الدرس في التعليق على النصيحة الولدية وصية أبي الوليد الباجي لولديه 22، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يؤكد المقطع أن العدل واجب في كل ولاية وحكم، مستدلاً بالقرآن والسنة على أن المقسطين ينالون الجنة والظالمون النار. ويبين أن العدل مطلوب في القضاء والفتوى والأهل مع تحذير من الحكم بالهوى والمحاباة.
يشدد المقطع على وجوب العدل في جميع الأحكام والمسؤوليات وعدم الميل للهوى أو العداوة، مستشهداً بأمر الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ينتقل للتحذير الشديد من شهادة الزور باعتبارها من أكبر الكبائر التي تفسد الدين.
يحذر المقطع من شهادة الزور التي تقطع ظهر صاحبها وتتحمل وزرها يوم القيامة، خاصة عند شرائها بالمال في المحاكم. كما يبين حرمة الرشوة لغةً وشرعاً، وأنها تعمي البصيرة وتضع القدر، مع التفريق بينها وبين ما يُبذل لاستخراج حق أو دفع ظلم.
يختتم المتحدث الدرس بالاكتفاء بما طرح، ثم يردد دعاء الختم: سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام الباجي رحمه الله في وصيته لولديه: «العدل في الحكم، فإن بلغ أحدكما أن يسترعيه الله أمة بحكم أو فتوى، فليمتثل العدل جهده، ويجتنب الجور وغدره، فإن الجائر مضاد لله في حكمه، كاذب عليه في خبره، مغير لشريعته، مخالف له في خليقته». قال الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وقد روي: «أن الخلق كلهم عيال الله، وأن أحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله». وهذا الحديث الذي ذكره ضعيف، رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم كذلك في الحلية، والخطيب في تاريخ بغداد. وقال: «روي: ما من امرئ استرعى رعية فلم يحطها بنصيحة إلا حرم الله تعالى عليه الجنة». وهذا الحديث الذي ذكره هو حديث عقبة بن عامر، متفق عليه: «ما من راع يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصحه إلا حرم الله عليه الجنة»، وفي رواية: «لم يجد رائحة الجنة». فهذا الأمر الذي ذكره رحمه الله، وهو العدل في الحكم، أن المسلم مطالب بأن يعدل في حكمه. فإذا استرعيت رعية، أي رعية كانت، فإنك لابد عليك من العدل، تجتهد في أن تعدل بينهم. فإن كان لك أولاد، تعدل بين أولادك، وإن كان لك زوجات، تعدل بين زوجاتك. فالمسلم مطالب بالعدل. هذه الأمة هي أمة عدل وأمة خيرية. الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾. فأمة الوسط أمة العدل، وأمة الخيار، أمة محمد عليه الصلاة والسلام. فالمسلم يسترعي رعية يعدل بينهم في الأحكام. فإذا كنت واليًا، أو كنت أميرًا، أو رئيسًا، أو مسؤولًا، فمن دونك من الرعية يجب عليك العدل فيهم، وإلا يوم القيامة أُخذت إذا لم تعدل فيهم. فجاءت أحاديث كثيرة تأمر بالعدل، منها حديث ابن عمر عندما دخل على عبيد الله بن زياد، فقال له: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم». الحطمة: أي الذي يحطمهم، يحطمهم، لا يعدل فيهم، ويشق عليهم. فإذا كان كذلك فهو شر الرعاء، أي شر الرعاة الذين يرعون الأمة، فيأخذ بجوره ويأخذ بظلمه. والوالي المقسط والعادل من أهل الجنة، كما جاء في حديث عياض بن حمار رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أهل الجنة ثلاثة»، وذكر منهم: «ذو سلطان مقسط موفق». سلطان: أي صاحب سلطة. مقسط: أي عادل. موفق: أي من الله سبحانه وتعالى. وأيضًا توضع لهم المنابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في الأحكام. الذين يعدلون في الأحكام أيضًا توضع لهم منابر من نور، كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إن المقسطين على منابر من نور». قال: «الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». فإذا عدلوا في الحكم، وعدلوا في الأهل، وعدلوا في الولاية، يكونون يوم القيامة على منابر من نور. فيقول لولديه: «عليكما بالعدل إذا استرعيتم رعية». فالذي يسترعى رعية مطالب بالعدل، وليحذر من الظلم والجور، سواء كان في الحكم أو في الفتوى، بأن لا يعدل في فتوى إذا استفتي. فالعالم مثلاً يستفتى، قد يأتيه خصمان، فينبغي عليه أن يعدل في الحكم، ولا يحكم بالهوى، ولا يحكم بالمحاباة، ولا بالعاطفة، بل عليه أن يحكم بقول الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالفتوى أيضًا مجالها ليس بالسهل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع. فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار». إذن القاضي يحكم بما سمع، هذا هو الأصل، أنه يحكم بما سمع من الخصمين. لكن لا يحابِ أحد الخصمين، ولا يحكم بالهوى، بل يحكم بالحق ويحكم بالعدل. لأن القضاء، ذكر منهم عليه الصلاة والسلام: «قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنة». فالذي يحكم بالهوى في النار، والذي يحكم بالجور والظلم في النار. لهذا ينبغي على الشخص أنه يتحرى العدل في الأحكام. ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. يعني: قد يكون بينك وبين الذي ستتكلم فيه أو ستحكم عليه عداوة، فلا تأخذك هذه العداوة على أنك لا تعدل في الحكم. بعض الناس يتجاوز في الأحكام، عنده غلو في الأحكام، فما يذكر وما يحكم بالعدل، ولا يساوي بين الناس بالعدل، بل ربما أخذوا في ذلك الظلم والهوى. ونحو ذلك. لهذا: الجائر مضاد لله في حكمه. مضاد: أي هذا حكمه خلاف حكم الله سبحانه وتعالى. وأيضًا هو مخالف له، أي مخالف لله عز وجل في خليقته. لأن الله يأمر بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾. فأمرنا بأن نعدل في كل شيء. نعدل في أقوالنا، نعدل في فتاوينا، نعدل في أحكامنا، لا نتجاوز الحد. إذا حكمت على شخص، اعدل في حكمك عليه. إذا كان لك رعية، اعدل في حكمك بينهم. أعطِ كل ذي حق حقه. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». حتى في الأولاد تعدل بين الأولاد في العطية، في الهدية، فيما أعطاك الله سبحانه وتعالى. تعدل بين الناس. فهذا حكم عام لكل مسلم أن يعدل فيما ولي من المسؤوليات. من المسؤوليات، فلا شك أنك ذو مسؤولية، فأنت ذو مسؤولية، فماذا تفعل؟ عليك بالعدل. إن عدلت لقيت الأجر عند الله عز وجل، كما ذكر في الأحاديث: على منابر من نور، وهم من أهل الجنة. فهذا جزاء العادلين في أحكامهم، في أقوالهم، ما يتجاوزون الحد. ولو كانت بينه وبينه شحناء أو بغضاء أو غير ذلك، لكن يقول الحق فيه. الحق في هذا الشخص كذا وكذا، لا أتجاوز الحد فيه. فيعدلون. أهل السنة في الأحكام، أهل السنة وسط دائمًا، وسط بين الفرق، وبين الطوائف، وبين الملل، دائمًا يسلكون مسلك الوسط. وهذه مزية لهم. بخلاف أهل الأهواء والبدع. صاحب الهوى والبدع ما يحكم عليك بالعدل، يكيل بمكيالين. يكيل بمكيالين. أما أنت، عندك مكيال وميزان واحد: ميزان القسط، ميزان العدل الذي أمرت به في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولو كان مخالفًا لك، ولو كان مخالفًا لك، فتأتي فيه بالحكم العدل. في الفتوى تأتي كذلك. فيما أعطاك الله عز وجل في القسمة تعدل. لو كان لك زوجات، تعدل بين زوجتيك أو زوجاتك. وهكذا لو كان لك أولاد، تعطيهم مثلهم، سواء تعدل بينهم، كل على ماذا؟ على ما يقتضيه الحال، على ما يقتضيه الحال. وكما أيضًا ذكر أهل العلم رحمه الله تعالى، فتسترشد بأقوالهم وبفتاويهم. قال: «وإياكم وشهادة الزور، وإياكم وشهادة الزور، فإنها تقطع ظهر صاحبها، وتفسد دين متقلدها، وتخلد قبح ذكره، وأول من يمقته ويتم عليه المشهود له، وينم وينم عليه المشهود له». طيب، هذه أيضًا مسألة أخرى ذكرها رحمه الله، وهي قضية الشهادة. يحذر المسلم من شهادة الزور. شهادة الزور مبنية على الكذب، مبنية على عدم الرؤية، عدم السماع. ما شاهد، ولا رأى، ولا سمع، فيقول: نعم، أشهد أن فلانًا هذا كذا وكذا. شهادة الزور من كبائر الذنوب، من الكبائر التي تجب فيها التوبة. شهادة الزور، وقد يكون في شهادة الزور هذه - والعياذ بالله - فيها استخراج باطل، يعني يشهد بباطل لباطل. فلهذا ينبغي عليك أن تحذر. ما كل شيء تشهد عليه. تشهد على الذي سمعت، وتشهد على الذي رأيت. فإن الشهادة مبنية على أمرين: على الرؤية، وعلى السمع. على الرؤية، وعلى السمع. فيكون شاهدًا بحق، شاهدًا بحق. فتقول: سمعت فلانًا، أو رأيت فلانًا، رأيت كذا وكذا بأم عيني. فتشهد على ما رأيت، لا تزد ولا تنقص. وأيضًا في السمع: تقول: سمعت كذا وكذا، لا تزد ولا تنقص. إذا دعيت لي الشهادة، فشهادة الزور شهادة خطيرة، قد يكون فيها اقتطاع حق امرئ مسلم. ولهذا غلظها الشرع، غلظ شهادة الزور، كما في حديث بكرة: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» بأكبر الكبائر. قال: قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». وعقوق الوالدين. ثم قال: «ألا وشهادة الزور». وكان متكئًا، فجلس، فجعل يكررها: «ألا وشهادة الزور». متكئ: أي كان متكئًا على يده عليه الصلاة والسلام، ثم جلس، اعتدل في الجلسة، فقال: «ألا وشهادة الزور». قال: «فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت». ومعنى «قلنا ليته سكت»: أي ما يشق على نفسه. الصحابة رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كرر هذا الأمر، وشق على نفسه فيه، فأشفقوا عليه، حتى قلنا: ليته سكت، أي ليته سكت حتى لا يشق على نفسه. لأن هذا أمر عظيم، وهو شهادة الزور، والعياذ بالله. فالشهادة تقطع ظهر صاحبها، وتفسد الدين، تفسد دين صاحبها. فعلى المرء أن يتحرى ما يكون شاهدًا على كل شيء. فإن إذا شهدت بالكذب - والعياذ بالله - تحملت الوزر، تحملت الوزر يوم القيامة. فربما يكون فيها - كما سمعت - اغتطاع حق امرئ مسلم، أو شهادة على عرض مسلم. لأن بعضًا عندما يكتب، يقول عن فلان... يعني أنت صرت شاهدًا الآن عن فلان. حدثني فلان، وقال فلان، وسمعت فلان. فانتبه أن تكون خصمًا، وخصوصًا أن تكون خصمًا لأهل العلم، تشهد عليهم بباطل، ما فعلوه وما قالوه. فلهذا ينبغي المسلم أن يحذر من شهادة الزور، وخصوصًا التي تكون في المحاكم. عندما يأتي ويستدعى هذا الشاهد، ويوم... يعني من علامات الساعة أنه سيأتي قوم يستشهدون ولا يشهدون، يعني أنهم لا يشهدون بحق. وهم أيضًا يسارعون في الشهادة، يسارعون في الشهادة. الآن لو تريد لك أي شاهد، تعطيه فلوس، عند المحاكم وعند الأحوال وغيرها، على طول موجود. هؤلاء موجود، ولا يعرف... تقول: أريدك تقول كذا وكذا، أو أن تكتب كذا وكذا، أو أن تبصم. حتى البصمة هذه، تبصم على ماذا؟ أنت شخص ما تعرفه، شخص ما رأيته، شخص ما سمعت شيئًا، لا تعرف أيش القضية بينه وبين أخيه المسلم. لهذا ينبغي أن يحذر الإنسان من هذا الأمر الخطير. ثم قال: «تحريم الرشوة، وإياكم والرشوة، فإنها تعمي عين البصير، وتحط قدر الرفيع». الرشوة: هذا المال الذي يُعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل، كما قال العلماء. الرشوة: يُعطى مال بغير حق، مال تعطيه لأجل إبطال حق أو إحقاق باطل. أما ما كان لك حق فيه وسعيت فيه بمال، فلا يدخل في الرشوة. إذا كنت صاحب حق، وكان الحق لك لا لغيرك، فسعيت فيه بالمال، فأعطيت واستخرجت بالمال، فلا يعد من الرشوة. فالشافعي رحمه الله تعالى يرى أن الرشوة: ما دفع لإحقاق باطل أو إبطال حق، أو إبطال حق. فهذا المال الذي أعطي للآخذ يسمى رشوة، والذي أعطى يسمى راشي. راشي، والمرتشي هو الذي يأخذ المال. والرائش هو الشخص الثالث أو الواسطة بينهما. قد يكون هناك واسطة يسهل لك المعاملة، يقول لك: فلان يبغى كذا وكذا، أنت هات الأوراق وأنا سأخلصها لك. فتعطيه مبلغًا من المال. سُمّي الرائش. جاء لعن النبي صلى الله عليه وسلم للراشي والمرتشي: «لعن الله الراشي والمرتشي». هذا الحديث صحيح. والرشوة مأخوذة من الرشا، وهي الوصلة، وهي الوصلة الحبل المتدل على شفير البئر، ليتوصل به إلى الماء، فيسمى الرشا بكسر الراء، يسمى الرشا. كما قال ابن الأثير، يقول في تعريفها رحمه الله: «الرشوة: الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، تتوصل إلى حاجتك بالمصانعة، وأصله من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء». وأصله من إيش؟ من الرشا الذي يتوصل به إلى الماء. الرشا يعني الحبل. فالراشي: الذي يعينه على الباطل. والمرتشي: الآخذ. والرائش: من يسعى بينهما، يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا. هذا يسمونه الواسطة، تسمى إيش؟ رائش. يستزيد لهذا، يعني قد يستزيد صاحبه، أو يستنقص لهذا، ننقص له شوي، زيد شوي، وهكذا. قال: «فأما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم، فغير داخل فيه». إذن ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم عنك، فليس داخل فيه. كذا قال ابن الأثير أيضًا في تاج العروس. إذن الكلمة هذه ثلاثية، الكلمة ثلاثية، يقال: رشا، ورشا، ورشا، بكسر الراء وضم الراء وفتح الراء. الرشا: هو الحبل. هذه أيضًا ستجدونها ربما في مثلثة قطر. الرشا: هو الحبل. والرشا: جمع رشوة، أو رشوة جمع رشوة. الرشا بالضم، بضم الراء. والرشا: ولد الغزال، ولد الغزال يقال له الرشا بفتح الراء. فهذا ما جاء في هذه القضية، أو في هذه المسألة، أن الرشوة محرمة. فقال: «وإياكما والرشوة، فإنها تعمي عين البصير، وتحط قدر الرفيع». فينبغي للشخص أن لا يدفع مالًا لمن لا يستحقه، لمن لا يستحقه. فينبغي أخذ الأمور من أبوابها، ويحاول لقدر المستطاع أن يستخرج حقه بدون أن يدفع لهؤلاء الذين يستحلون هذه الأموال. والله المستعان. نكتفي بهذا القدر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر.