الدرس في كتاب الحدود 6، ألقاها
السرقة هي أخذ مال الغير خفية ظلما من حرز مثله بشروط معينة، وهي محرمة بالكتاب والسنة والإجماع وتعتبر من كبائر الذنوب. يجب على فاعلها قطع يده رجلا كان أو امرأة إذا توافرت الشروط.
يشترط لإقامة حد السرقة عدة شروط، منها أن يكون أخذ المال خفية وأن يكون السارق مكلفا مختارا عالما بالتحريم، وأن يكون المسروق مالا محترما يبلغ نصابا معينا. هذه الشروط تجعل السرقة تستوجب العقوبة المحددة في الشريعة.
نصاب السرقة هو ربع دينار كما ورد في الحديث النبوي الصحيح، ولا قطع في أقل من ذلك. هذا النصاب هو الحد الأدنى الذي يستوجب قطع يد السارق إذا توافرت الشروط الأخرى.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف - قه الله -: الباب الخامس في حد السرقة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: تعريف السرقة وحكمها وحد فاعلها والحكمة من إقامة الحد فيها. قال: تعريف السرقة: السرقة لغة الأخذ خفية، أخذ الإنسان شيئا خفية يسمى سرقة، سواء كان شيئا حسيا كمال أو متاع، أو كان شيئا معنويا كسرقة النظر والسماع، يقال: سرق السمع أو سرق النظر إذا نظر من غير أن يظهر أنه نظر، يسمى سرقة لأنه حصل على طريق الخفية. قال: والسرقة شرعا أخذ مال الغير خفية ظلما من حرز مثله بشروط معينة، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. أخذ مال الغير خفية ظلما من حرز مثله بشروط معينة، هذه السرقة أخذ مال الغير، إذا لم يكن هناك مال فلا سرقة، أو أخذ شيئا لا يعد مالا كما سيأتي، ليس له حرمة، هذا لا يعد سرقة كالخمر أو ميتة أو نحو ذلك من الأشياء المحرمة كآلات الله، فلا يعد ذلك سرقة شرعا. قال: أخذ مال الغير خفية، يأخذ خفية من غير أن يرى أحد، فإذا أخذه علانية فليس هذا بسرقة، ليس هذا بسرقة وإن كان محرما وظلما واعتداء، لكن ليس له حكم السرقة، كما سيأتي، ما كان على سبيل النهب أو الاقتطاع أو الاختلاس، فالسرقة لابد أن يأخذ المال خفية. قال: ظلما، وهذا أيضا قيد يبين كذلك حكم المال المسروق أن يكون أخذه ظلما، أي بغير حق، يأخذه بغير حق، أما إذا أخذه خفية بحق، ليس ظلما، إنما هذا المال له، فأخذه خفية فلا يعد هذا سرقة. قال: من حرز مثله، يعني أن يكون هذا المال الذي أخذه مالا محروزا، أي محفوظا في الحرز والموضع الذي يحفظ فيه، لأنه إذا أخذه من غير حرزه، فإنه لا يعد سرقة، يعني حكم السرقة لا يكون حكم السرقة إذا كان المال غير محروز، وسيأتي ضابط الحرز. قال: بشروط معينة، سيأتي ذكرها. زاد بعضهم في التعريف: من مالكه أو نائبه، يعني أن يأخذ هذا المال من من يملكه، فخرج بهذا إذا أخذ المال من سارق، سارق سرق سارقا، هو الآن أخذه من مال من غير مالكه، فلا يعد هذا سرقة، لابد أن يأخذ المال من من يملكه أو نائبه، أي من ينوب عن هذا المالك. قال: حكم السرقة: السرقة حرام، لأنها اعتداء على حقوق الآخرين وأخذ أموالهم بالباطل، قد دل على تحريمها الكتاب والسنة والإجماع، وهي من كبائر الذنوب، فقد لعن الله صاحبها، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده». غير ذلك من الأحاديث في تحريم السرقة والتنفير منها، فالسرقة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع، في الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، والله عز وجل أمر بقطع يد السارق، وهذا يدل أن فعله هذا محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، حتى رتب عليه هذا الحد. ثالثا: حد فاعلها، قال: يجب على فاعلها الحد، وهو قطع يده، رجلا كان أو امرأة، لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، فالله عز وجل أمر بقطع يد السارق، سواء كان ذكرا أو أنثى، السارق والسارقة، الذكر والأنثى، فاقطعوا أيديهما، جزاء بما كسب، أي من هذا الفعل وهو السرقة، وهو نكال من الله، عقوبة وتوبيخ، والله عزيز حكيم. رابعا: الحكمة من إقامة حد السرقة، قال: احترم الإسلام المال واحترم حق الأفراد في امتلاكه، وحرم الاعتداء على هذا الحق بسرقة أو اختلاس أو غش أو خيانة أو رشوة أو غير ذلك من وجوه أكل أموال الناس بالباطل. المسألة الثانية: شروط وجوب حد السرقة، قال: يشترط لإقامة حد السرقة وقطع السارق الشروط التالية: أولا، أن يكون أخذ المال على وجه الخفية، فإن لم يكن كذلك فلا قطع، فالمنتهب على وجه الغلبة، والغاصب، والمختطف، لا قطع عليهم، لأنهم ما أخذوا المال خفية، أخذوه علانية. قال: بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع»، والحديث رواه الترمذي، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله، من حديث جابر رضي الله تعالى عنه. ثانيا: أن يكون السارق مكلفا، بالغا عاقلا، فلا قطع على الصغير والمجنون، لأنه مرفوع عنهما التكليف، كما مر، ولكن يؤدب الصغير إذا سرق. ثالثا: أن يكون السارق مختارا، فلا قطع على المكره، لأنه معذور، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». رابعا: أن يكون عالما بالتحريم، فلا قطع على جاهل بتحريم السرقة، إنسان يجهل أن السرقة حرام، إما أنه حديث عهد بإسلام، ولا يعرف أن السرقة حرام، أو يعيش في بادية بعيدة، ما سمع بحرمة السرقة، فهذا يعذر. خامسا: أن يكون المسروق مالا محترما، يعني مالا له حرمة كالنقود، المتاع من طعام وثياب وغيرها من أمتعة التي لها حرمة ولها قيمة، فهذا المال إذا سرقه الإنسان تقطع يده. سادسا: أن يبلغ الشيء المسروق نصابا، وهو ربع دينار ذهبا فأكثر، أو ثلاثة دراهم فضة، أو ما يمثل أحدهما من النقود الأخرى، يعني ما يقابل ربع الدينار أو ثلاثة دراهم من بقية الأمتعة كثوب أو إناء أو ساعة أو نعل أو غيرها من الأمتعة التي تبلغ هذه القيمة أو زيادة، فيكون قد سرق ما بلغ نصابا. قال: فلا قطع في أقل من ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا»، والحديث في مسلم، وهذا هو القول الصحيح أن نصاب السرقة ربع دينار. إلى هنا نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، ونكمل ما تبقى إن شاء الله في درس قادم. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.