الدرس في كتاب الطهارة 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحكام الحيض ومباشرة الحائض، حيث يبين الموقف الإسلامي الوسط بين تشدد اليهود وتساهل النصارى في هذا الشأن. كما يشرح الأحكام المتعلقة بمباشرة الحائض مع منع الجماع.
يتناول هذا الفصل أحكام الحائض في مختلف العبادات مثل الصلاة والصيام والحج. يوضح أن الحائض لا تصلي ولا تقضي الصلاة الفائتة، بينما تقضي الصيام، ولا تطوف بالبيت حتى تطهر.
يتناول هذا الفصل أحكام النفساء والمستحاضة، ويشرح أحكام الحائض في رمضان. يوضح أن النفساء تقعد أربعين يوما، والمستحاضة يمكنها الاعتكاف مع اتخاذ الاحتياطات، والحائض في رمضان لها أحكام خاصة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسلمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: الحديث السابع والثمانون بعد المئة. عن أم عطية رضي الله عنها قالت: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا. رواه البخاري وأبو داود، واللفظ له. أي لأبي داود، ولفظه في البخاري: كنا لا نعد الكدرة والصفرة شيئا. بدون بعض الطهر. الكدرة والصفرة: الكدرة يعني ميلان الدم إلى لون الوسخ، يكون بنيا. والصفرة خروج ما يكون أصفر اللون. فتقول معطية: كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا، يعني إذا طهرت المرأة وانقطع دمها ورأت الطهرة، رأت القصة البيضاء التي تعرفها النساء، ثم رأت كدرة أو صفرة، فهنا لا تعد الكدرة والصفرة هنا شيئا، يعني لا تكون في حكم الحيض، بل هي في حكم الطهر. وقولها: بعد الطهر، مفهوم المخالفة أنه قبل الطهر يعد شيئا، يعني إذا جاء المرأة الحيض ثم انقطع الدم وخرج منها الكدرة والصفرة، هل تكون بهذا قد طهرت؟ الجواب: لا، هي ما زالت حائضا، ما دامت أن الكدرة والصفرة جاءت بعد الدم، فهي في حكم الدم. لكن لو انقطع الدم ورأت الطهر، ثم جاءت الكدرة والصفرة، فهي طاهرة. يكون حكم الكدرة والصفرة حكم ما قبلها، إن كان ما قبلها هو دم الحيض، فهي في حكم الحائض، وإن كان ما قبلها هو الطهر، فتكون في حكم الطاهرة. قال: حديث الثامن والثمانون بعد المئة. عن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يأكلوها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح». رواه مسلم. يخبر أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا يشددون في المرأة إذا حاضت، فلا يقربونها، حتى أنهم ما يأكلون معها، ولا ينامون معها. والنصارى على العكس من ذلك، تساهلوا ولا يبالون، بل ربما يجامع المرأة وهي حائض. فجاء الإسلام بالوسط، أجاز للرجل أن ينام مع زوجته الحائض، وأن يأكلها، وأن يساكنها، وأن يضاجعها، وأن يباشرها، وإنما منع من ذلك الجماع فقط. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح»، يعني الجماع والوطأ. إيش كل شيء؟ المآكلة، المضاجعة، المباشرة، إلا النكاح، إلا الوطأ في الفرج، هذا المحرم حال الحيض. قال: الحديث التاسع والثمانون بعد المئة. عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض. متفق عليه. هذا الحديث الآن يدل على مشروعية مباشرة الحائض، أن يباشر الرجل المرأة وهي حائض، المباشرة يراد بها مقدمات الجماع، الضم، التقبيل، إلى آخره. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر أزواجه، وكما في هذا الحديث، بالاتزار، الاتزار ما يلبس ما بين السرة والركبة، ما يغطى به ما بين السرة والركبة. قال: فيباشرني وأنا حائض، وهذا يدل على جواز مثل ذلك، خلافا لليهود. وسيأتي في الحديث القبل الأخير في هذا الكتاب ما يجوز للرجل من امرأته حال حيضها. قالت: قال الحديث التسعون بعد المئة. وعنها رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري، فيقرأ القرآن وأنا حائض. متفق عليه. انظروا، النبي صلى الله عليه وسلم كان يتكئ في حجر عائشة رضي الله عنها، وهي حائض، ويقرأ القرآن، وأن مثل هذا لا مانع منه، لا مانع منه. وفيه أيضا حسن معاملة النبي عليه الصلاة والسلام لأزواجه، وملاطفته لهم عليه الصلاة والسلام، وعدم كذلك الابتعاد من الحائض، بل كان يعني يضع رأسه في حجرها، ويقرأ القرآن، وهي حائض. قال: حديث الواحد والتسعون بعد المئة. وعنها رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه إلي وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض. متفق عليه. وهذا أيضا النبي صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه وهو معتكف، وكانت حجر النبي صلى الله عليه وسلم ملاصقة بالمسجد، فيدخل عليه الصلاة والسلام رأسه من نافذة إلى داخل حجرة عائشة، فتغسل رأسه وهي حائض، وأن مثل هذا لا مانع منه، يعني لا بأس للحائض أن تلامس زوجها، وأن هذا لا يضر. قال: الحديث الثاني والتسعون بعد المئة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: «يتصدق بدينار أو بنصف دينار». رواه الخمسة، وصححه الحاكم. أمن القطان، ورجح غيره وقفه. في الذي يأتي امرأته وهي حائض، يعني يجامعها حال حيضها، يعني جعل في هذا الحديث كفارة، يتصدق بدينار، أي من الذهب، أو نصف دينار. دينار وهو أربع جرامات ربع من الذهب، ونصف الدينار نصفها. وجاء في بعض الروايات أن التصدق بالدينار إذا كان في أول الحيض، ونصف الدينار إذا كان في آخر الحيض. لكن هذا الحديث الصيح أنه موقوف، من قول ابن عباس، أنه من قول ابن عباس. ورجع هذا جماعة من حفاظ، كأبي حاتم والبيهقي. ورواه جماعة عن شعبة موقوفا، وكان شعبة قد رواه مرة مرفوعا ثم تراجع ورواه موقوفا. وممن رواه موقوفا أيضا الأعمش وابن أبي ليلى. ولهذا جمهور أهل العلم لم يقولوا بهذا الحديث، وقالوا: أن من جاء امرأته وهي حائض، ليس عليه كفارة، وإنما عليه التوبة، عليه أن يتوب. فكونه يأتي امرأته وهي حائض، هذا محرم، لا يجوز. يسألونك عن المحيض، قل هو أذى، فاعتزلوا النساء في المحيض، ولا تقربوهن حتى يطهرن. فإذا فعل ذلك، وجب عليه التوبة، لكن الكفارة على الصيغة لا تجب عليه، لعدم ثبوت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: حديث الثالث والتسعون بعد المئة. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس إذا حاضت المرأة لم تصلي ولم تصم؟». رواه البخاري في حديث طويل. أراد بهذا الحديث بيان أن الحائض تمتنع من الصلاة والصيام، إذا جاءها الحيض، فإنها لا تصلي ولا تصوم، لا يجوز لها الصلاة، ولا يجوز لها الصيام، ولا كذلك الجماع. قال: حديث الرابع والتسعون بعد المئة. وعن معاذة قالت: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: أحرورية أنت؟ يعني أنت من الخوارج. الحرورية نسبة إلى موضع يقال له حروراء، كان فيه الخوارج. والخوارج كانوا يلزمون الحائض بقضاء الصوم وبقضاء الصلاة. فقالت: لا، لست بحرورية، ولكني أسأل. فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة. متفق عليه، واللفظ للمسلم. في هذا الحديث أن الحائض يجب عليها قضاء الصيام، ولا يجب عليها قضاء الصلاة. لماذا؟ لأن الصيام لا يشق قضاؤه، هي أيام معدودة، ربما تحيض في رمضان سبعة أيام أو ثمانية أو ستة أيام، فقضاءها ليس فيه مشقة. أما قضاء الصلاة، فيه مشقة، فيه مشقة. والشريعة جاءت بالتخفيف، يعني لو قلنا مثلا: حاضت ثمانية أيام، في خمسة صلوات، بأربعين صلاة، تقضيها إذا طهرت، لا شك أنه أمر شاق، فلهذا لم تأمر الشريعة بقضاء الصلاة، بخلاف الصيام. قال: الحديث الخامس والتسعون بعد المئة. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما جئنا سرف، حاضت، يعني جاءها الحيض. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلي ما يفعل الحاج»، يعني هذا في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، حجة الوداع، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري. متفق عليه في حديث طويل، حديث جابر في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام في مسلم. الشاهد هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز لعائشة لما حاضت أن تفعل ما يفعل الحاج، يعني من الوقوف بعرفة، المبيت بمزدلفة، رمي الجمار، إلى آخر ذلك من أعمال الحج، إلا الطواف، فإنها لا تطوف حتى تطهر. فدل هذا على أن الحائض لا تطوف، لا يجوز لها أن تطوف حول البيت حتى تطهر من حيضها. وأما المستحاضة، فالصحيح أنه يجوز، وقال جمهور أهل العلم، وإن كان بعضهم قال: كذلك حتى تطهر من استحاضة. لكن الاستحاضة حكمها حكم الطاهر، بخلاف الحائض. فالأصل أنه لا يجوز للحائض أن تطوف حتى تطهر من حيضها، إلا في حالة ما إذا كانت رفقتها ستسافر، وما يمكن أن تنتظر، ويشق عليها الرجوع إذا انقطع حيضها بعد ذلك، في هذه الحال أجاز بعض أهل العلم، كشيخ الإسلام رحمه الله، أن تطوف للضرورة، تتحفظ وتطوف. قال: حديث السادس والتسعون بعد المئة. وعنها رضي الله عنها قالت: اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، وهي مستحاضة، يعني يخرج منها دم الاستحاضة، دم مستمر. فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي. يعني من كثرة الدم، وضع الطست تحتها، يخرج فيه الدم. رواه البخاري. هذا الحديث فيه أن المستحاضة يختلف حكمها عن حكم الحائض، فالحائض مرة معنا أنها لا تصلي ولا تصوم، لكن المستحاضة تصلي، تصلي وإن خرج منها الدم، فإنها لا تنقطع عن الصلاة. ويجوز لها كذلك أن تعتكف في المسجد مع زوجها، إذا كان هناك مكان مختص بها تتستر فيه عن الرجال. وكذلك أيضا أن تتمكن من تلويث المسجد، تعرفون المسجد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفروشا بالحصى، بخلاف مساجد اليوم، مفروشة بالفرش الثمينة، فلابد أن تتحرز من تلويثها، وتتحفظ بشيء يمنع من نزول الدم. وإذا كان كذلك، فلا بأس أن تعتكف ولو كانت مستحاضة. قال: حديث السابع والتسعون بعد المئة. وعن معاذ رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: «ما فوق الإزار». رواه أبو داود، وضعفه. هذا الحديث له ثلاث علل، العلة الأولى: تدليس بقية، بقية من الوليد. والعلة الثانية: ضعف سعد بن أبي الزناد، براوي هذا الحديث. والعلة الثالثة: انقطاع بين عبد الرحمن بن عائذ ومعاذ، فالحديث لا يصح. قال: حديث ثامن والتسعون بعد المئة. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانت النفساء تقعد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما. رواه أبو داود. وفي لفظ له: ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس. وصححه الحاكم. هذا الدم نحن ما ذكرناه في الدرس الماضي، هو أيضا من الدماء التي تخرج من المرأة، دم النفاس، وهو الدم الذي يخرج بعد الولادة، أو قبل الولادة يعني بيوم أو يومين، إذا كان مع أثر ألم الولادة، فهو حكم حكم النفاس. فالنفساء هي التي تلد ويخرج منها الدم. تقول أم سلمة: كانت النفساء تقعد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما، يعني تمتنع من الصلاة والصيام إلى آخره، إلى تمام أربعين يوما، ثم بعد ذلك تغتسل وتكون في حكم الطاهرات. وحيث أم سلمة له طرق عديدة، محسن جماعة من أهل العلم، وبه قال جمهور العلماء. إذا نفست وخرج منها دم النفاس، فإنها تقعد أربعين يوما، بعد الأربعين إذا ما زال الدم مستمرا، تغتسل وتكون في حكم المستحاضة. وأما إذا كان قد ظهر شيء من علامات الانقطاع، بدأ الدم ينقص، فتنتظر ولو زاد الأربعين حتى تطهر. إذا انقطع دم النفاس قبل الأربعين، هل لها أن تصلي وتصوم؟ الجواب: نعم، إذا انقطع قبل الأربعين، فإنها تغتسل وتصلي وتصوم وتكون في حكم الطاهرات. إذا عاد دم النفاس في الأربعين، تنظر في الدم، إذا كان فيه صفات دم الحيض، فهي حائض. أو كان فيه صفات دم النفاس، فتكون نفساء. وأما إن كان الدم ليس فيه صفات دم الحيض والنفاس، وإنما هو دم أحمر، صفات دم الاستحاضة، فتكون في حكم المستحاضة. إذا كان فيه صفات دم الحيضاء الصلاة والصيام، هل يلزمها قضاء ما قد صلته وصامته بعد انقطاع الدم قبل الأربعين؟ الجواب: لا، صومها صحيح، صومها صحيح. تأتي المسألة: متى يحكم على المرأة بأنها نفساء؟ يحكم عليها بأنها نفساء إذا وضعت ما تبين فيه خلق إنسان. إذا أخرجت قطعة من اللحم مخلقة أو غير مخلقة، فهذا دليل على أن ما وضعته بداية تخلق إنسان، فيكون هذا الدم دم نفاس. وما كان دون ذلك، علقة، قطعة من الدم، فهذا لا يعد دم نفاس، إنما يعد دم فساد، لا يمنعها من الصلاة والصيام. إذا أسقطت وأخرجت قطعة من الدم، هذه لا تعتبر نفساء، تصلي وتصوم. وإذا أخرجت قطعة من اللحم، فهذا دليل على أن هذا بداية التخلق، تكون نفساء، تكون في حكم النفاس. وهكذا إذا كان مخلقا. ثم إذا جلست في حال نفاسها، فحكمها حكم الحائض، يعني لا يلزمها قضاء الصلاة حال النفاس، لكن يلزمها قضاء الصيام. ويحرم عليها الجماع، والطواف حول البيت، إلى آخر ذلك مما هو يحرم على الحائض. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.