. القياس الصحيح يستند إلى علة منصوص عليها أو مستنبطة من النص الشرعي.
القياس يعتبر أصلاً يرجع إليه عند تعذر غيره، ولا يخالف النصوص الشرعية بل يؤيدها. يستخدم عند الضرورة فقط ويعتبر حجة إذا توفرت أركانه ولم يوجد نص.
والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: وأما القياس الصحيح فهو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما، فمتى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف أو استنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف، ثم وجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينص الشارع على عينها من غير فرق بينها وبين النصوص، وجب إلحاقها بها في حكمها؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافها، كما لا يجمع بين المختلفات. وهذا القياس الصحيح والميزان الذي أنزله الله، وهو متضمن للعدل وما يعرف به العدل. والقياس إنما يعدل إليه وحده إذا فقد النص، فهو أصل يرجع إليه إذا تعذر غيره، وهو مؤيد للنص، فجميع ما نص الشارع على حكمه فهو موافق للقياس لا مخالف له. قال رحمه الله: وأما القياس الصحيح -يعني القياس الذي يعتبر ويعمل به ويكون صحيحا- وهذا قيد لإخراج القياس الفاسد. هناك قياس غير صحيح، كالقياس الذي يخالف النص ويصادم النص، وما يسميه العلماء بقياس فاسد الاعتبار، أو كذلك قياس ما خفي لا تعلم علته، فكيف يقاس والعلة غير معلومة؟ فهذا أيضا قياس غير صحيح. قال: فهو إلحاق فرع بأصل لعلة تجمع بينهما. هذا هو القياس الصحيح، إلحاق فرع -وهو المقيس الذي نريد أن نقيسه- بأصل -وهو المقيس عليه- لعلة تجمع بينهما. يضاف أيضا في حكم، إلحاق فرع بأصل في حكم. نحن الآن نريد أن نقيس فرع على أصل في حكم، يعني في حكم الأصل نلحق حكم هذا الأصل في هذا الفرع. ما هو الجامع والرابط بين الفرع والأصل؟ هو العلة، لعلة تجمع بينهما. العلة التي هي العلامة التي أناط بها الشرع هذا الحكم، أو أناط بها هذا الحكم الذي في هذا الأصل. هذه الأمور الأربعة هي أركان القياس: فرع وأصل وحكم وعلة. إذا اجتمعت هذه الأركان الأربعة فهو القياس الصحيح، وهو يسمى بقياس العلة، وأيضا يقال له القياس الجلي، معنى القياس الواضح الظاهر، وكذلك أيضا قياس معتبر. فيقول: متى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف أو استنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف، ثم وجد ذلك الوصف في مسألة أخرى لم ينص الشارع على عينها من غير فرق بينها وبين النصوص -يعني من غير فرق بين هذه المسألة الأخرى التي هي الفرع الذي لم ينص عليه الشرع- لا فرق بينه وبين ما نص عليه الشرع، وهو الأصل. قال: وجب إلحاقها بها في حكمها. مثال: مسألة نص عليها الشرع، تحريم الخمر. الشرع حرم الخمر ونص على العلة وهي الإسكار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام». فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن العلة في تحريم الخمر هي الإسكار؛ لأن الخمر تزيل العقول، والشرع قد جاء بحفظ العقول، وهي أحد الضرورات الخمس التي اعتنى الشرع بحفظها. إذن هذه علة نص عليها الشرع. فإذا وجدت في غير هذا الأصل فإننا نلحقه بهذا الأصل، مثل المخدرات مثلا. المخدرات ما جاء ذكرها في الشرع، لكن هل توجد فيها علة تحريم الخمر وهو الإسكار؟ الجواب: نعم، بل هي أشد ضررا وأشد فسادا وذهابا للعقول من الخمر. إذن تأخذ حكمه في التحريم. طيب، أو استنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف -يعني تكون العلة مستنبطة، لم يأت فيها النص الصريح، لكن علتها ظاهرة وجلية- مثل تحريم الشرع للتأفف أن يقول الولد لوالديه: أف. «ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا كريما». هذا الآن نهي أن يقول الولد لوالديه: أف. طيب ما هو العلة؟ ما ذكرت، لكن استنبطها العلماء وهي ظاهرة: أن العلة في ذلك هو أذية الوالدين. لما تقول لهما: أف يتأذى بذلك ويرى أنك ترد أمره ولا تسمع له، والشرع أمر ببر الوالدين والإحسان إليهما. إذن العلة هي الأذية. هنا الآن الأصل هو: تحريم التأفف. طيب نأتي بفرع، ما حكم رفع الصوت عليهما أو الاعتداء عليهما بالضرب؟ الاعتداء عليهما بالضرب ما هو الجواب؟ الجواب: أنه محرم. لماذا؟ لأن ذلك أشد أذية من التأفف، أشد من قولك: أف. لما تصيح عليهما وترفع صوتك عليهما أو تعتدي عليهما بضرب، هذا لا شك أنه أعظم وأشد من قولك لهما: أف، فهو أولى بالتحريم. كذلك أيضا مثلا، نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان، والحديث في الصحيحين: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي وهو غضبان». في حال غضب، ما هي العلة؟ قال العلماء: هو تشويش الفكر؛ فإنه إذا قضى وهو غضبان ربما لم يصب الحكم الصواب وأخطأ بسبب تشويش فكره. هذه علة الحكم، وهو تحريم القضاء في حال الغضب. يلحق به ما كان فيه نفس العلة في غير الغضب، مثل الجوع المفرط. فإذا كان جائعا جوعا مفرطا فإنه كذلك لا يقضي؛ لأنه سيكون مشوش الفكر، أو يكون حاقنا يريد الحمام وقضاء الحاجة، فكذلك يكون مشوش الفكر، فإنه لا يقضي في مثل هذه الحالة. عندنا الآن الأصل وهو القضاء، تحريم القضاء في حال الغضب، والعلة هو تشويش الفكر. نأتي إلى الفرع وهو القضاء في حال الجوع، هذا فرع نلحقه بالأصل في حكم تحريم القضاء في مثل هذه الحالة، والعلة هي تشويش الفكر. هذا معنى قول المؤلف رحمه الله: فمتى نص الشارع على مسألة ووصفها بوصف، واستنبط العلماء أنه شرعها لذلك الوصف -كاستنباط تحريم التأفف لأجل الأذية، وتحريم القضاء في حال الغضب لأجل تشويش الفكر- ثم وجد ذلك الوصف في مسألة أخرى -وهو الفرع الذي يراد أن يقاس على الأصل- لم ينص الشارع على عينها من غير فرق بينها وبين النصوص، وجب إلحاقها بها في حكمها؛ لأن الشارع حكيم لا يفرق بين المتماثلات في أوصافها كما لا يجمع بين المختلفات. قالوا: هذا القياس الصحيح هو الميزان الذي أنزله الله، وهو متضمن للعدل وما يعرف به العدل. نعم، القياس الصحيح المعتبر هذا من كمال العدل ومن كمال عدل الشريعة أن تلحق المتماثلات بعضها ببعض. تلحق المتماثلات بعضها ببعض، فالشرع لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع. قال: والقياس إنما يعدل إليه وحده إذا فقد النص، فهو أصل يرجع إليه إذا تعذر غيره. معنى هذا أن القياس ما يصار إليه إلا عند عدم وجود النص، لا يوجد دليل في هذه المسألة من كتاب الله أو سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام بعينها، لكن عندنا ما يشبهها وما يماثلها في كتاب الله أو في سنة رسول الله، فإننا نلحقها بها، وهذا هو القياس. فيصار إليه عند عدم وجود النص، وأما مع وجود النص فالعبرة بما ورد في النص. ولذلك كما قال الإمام محمد رحمه الله: القياس هو كالميتة للمضطر، يعني ما يصار إليه إلا عند الضرورة. لو أن إنسانا أراد أن يأكل الميتة وهو غير مضطر، عنده طعام غير الميتة، ما حل له أن يأكل الميتة لأنه غير مضطر. كذلك يقال في القياس: ما يجوز له أن يقيس مع وجود النص؟ فإذا وجد النص فإن القياس يبطل. قال: وهو مؤيد للنص، فجميع ما نص الشارع على حكمه فهو موافق للقياس لا مخالف له. يعني يقول: إن القياس يؤيد النص، ما يخالف النص، ولا يمكن أن يوجد قياس صحيح يخالف النص أبدا. إذا وجد مخالفة فيعلم أن هذا القياس غير صحيح، وإلا فالقياس الصحيح لا يخالف النص. وما نص الشارع على حكمه فهو موافق للقياس لا مخالف له. ولا يدخل الإنسان عقله في باب النصوص، لا يدخل عقله في باب النصوص؛ فالنصوص لا تخالف القياس. والناس بالقياس على طرفين: وسط، قوم غلوا في باب القياس وتوسعوا في الاستدلال بالقياس حتى ربما يقيسون مع وجود النصوص، وهؤلاء مخطئون، كحال كثير من أهل الرأي الذين توسعوا في استعمال القياس وهو خطأ. وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: أكثر خطأ الفقهاء هو في باب القياس، يعني في توسعهم في الاستدلال بالقياس فيقيسون مع وجود النصوص. وقوم أنكروا القياس وطعنوا في القياس وأبطلوه، كحال بعض الظاهرية كابن حزم رحمه الله وغيره. وهؤلاء كذلك أيضا مخطئون. وبعض العلماء وأهل الحديث كذلك وردت عنهم بعض الألفاظ في ذم القياس وفي رد القياس، ويحمل كلامهم على القياس الخفي، القياس الذي لا تعلم علته وليس بقياس جلي. فأرادوا بذم القياس أو نفيه هو هذا النوع من القياس. وأما القياس الصحيح فهذا يعمل به حتى من أنكره كابن حزم رحمه الله أو غيره، فهم يعملون به لكن يغيرون اسمه، فيقولون: عموم النص، يقول: هذا دل عليه عموم النص، هذا هو القياس، لكن هم فروا من التسمية ولم يستطيعوا أن يفروا من العمل به، لكن سموه بغير اسمه، وهو عموم النصوص. والقول الوسط هو حجية القياس والعمل به إذا لم يوجد النص وكان القياس صحيحا، توفرت فيه أركانه، فإنه يعمل به وتثبت به الأحكام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.