الدرس في كتاب الطهارة 21، ألقاها
يتناول هذا الفصل شروط المسح على العمامة والخفين، ومدى اشتراط لبسها على طهارة، مع الإشارة إلى بعض الأحاديث النبوية ذات الصلة. يشرح أيضًا كيفية تطبيق هذه الشروط عمليًا.
يحدد هذا الفصل مدة المسح على الخفين للمسافر والمقيم بناءً على الأحاديث النبوية، ويشرح كيفية الجمع بين الأحاديث المختلفة في هذا الشأن. يشمل أيضًا توضيح الشروط اللازمة للمسح على الخفين.
يتناول هذا الفصل بعض المسائل الفقهية المتعلقة بالمسح على الخفين، مثل كيفية المسح، وتأثير انتهاء مدة المسح ونزع الخفين على الوضوء. يشمل أيضًا حكم المسح على العمامة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، في حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والتساخين -يعني الخفاف- رواه أحمد، أبو داود، وصححه الحاكم. وعرفنا في الدرس الماضي أن العمامة يشرع المسح عليها على القول الصحيح، أنه يشرع المسح عليها دون مسح شيء من الرأس، وأنه يجوز المسح على الناصية وعلى العمامة، وكذلك أيضًا المسح على الرأس وحده إذا كان مكشوفًا، كل ذلك ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهنا مسألة تتعلق بالعمامة، أو هل يشترط في العمامة ما يشترط في الخفين؟ يعني أن تلبس على طهارة، وأن تمسح في المدة المحددة، إذا لبسها الإنسان فيمسح، إن كان مسافرًا ثلاثة أيام ولياليهن، وإن كان مقيمًا يومًا وليلة، أو لا يشترط ذلك؟ بعض الفقهاء اشترط ذلك قياسًا على الخفين، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يشترط ذلك، وهو الصحيح أنه لا يشترط في العمامة ما يشترط في الخفين، فلا يشترط أن تلبسها على طهارة، وكذلك أيضًا لا يشترط في مسحها هذه المدة التي ثبتت في المسح على الخفين؛ لأن هذه الشروط إنما ثبتت في المسح على الخفين، وأما المسح على العمامة، فجاء الشرع بإطلاق جواز المسح عليها من غير تقييد بشيء من هذه الشروط، فنبقى على ما أطلقه الشرع. ثم إن القياس ليس بصحيح؛ لأن القدمين حكمهما غسل، وأما الرأس فحكمه المسح، فحينئذ اختلف الأصل والفرع، فلا يصح القياس حينئذ. قال الحافظ بن حجر رحمه الله في كتابه «بلوغ المرام»، في كتاب الطهارة، في باب المسح على الخفين: «عن عمر رضي الله عنه موقوفًا، وعن أنس مرفوعًا: إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليمسح عليهما وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من الجنابة»، أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه. والحديث كما قال الحافظ رحمه الله: إنه عن عمر رضي الله عنه موقوفًا -أي من قوله-، موقوفًا من قوله، رواه الدارقطني موقوفًا من قول عمر رضي الله عنه وهو صحيح، ورواه الدارقطني والحاكم من حديث أنس مرفوعًا -أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم- من قوله، والحديث صحيح. وهذا الحديث فيه كما مر: مشروعية المسح على الخفين إذا توضأ المتوضئ وضوءًا كاملًا، إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما، وإلا أن فيه عدم تحديد المدة التي ذكرت في الأحاديث الأخرى، قال: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة»، لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة. فهل يدل هذا الحديث على أنه يجوز للإنسان أن يمسح على خفيه ما شاء، ولو أكثر من ثلاثة أيام إن كان مسافرًا، أو أكثر من يوم وليلة إن كان مقيمًا؟ أم أنه يقيد بالحديث الأخرى التي فيها ذكر المدة في مشروعية المسح على الخفين؟ استدل بهذا الحديث من قال بأنه لا مدة للمسح وأنه يجوز أن تمسح ما شئت، يجوز أن تمسح ما شئت ولو كان أكثر من المدة التي وردت في الأحاديث، وهذا القول يروى عن الإمام مالك رحمه الله وأصحابه: أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين مدة محدودة، واستدلوا بهذا الحديث، وأيضًا بالحديث الذي سيأتي: حديث أبي بن عمارة، فقالوا: تدل هذه الأحاديث على أنه يشرع المسح على الخفين أكثر من هذه المدة. وجمهور أهل العلم على أن المسح على الخفين محدد بهذه المدة التي وردت في الأحاديث: حديث صفوان، وحديث علي، وحديث أبي بكرة كما سيأتي، فلا يزيد المسافر على ثلاثة أيام بلياليها، ولا يزيد المقيم على يوم وليلة، وهذا هو الصحيح، أن المسح على الخفين محدد بهذه المدة التي حددها الشرع. إذًا على ماذا يحمل هذا الحديث: حديث عمر، وحديث أنس؟ فالجواب: أنه يجاب عن هذا الحديث بجوابين: الجواب الأول: أنه مطلق وهو مقيد بالأحاديث الأخرى التي فيها تحديد مدة المسح للمسافر بثلاثة أيام ولياليه، وللمقيم بيوم وليلة، ولا إشكال حينئذ، أطلق في هذا الحديث وقيد في الأحاديث الأخرى، والمقرر في الأصول: أن المطلق يحمل على المقيد إذا اتفقا في الحكم، وهنا الحكم واحد وهو المسح على الخفين. والجواب الثاني: أن قوله: «ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة»، يحمل على أنه إذا أراد أن يمسح على خفيه فله ذلك؛ لأن المسح مستحب وليس بواجب، فله أن يخلع الخفين إذا انتهت المدة، ثم يغسل قدميه بعد أن يتوضأ وضوءًا كاملًا، ثم يلبس الخفين ويمسح ويستمر على ذلك، فيحمل على هذا أنه إذا انتهت المدة يخلع الخفين فيغسل قدميه، ثم يلبس الخفين ويستمر في المسح، وكلما انتهت المدة غسل قدميه ولبس الخفين من جديد واستمر على المسح عليهما. وكذلك أيضًا في هذا الحديث ذكر كذلك شرط آخر مشروط للمسح على الخفين، وهو أن المسح يكون عليها في الحدث الأصغر دون الحدث الأكبر، ولهذا قال: «إلا من جنابة»، يعني ما كان حدثًا أصغر فلا بأس أن تمسح على الخفين. قال رحمه الله: «عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليه وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما»، أخرجه الدارقطني وصححه ابن خزيمة. هذا الحديث فيه: المهاجر أبو مقلد، فيه المهاجر أبو مقلد، وهو فيه شيء من الضعف اليسير، قال المزي: «صالح»، وقال أبو حاتم: «لين الحديث، ليس بذاك، وليس بالمتقن، يكتب حديثه» -يعني في الشواهد-، فالحديث حسن بالشواهد، يشهد له حديث علي، وحديث صفوان، من عسال، ولهذا حسنه جمع من أهل العلم، منهم: النووي رحمه الله، وأكد العلامة الألباني رحمه الله. وأبو بكر -هو نفيع بن الحارث- مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يقول عن نفسه: «أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف، كان ممن تسلق هو وبعض الغلمان من أهل الطائف، ثم نزل فأسلم وأعتقه النبي عليه الصلاة والسلام». وهذا الحديث فيه: بيان رخصة المسح على الخفين، وأن ذلك موقوت بهذه المدة: ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، إذا تطهر ولبس خفيه أن يمسح عليهما، وهو من الأحاديث التي استدل بها الجمهور على تحديد مدة المسح بهذه المدة. قال رحمه الله: «عن أبي بن عمارة رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا؟ قال: نعم، قال: ويومين؟ قال: نعم، قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم وما شئت»، أخرجه أبو داود، وقال: «ليس بالقوي»، وكما قال الإمام أبو داود رحمه الله: فالحديث ضعيف، حديث أبي بن عمارة هذا ضعيف، فيه محمد بن يزيد بن أبي زياد، وهو مجهول، وعبد الرحمن بن رزين كذلك مجهول، وأيوب بن نعيم كذلك فيه لين. وهذا الحديث فيه: أن المسح على الخفين مطلق وليس مقيدًا بمدة معينة، قال: «نعم وما شئت» -يعني لك أن تمسح ما شئت-، طيب والحديث ضعيف لا يصح، وهو أيضًا من أدلة من قال بعدم توقيت مدة المسح بالمدة المحددة، لكن الحديث ضعيف، وهو إن صح فإنه سيقيد بالأحاديث الأخرى التي فيها تقييد المسح بالمدة المحددة. قال الإمام النووي رحمه الله: «واتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث» كما ذكره في «المجموع»، وهكذا أيضًا قال الإمام الدارقطني رحمه الله: «هذا إسناد لا يثبت»، بل ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات»، ذكر هذا الحديث في «الموضوعات»، فالحديث لا يصح. وعلمنا أن الصحيح هو توقيت المسح بمثابته في الأحاديث الصحيحة: بثلاثة أيام ولياليها للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وبهذا نكون انتهينا من هذا الباب: باب المسح على الخفين. وهنا نذكر بعض المسائل على جهة الاختصار التي تتعلق بهذا الباب، ويحتاج لها المسلم في المسح على الخفين، ومنها أولًا: كيفية المسح على الخفين، كيفية المسح على الخفين لم يرد أو يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء في بيان صفة وكيفية المسح على الخفين. ولهذا لو أن الإنسان مسح مثلًا بيده اليمنى على الخف الأيمن، ثم مسح بها على الخف الأيسر صح المسح، أو العكس لو أنه مسح بيده اليسرى على خفه الأيمن، ثم على خفه الأيسر صح المسح، ولو مسح عليهما جميعًا في وقت واحد صح المسح، يضع اليمنى فوق الخف الأيمن، واليسرى فوق الخف الأيسر، ويمسح على ظهر خفه -يعني من أطراف الأصابع إلى الساق-، ولو فعل هذه الكيفية فهو أحسن؛ لأن ظاهر الحديث «فمسح عليهما» يدل على أن المسح كان في وقت واحد، أن المسح كان في وقت واحد. نعم، والذات عليه الأحاديث: أنه يمسح على الخف فقط، يمسح على الخف، وعلى هذا فلا يشترط أن يمسح الجوانب -جوانب الخفين-، ولا أيضًا مؤخرة القدم، وإنما الذي يمسح هو أعلى الخف فقط، هذا هو الثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام، بأي صفة مسح صح المسح. وأيضًا من المسائل: لو أن الإنسان مسح على خف في الفترة المحددة، ثم انتهت هذه المدة، هل ينتقض وضوءه أم يبقى على وضوءه؟ يعني إنسان مثلًا مسح في صلاة المغرب، استمر في المسح إلى اليوم الثاني -يوم مقيم- جاء وقت صلاة المغرب، طيب جاء وقت صلاة المغرب وهو على طهارة، كان مثلًا توضأ في العصر وبقي على طهارة، أو توضأ قبل المغرب، فلما جاء وقت المغرب انتهت مدة المسح وهو على طهارة، هل تنتقض هذه الطهارة بانتهاء المدة أو هو باق على طهارته؟ الجواب: أنه باق على طهارته ولو انتهت المدة، فإن انتهاء المدة لا ينهي الطهارة، وإنما ينهي مشروعية المسح، ينهي مشروعية المسح. فإذا كان على طهارة يبقى على طهارته، لو أنه يصلي بهذه الطهارة المغرب والعشاء ما دام أنه ما زال على طهارة. وهكذا أيضًا كذلك لو نزع خفيه -مسح على الخفين في أثناء مدة المسح- نزع خفيه، هل تنتقض الطهارة؟ الجواب: لا، لا تنتقض، لكن إذا أراد أن يمسح عليهما فلابد أن يعيد الوضوء من جديد، يعيد الوضوء من جديد ويغسل قدميه، ثم يلبس الخفين ويمسح عليهما بعد ذلك. لكن إذا نزع الخفين فإن الطهارة لا تنتقض. وهكذا أيضًا المسح على العمامة، لو مسح على عمامته ثم نزع العمامة، هل تنتقض الطهارة؟ الجواب: لا، لا تنتقض، هو باق على طهارته. وكذلك أيضًا لو مسح وهو مقيم ثم سافر، مسح وهو مقيم ثم سافر، مسح مثلًا في الصباح وكان مقيمًا، وفي العصر سافر، هل يمسح مسح مقيم أو يمسح مسح المسافر؟ الجواب: يمسح مسح المسافر، يمسح مسح المسافر إذا سافر، فلأجل حينئذ أن يستمر ثلاثة أيام بلياليها. وكذلك العكس لو مسح وهو مسافر ثم أقام، إنسان في آخر سفره في اليوم الذي سيصل فيه إلى بلده، مسح مسح وهو مسافر، مسح مثلًا مسح بالصباح، وفي المغرب وصل إلى بلده وأراد أن يمسح، هل يستمر على مسح مسافر أو يمسح مسح المقيم؟ الجواب: يمسح مسح المقيم. طيب هذا على جهة الاختصار من باب التنبيه. وصل الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.