التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 17

الدرس في التعليق على كتاب فضل الصلاة على النبي للإمام إسماعيل بن إسحاق المالكي 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تفسير معنى صلاة الله وملائكته على النبي

يفسر المقطع معنى صلاة الله وملائكته على النبي محمد عليه الصلاة والسلام، حيث يوضح معنى صلاة الله والملائكة. يبين اختلاف أقوال العلماء في هذا السياق وتوضيح ضعف بعض الآثار الواردة.

مشروعية زيارة قبر النبي وآدابها

يشرح المقطع مشروعية زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه، ويبين أن شد الرحل يكون إلى المسجد النبوي. يستدل على ذلك بأحاديث وأفعال الصحابة مثل عبد الله بن عمر.

التشنيع على من يحذر من الغلو في النبي وتوضيح موقف ابن تيمية

يتناول انتقاد بعض العلماء لشيخ الإسلام ابن تيمية بسبب فتواه بعدم جواز شد الرحل إلى قبر النبي. يبرر ابن تيمية ذلك بحديث النبي الذي يحذر من شد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي رحمه الله: بكتابه "فضل الصلاة على النبي" عليه الصلاة والسلام، قالوا: حدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا خالد بن يزيد، عن أبي جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، أي في قوله جل وعلا: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، قال: صلاة الله عز وجل ثناؤه عليه، وصلاة الملائكة عليه الدعاء. وهذا الأثر مقطوع حسن من قول أبي العالية رحمه الله، وقد ذكره البخاري في صحيحه معلقًا. فأبو العالية يذكر معنى صلاة الله عز وجل على عبده، لما نقول: صلى الله على محمد، اللهم صل على محمد، فقال: صلاة الله عز وجل عليه ثناؤه عليه، اللهم صل على محمد، أي أثن عليه وامدحه واذكره بالخير في الملأ الأعلى. قال: وصلاة الملائكة عليه الدعاء، ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، صلاة الله الثناء، والصلاة من الملائكة الدعاء، يصلون على النبي، أن يدعون للنبي عليه الصلاة والسلام بالمغفرة والرحمة ورفع الدرجة. ومثل ذلك أيضًا صلاة الملائكة على المصلي الذي يخرج إلى الصلاة، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: لا يريد إلا الصلاة، لا ينهزه إلا الصلاة، يخرج متوضئًا إلى المسجد، لا يمشي خطوة إلا رفعت له درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاة الذي صلى فيه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه. ففسر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث صلاة الملائكة على العبد بالدعاء له بالمغفرة والرحمة. وهكذا قال هنا أبو العالية: وصلاة الملائكة عليه الدعاء، أي تدعو له عليه الصلاة والسلام. قال: وحدثنا نصر بن علي، قال: حدثنا محمد بن سواء، عن جويبر، عن الضحاك، قال: صلاة الله رحمته، وصلاة الملائكة الدعاء. وهذا الأثر ضعيف؛ فجويبر هذا ابن سعيد البلخي ضعيف جدًا. قال: وحدثناه محمد بن أبي بكر، قال: حدثنا محمد بن السواء، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك، هو الذي يصلي عليكم وملائكته، قال: صلاة الله مغفرته، وصلاة الملائكة الدعاء. وهذا الأثر كذلك ضعيف. وتفسير الصلاة بالرحمة خلاف الصواب؛ لأن الله عز وجل قد غاير بين معنى الصلاة وبين الرحمة في قوله جل وعلا: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾، فدل هذا أن معنى الصلاة غير الرحمة، بل الصلاة بمعنى الثناء والمدح، وكذلك أيضًا بمعنى الحنو والعطف، كما قال ابن القيم رحمه الله، الذي يتضمن معنى النصر والتأييد، فيكون معنى الصلاة أعم من معنى الثناء؛ ثناء وزيادة، ثناء ونصر وتأييد، وكذلك إعانة وغير ذلك من المعاني. قال: وحدثنا عبد الله بن مسلم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا الأثر صحيح، هو موقوف على عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وسيأتي في بعض الطرق الأخرى أنه كان يفعل ذلك إذا قدم من السفر. قال: حدثنا علي، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثني عبد الله بن دينار، قال: رأيت ابن عمر إذا قدم من سفر دخل المسجد، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، ويصلي ركعتين. وهذا الأثر صحيح، فابن عمر إذا قدم من السفر كان يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام وعلى أبي بكر وعلى أبيه، السلام عليك يا رسول الله، السلام على أبي بكر، السلام على أبي، يفعل ذلك إذا قدم من السفر. وقوله: ويصلي ركعتين، يعني في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام. ومثل ذلك، يعني السلام على قبر النبي عليه الصلاة والسلام وعلى صاحبيه، هذا مشروع، ولهذا يشرع لمن ذهب إلى المدينة وزار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه ركعتين أن يسلم، أن يزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقبر صاحبيه، لكن من غير شد رحل، شد الرحل يكون إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام. لا تشد الرحال، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا»، فيجوز للمسلم أن يقصد السفر إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ليصلي فيه، هذا جائز، لكن لا يجوز أن يشد الرحل لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما يكون شد الرحل إلى المسجد، ثم إذا جاء إلى مسجد النبي عليه الصلاة والسلام جاز له تبعًا أن يزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لا يجعل ذلك أصلًا، وإنما يجعله تبعًا. فعبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا قدم من سفر يبدأ بالمسجد فيسلم على رسول الله وعلى أبي بكر وعلى أبيه، ثم يصلي في مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. قالوا: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر دخل المسجد، ثم أتى القبر، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. وهذا أيضًا سنده صحيح إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. وهذه المسألة لما اختلطت على بعض من ينتسب إلى العلم شنع على من أنكر عليهم هذه المسألة، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لما أفتى بذلك أنه لا يجوز شد الرحل إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، شن عليه من كان في زمانه ممن ينتسب إلى العلم ممن عنده لوثة التصوف، وكذلك أيضًا الغلو في النبي عليه الصلاة والسلام، فأنكر عليه ذلك حتى ألبوا عليه ولي الأمر في ذاك الزمن وسجن رحمه الله بسبب هذه المسألة، وابتلي ابتلاءً عظيمًا. وهو قد أخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام الصريح في أنه لا يجوز شد الرحال إلى أي موضع من المواضع حتى إلى قبره عليه الصلاة والسلام، وهو ظاهر العموم في هذا الحديث: «لا تشد الرحال»؛ حيث بسنده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في الصحيح: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث مساجد»، إذن غير المساجد الثلاثة فلا يجوز شد الرحل إليها، ومن ذلك قبر النبي عليه الصلاة والسلام. وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «لا تجعل قبري عيدًا»، وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، كل ذلك حرصًا منه عليه الصلاة والسلام على سد ذرائع الوقوع في الشرك، وكذلك تعظيم الأنبياء والغلو في هذا الباب. فشن عليه هؤلاء الجهلة ممن ينتسب إلى العلم، فضلًا عن من كان بعيدًا عن العلم. وهكذا تجد أمثال هؤلاء في كل زمان وفي كل مكان يشنعون على من أنكر مثل هذه المسائل التي تسد بها ذرائع الشرك في عبادة الله جل وعلا، واتهموا من قال بذلك بأنه لا يعظم الأنبياء ولا يعظم الأولياء، ونحو ذلك من العبارات التي يراد منها التشنيع، وكذلك التحقير من شأن من حذر من مثل هذه المسألة، وكذلك استعطاف الناس واللعب بعواطفهم بمثل هذه العبارات وهذه الجمل. ولذلك من كان على الحق والهدى وداعيًا إلى التوحيد فلابد أن يبتليه وأن يمتحن بأمثال هؤلاء. قال: وحدثني إسحاق بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر صلى ركعتين في المسجد، ثم يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيضع يده اليمنى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ويستدبر القبلة، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وهذا الأثر بهذا السند ضعيف. وقوله: ويضع يده اليمنى على قبر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه اللفظة منكرة، كما أشار إليه العلامة الألباني رحمه الله؛ فقد تفرد بها عبد الله بن عمر العمري المكبر، وهو ضعيف. وهكذا أيضًا الراوي عنه إسحاق بن محمد الفروي، وهو أيضًا فيه ضعف. لأجل هذا فهذه اللفظة لا تصح. والصحيح ما تقدم من الروايات الأخرى: أنه كان يأتي قبر مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فيصلي فيه، ثم يزور قبر النبي عليه الصلاة والسلام فيسلم عليه وعلى أبي بكر وعلى أبيه رضي الله تعالى عنهم. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.