آداب الغضب 1

آداب الغضب 1

الدرس في آداب الغضب 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في أدب الغضب وضوابطه

يتحدث عن أدب الغضب وضرورة التمييز بين الغضب المحمود والمذموم، حيث يُمدح إذا كان لله ويُذم إذا كان للذات. يُشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغضب لله.

أهمية ضبط الغضب بضوابط شرعية

الغضب صفة بشرية يجب ضبطها شرعًا لتجنب العواقب الوخيمة، حيث يمكن أن يؤدي الغضب المذموم إلى مشاكل كبيرة إذا لم يعالج بالآداب الشرعية.

آثار الغضب على الأفراد والمجتمع وآدابه في الإسلام

الغضب يؤدي إلى مشاكل كبيرة مثل الطلاق والقتل، والإسلام جاء لتهذيب آداب الغضب وتنظيمه، ويجب اتباع شرع الله في هذا الشأن.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، من الآداب إخواني في الله التي سنتحدث عنها في هذه المجالس المباركة ما يتعلق بأدب الغضب، وخاصة ونحن قد تكلمنا في دروس سابقة عن آداب العطاس، ومن ثم التثاؤب، وبعد ذلك الجشاء، وعلمنا أنها من الحالات العرضية التي تعترض على الإنسان بين الفينة والأخرى، فناسب كذلك أن نذكر ما يتعلق بهذه الحالة التي ما منا من أحد إلا ويبتلى بها، ألا وهي الغضب. ولا شك ولا ريب أن الغضب يعد من الأخلاق المتعلقة بالنفس، لكن لما كان لهذا الخلق من سلوكيات لها أثرها في التعامل مع الناس، فالعلماء جعلوا له آدابا، ولهذا إخواني في الله في هذه المقامات سنتدارس وإياكم ما يتعلق بأدب الغضب. وقبل الشروع في هذا الأدب إخواني في الله، أود أن أنبه على أمور وهي كالمقدمة، المسألة الأولى جاءت آثار والتي فيها أخبر عليه الصلاة والسلام على أن الغضب من الشيطان، يحسنه جماعة من أهل العلم الغضب من الشيطان، وأدلته الصحيحة تدل على صحة معناه. وهنا تأتي مسألة نستفتح بها هذا المقام، ألا وهي هل الغضب كله يذم؟ كله يمنع؟ الجواب لا، لأن من الغضب ما هو محمود، ومن الغضب ما هو مذموم لا يجوز، فإن كان الغضب للنفس وانتصارا لها، فهذا الذي يذم على صاحبه، وأما إن كان الغضب لله ولأجل دين الله، فهذا الذي يحمد عليه صاحبه. ومن هنا كان من أمر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، أنه في كتاب الأدب بوضع بابا، فقال فيه «باب ما يجوز من الغضب»، ثم عرج بعد ذلك إلى تبويب آخر، قال فيه «باب الحذر من الغضب»، هل في هذا تناقض؟ الجواب ما في تناقض، لأن هناك من الغضب ما يمدح وهو الجائز، ومن الغضب ما يذم، وهذا الذي ينبغي أن نحذر منه. وقد أشرنا إلى الضابط وهو الفيصل في هذه المسألة، إن كان الغضب لله ولأجل دين الله، فلا شيء فيه، بل هذا الذي ينبغي، ومن هنا يا عبد الله ستأتيك الأحاديث الكثيرة التي يوصف فيها نبينا عليه الصلاة والسلام أنه غضب، بل في بعض الروايات «فغضب غضبا شديدا»، بل في بعض الروايات قال «حتى رؤيا على وجه الغضب عليه الصلاة والسلام»، أحاديث كثيرة. مثال لما جاء خبر جاء خبر من كان يطيل بالناس في الصلاة، فغضب عليه الصلاة والسلام، فقال «إن منكم منفرين»، وعندما دخل المسجد فوجد بصاقا في قبلة المسجد، فحكها وهو غضبان عليه الصلاة والسلام، وكذلكم الذي كان يسأل عن لقطة الإبل، فغضب عليه الصلاة والسلام من سؤاله، يعني آثار أحاديث كثيرة لربما يطول المقام في سردها، فيها أن النبي كان يغضب لكن لله. ولهذا جاء في الصحيح ما قالته عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت «من تقمص رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله»، هذا حاله الانتقام للنفس، لا لأن هذا يذم وهو الغضب للنفس، إلا أن تنتهك محارم الله، فحينها يغضب عليه الصلاة والسلام. فبهذا نعلم إخواني في الله أن الغضب ليس على حد سواء، فهناك من الغضب ما يمدح، وهو إذا كان غضبك لله، وعلى هذا كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الأدب المفرد للإمام البخاري، عندما جاء في وصف من الآثار في وصف أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام «أنهم كانوا يتضاحكون وكانوا كذا»، إلا أن يريدهم أحد في الدين، قال «رأيت ماذا تدور حماليق أعينهم غضبوا»، فكل شيء عندهم الأمر لا يضر، إلا أنك تريد أن تأخذ شيئا من دينهم، حينها تدور حماليق الأعين غضبا لله جل في علاه. فبهذا نعلم إخواني في الله أن هذا الباب على هذا التفصيل، فالغضب يمدح إن كان لله، طبعا مع هذا الغضب مع كونه محمودا ممدوحا، لكن ينبغي أن يضبط بضوابط شرعية، ولعل المقام إن شاء الله نتكلم عن هذه الضوابط. وأما الذي نتحدث عنه في هذه المقامات هو الغضب المذموم، وهو ما يكون الغضب للنفس، كونك تريد أن تشفي غليلك وأن تطفئ حرقان صدرك وأن تنتقم لهواك، فتنتقم وتغضب، هذا الغضب المذموم، وهذا الذي ستتنزل عليه الأحكام والآداب التي ستأتي في هذا الباب بإذن الله. المسألة الثانية مما ينبغي عليها في هذا المقام تمهيدا لأبواب آداب الغضب، علينا أن نعلم إخواني في الله أن الغضب من حيث هو غضب هي صفة بشرية، هذه من طبيعة الإنسان السوي الذي خلقه الله على هيئته، عنده غضب، هذا الإنسان السوي لهذا إذا وجد مثلا أن إنسانا ما يغضب قط، هذا إنسان فيه خلل، يعني من حيث خلقته فيه شيء. حتى جاء عن بعض السلف أنه قال «من استغضب فلم يغضب فهو كذا كذا سبه»، من استغضب فلم يغضب فهو أتى بمذمة، لماذا هذا الكلام؟ بيان على أن الإنسان السوي من خلقته هذه صفة موجودة، إذا وجد ما يدعو للغضب الإنسان يغضب، هذا الإنسان السوي يتفاعل مع المجريات يتفاعل مع الأحداث. ومن هنا قال العلماء في قول الله جل وعلا ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، الغيظ هو شدة الغضب والحنق، فالله عز وجل ما قال «والذين لا يغضبون» يعني منع الغضب تماما لا، والكاظمين الغيظ موجود، لكن يقظمه، لأن الغيظ كخلقة بشرية موجودة. فأنت أحيانا تجد من الدواعي في عشرتك مع الناس مع الأهل مع الجيران مع الأصحاب مع الخلق مع الدنيا بأسرها تجد هناك مواقف تستدعي الغضب، لكن التقي البر هو الذي يكظم، ولهذا قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام «لا تغضب»، قال ليس معنى أنك تلغي شعور الغضب من أساسه، هذا ما تملكه، تلغي هذا الشعور لأنه عواطف موجودة ما يمكنك، لكن قال معنى الحديث «لا تغضب» أي لا تأخذ بالأسباب المودية والمفضية للغضب، وسأتي معنى هذا الحديث إن شاء الله في باب آت. المسألة الثالثة والأخيرة أختم بها هذا المقام، وهي التمهيد لمسألة الغضب، إخواني في الله ينبغي الاستشعار لعظمة هذا الباب، هذا الباب وإن كان الحديث عن أدب من الآداب، ليس معنى أنك تتناوله يا عبد الله بطرف أناملك أو تجعل له فضول أوقاتك، نحن أمام أدب وخلق وصفة إذا استشرت في المرء المسلم حينها لا يبقي له دينا ولا دنيا. لا يبقي لنفسه دينا ولا دنيا، كم كم عصف الغضب بأصحابه، بل الشيطان يتمالك الغضبان، وقد جاء في بعض الآثار يحسنها جماعة من أهل العلم على أن الغضب هي جمرة يلقيها الشيطان في قلب المسلم، وسيأتي معنى كيف أن الغضبان تجد أن شكله يتغير في وقت السلم ووقت الحلم تجد له الشكل الملائم له والمناسب لأخلاقه وآدابه، لكن في حالة الغضب تتنظر إلى ملامحه تجد أن ملامحه تغيرت، الوجه ليس الوجه الأول، انتفخت الأوداج وتورم الوجه وحمرت العينان، ما هذا؟ ما الذي صار؟ شيطان أمامك. وسأتي معنى هذا في باب آداب التعامل مع الغضب، ماذا تفعل؟ لكن الذي أود أن أنبه عليه في بيان أهمية معرفة الآداب المتعلقة بهذا الباب في كيفية التصرف مع الغضب، لأنها يا عبد الله إن لم تعالج ولم تتعرف على الآداب الشرعية في هذا الباب، فتركت لنفسك العنان بأن تخرج مكام الغضب، حين اعلم أنك لن تبقي لنفسك دينا ولا دنيا. وانظر إلى أحوال الناس، رجل ربما يدخل في السب والشتم واللعن والفسق، بل حتى من وصل الحال ببعض الناس من سب الذات الإلهية، يسب الدين والرب، تعلمون هذا حجته غضب، يقول «أنا غضبان»، لها الدرجة، ما الذي أبقيت لدينك؟ إذا كنت يا عبد الله قد تطاولت على جناب ربك، ما الذي أبقيت لدينك؟ هل الغضب عذرك عند الله سبحانه وتعالى؟ زد على ذلك مسائل القطيعة والهجران، تخرج إلى الشارع تجد الصيحات بين الجيران، هذا من الخلف وهذا من الباب، وبعد ذلك القطيعة بين الجيران لمدة السنوات، ومنهم الأرحام يتقاطعون، ما كان ذلك إلا على إثر مشاجرة بينهما احتدم فيها الغضب، وما كان الحل إلا بالفراق الغضب. الأزواج سلي عبد الله المحاكم، سلي عبد الله المصلحين الذي يدخلون في الصلح بين الأزواج، ما الذي جرهم؟ الغضب يغضب الزوج حتى يصل به الأمر إلى الطلاق، برع طالق بالثلاث، يطلقها، هل رأيتم أحد إخواني في الله يطلق وهو كما يقال يأكل حنظلا؟ يقول لك «الطلاق يا بنت الحلال»، ما أحد يطلق وهو بأريحيته، في عند الغضب، عند الغضب إذا اشتعل السوران القلب وغلى ما في النفس، طلاق برع. أنت ناتيك عن الرمي بالأعراض، الهجران والقطيعة، من باب الطلاق يحدث، ليس هذا بل حتى القتل، كم كان من أعظم دواعي القتل الغضب؟ روى الإمام مسلم في صحيحه برجل أتى بقاتل، أتى بقاتل يجره إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال «هذا الرجل بأن هذا قتل أخي قتله»، فسأله نبينا سأل القاتل كيف قتلته؟ فقال «يا رسول الله، كنت أنا وإياه نختبط نختبط الشجر»، بمعنى الأشجار تضرب حتى ينزل الأوراق، فيؤتى بهذا الأوراق ويؤتى العلف للدواب. فكان هذا الرجل مع أخي يعني صاحب كانوا يفعلون هذا يخرجون الأوراق أوراق الأشجار على فل الدواب، فقال «إلا أنه سابني فأغضبني فضربته على قرنه بالفأس فقتلته»، الحديث بطوله الشاهد هذه الفقرة «سب من بعده وصل إلى حالة الغضب»، وبعدها قال «ضربته على قرنه بالفأس»، قرنه أي على جانب رأسه فقتلته، وفي رواية خارج الصحيح قال «ولم أرد قتله»، لكن الغضب إخوان ما تتمالك نفسك عند الغضب. ومن ذهب إلى السجون ويتتبع حالات القتل، سأل يا عبد الله أين مصدر القتل؟ تجدها غضب، حتى وصل الحال كما سمعنا وقد سمعتم عن ذلك لربما لأجل أمور تافهة، والله ما تستدعي، رجل بسيارته وهذا بسيارته، فهذا تجاوز على آخيه تجاوز مجاوز يتجاوز هذا وهذا يتجاوز، ثم بسرعة وثم هذا يعترض على الثاني، ثم وهذا موجود في المحاضر، فيأتي أحدهم وقد استشاط غضبا وقد تمالكه الشيطان، يخرج ويأتي بمسدسه يقتله. وبعد ذلك السجن، هذا المقتول قد قتل وانتهى أمره قتل وأمره إلى الله، لكن سل القاتل كم مرة سيقتل؟ سيقتل على عدد الأيام الذي سيقبعها في السجن، كلما دخل عليه يوم ينتظر الإعدام، ثاني يوم إعدام، ثالث يوم إعدام، لربما أشهر حتى يأتي تنفيذ الحكم، كلما سمع بالسجان هتف عند زنزانته «اليوم إعدام»، كل يوم يقتل على هذا الحال حتى يأتي الإعدام الفعلي. ما هيك عن ما الذي خلف من أحزان على أهله وعلى أولاده، يتم الأطفال وترمل النساء، أضيع عمره فيما ينبغي أن يخدموا في دين الله جل وعلا، بماذا؟ بساعة غضب، وكم إخواني في الله وإذا استفضنا في هذا الباب لا رأيتم المآسي المآسي العظيمة التي جرت الويلات على أصحابها من هذا الأمر، وهو عدم التأدب بآداب الغضب. فنحن إخواني في الله في هذا المقام في بيان هذه الحالة العرضية الذي يبتل بها الواحد مننا بين الفينة والأخرى، جاء الإسلام في كيفية تهذيب هذا الأدب وتنظيمه وتنظيره حتى لا يعود علينا بالعواقب الوخيمة في ديننا أو دنيانا أو أخرانا. فإن شاء الله من درس من يوم غد ندخل إخواني في الله في ذكر أهم الآداب التي جاءت في شرع الله جل وعلا في مسائل آداب الغضب، أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.