شرح مسائل الجاهلية  21

شرح مسائل الجاهلية 21

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 21، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الاقتداء بفسقة الجاهلية وذم اتباعهم

يتحدث عن الاقتداء بفسقة العلماء والعباد في الجاهلية وذم الله تعالى لهذا الفعل. يبين أهمية مخالفة هؤلاء الأشخاص.

تحذير من علماء السوء وصفاتهم

يتناول تحذير الله تعالى من اتباع علماء السوء ويشرح علاماتهم وأهمية إخلاص النية في طلب العلم. يبين أيضًا أضرار هؤلاء العلماء على الناس.

خطورة تأثير علماء السوء وصفاتهم

يشرح صفات علماء السوء مثل مخالفتهم لما يأمرون به وخطورة تأثيرهم في نشر الضلال. يبين أيضًا تأثيرهم السلبي على الناس.

الدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين ويجعلهم يتبعون أحسن الأقوال، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله في المسألة التاسعة، وهي الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، وأن ذلك كان مظهرا من المظاهر السائدة في مجتمعات الجاهلية ومن كان قبلهم كذلك من الأمم والملل والنحل، أنهم كانوا يقتدون بالفسقة من علمائهم ومن عبادهم، فكانوا يبحثون عنهم ويفرحون بسؤالهم، إذ أن الإجابة دائما تأتي على ما تشتهيه الأنفس والأهواء. وقد ذم ربنا جل وعلا هذا الصنيع وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بمخالفة هؤلاء، فنزلت لكم الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى، كما في الآية الأولى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله﴾، فكان هذا من شأنهم، وكان هذا من خلقهم الصد عن سبيل الله، وكذلك الاقتيات والأكل من أموال الناس وذلك بالباطل. وذكرنا كذلك عدة مسائل متعلقة بما يتعلق بوصف علماء السوء، أنهم من أعظم أوصافهم أنهم يأكلون بدينهم، يأكلون بدينهم، فيجعلون الدين وخاصة العلم مطية للأكل وملء البطون وذلك بالباطل. وهكذا يقول بالنسبة لفسقة العباد، لفسقة العباد، فكان أهل الجاهلية كذلك يقتدون بالفسقة من أهل العبادات. ولا زال الأمر حتى في هذه الأزمان نجد من بعض الفرق التي انشغلت بالعباد والتعبد، كمن يدعي بتصفية القلوب وتهذيب النفوس، أنهم يأتمرون في هذا الباب ويقتدون بأناس يعتبرون من الفسقة، يعتبرون من الفسقة، جعلوهم في مصاف الأولياء. وانظر وتمعن، عبد الله، في بعض الفرق الضالة ممن ألف وكتب في ذكر مناقب مشائخهم ومناقب ساداتهم وأوليائهم، تتعجب كل العجب كيف أنهم رضوا بأنفسهم أن يجعلون من أمثال هؤلاء من ترجموا له أن يكون لهم قدوة أو أسوة. يذكرون عن بعضهم أنه لربما كان يتلو آيات ليست من القرآن، فيا سبحان الله، هل هذا صاحب عبادة وتعبد أنه يتلو آيات ليست من القرآن؟ هذا الكفر بعينه، هذا الكفر بعينه. وفضلا عن من يفتخر بأن بعض مشائخه أنه كان يأتي الفواحش، يأتي الفواحش. انظر، يا عبد الله، وحتى تستبين لك الحقائق، ما ذكره الشعراني فيما ذكره في كتاب الكرامات والمناقب عن بعض السادة الذي اعتبروهم سادة بنسبة إليهم، انظر ما الذي سطر؟ لماذا كتب؟ ماذا ترجم لبعضهم؟ ترجم أن بعضهم كان يأتي الفواحش، بعضهم كان يأتي الموبقات. فهل من أمثال هؤلاء الفسقة يعتد بهم، فضلا أن يكونوا في عداد القدوة والأسوة، فيؤتس بهم ويقتدى بهم؟ فهذا هو الضلال العظيم والضلال البعيد، أن تربى الأجيال على مثل أمثال هؤلاء العباد، هم أقرب للزندق من الإسلام. وكما قلنا، من تأمل في صنيع القوم يعلم أن هذا الخلق لم يكن فقط أن ينحصر في الأمم السالفة والسابقة، بل حتى هذه الأمم سارت على ما سارت عليه تلكم النحل، أن من الناس من اتخذ من العلماء الفجار ومن اعتد بالعباد الفسقة أسوة له وقدوة. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: «قال وبقوله، أي أن نبينا صلى الله عليه وسلم لمخالفته لهذا المسلك أتى بهذه الآيات التي أنزلها ربنا جل وعلا عليه». قالوا بقوله: «لا تغلوا يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل». هذه الآية أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لما فيها من التحذير من الاقتداء بفسقة العلماء والعباد، وفي مطلعها قوله سبحانه وتعالى: «قل يا أهل الكتاب»، وهذا الصيغة وهذا النداء «أهل الكتاب» يشمل اليهود والنصارى، وهذا الذي عليه عامة المفسرين إلا من أهل العلم في هذه الآية خاصة، قال أن المقصود بأهل الكتاب هم النصارى لأنهم المعنيون بهذا الخطاب. الآن، الخطاب جاء في حال أهل الكتاب مع عيسى، وهم النصارى في الدرجة الأولى، فبعضهم أطلقها على الأصل، وبعضهم من قيدها بالنصارى. قال جل في علا: «لا تغلوا في دينكم»، هنا النهي عن الغلو، والغلو هو مجاوزة الحد، وهو عند اصطلاح بعض العلماء هو الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. وستأتي مسائل الغلو على حدة، لكن في هذه الآية أمر ربنا جل وعلا ونهى أهل الكتاب عن الغلو، «لا تغلوا في دينكم»، وهنا المقصود في الغلو ما كان صدر منهم في حق عيسى عليه السلام، إذ أن النصارى غلوا في عيسى غلوا فاحشا، إذ أنهم رفعوه عن منزلته التي أنزله الله إياها، وهي منزلة النبوة والرسالة، فرفعوه إلى منزلة الألوهية والربوبية، وجعلوه ربا من دون الله وإلها مع الله جل في علاه، تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا. إذ جعلوا عيسى أنه هو النافع والضار، وهو الذي يحيي ويميت، وأن مقاليد الأمور بيده، فنهى ربنا جل وعلا عن هذا الغلو، فقال جل في علاه: «لا تغلوا في دينكم». ومن أعظم المخاطر، يا عبد الله، أن يقع العبد في الغلو، فإن الغلو أصل كل بلية أدت صاحبها إلى المهلكة. قال سبحانه: «لا تغلوا في دينكم غير الحق»، وهذا نهي عن الغلو، وأن «غير» هنا استثناء، استثناء «غير الحق». وبعض العلماء أعرب «غيرا» بأنها صفة لمصدر محذوف، صفة لمصدر محذوف، تقديره: «لا تغلوا في دينكم غلوة غير غلو الحق»، أي عندي مصدر قد حذف «غلوة»، لا تغلوا في دينكم غلوة، فحذف المصدر، وهذا النعت وهو «غير» وصف لهذا المصدر المحذوف. فيكون معنى الآية أي: لا تغلوا في دينكم غلوا غير غلو الحق. وعلى هذا التفسير يتأتى قول من يقول بأن الغلو ينقسم إلى قسمين: إلى غلو باطل وإلى غلو حق. الغلو الباطل والمجاوزة الحد كرفع الرجل عن منزلته أو التعدي على أحكام الشرع. وأما الغلو في الحق، على قول من يقول به، وهو أنك تشتهد وأنك تكلف نفسك وأنك تبذلها في طريق الحق ومعرفة الحق، هذا معنى الغلو في الحق. ومنهم من أفصح من هذه المعاني، لكن هذا المعنى الذي يقول به الكثير من من يقسم الغلو إلى غلو بحق وإلى غلو باطل، أن الغلو بحق هو أنك تسعى إلى معرفة الحق وأنك تبذل الجهد وأنك تحاول أنك تبذل قصار جهدك لكي تصل إلى معرفة الصواب. وهذا القول نازع فيه من نازع، فبعض من ما يرى هذا التقسيم ويرى أن الغلو بشكل بكل صوره وأنه لا يأتي إلا على الذنب، لا يأتي إلا بباطل، فيبقى الآية على ظاهرها: «لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل». أهواء قوم قد ضلوا، وهم الأسلاف الذين مضوا من أهل الكتاب، نهى ربنا جل وعلا عن اتباعهم. وقول سبحانه وتعالى: «أهواء»، والهوى هو الباطل الموافق للنفس، معنى الهوى هو الباطل الموافق للنفس، فنهى ربنا جل وعلا عن اتباع هؤلاء لماذا؟ لأنهم ما سلكوا إلا مسلك الهوى، الشهوات والملذات والشبهات التي تميل لها النفوس وترتاح لها وتميل إليها، فهي عبارة عن هوى جعلوا لأنفسهم، فلا يتبعون عليها. وهذا هو المقصد من هذه الآية، بأن الله جل وعلا نهى عن الاقتداء بأمثال هؤلاء لأنهم أهل هوى، فهم علماء سوء وعباد سوء، فلا يؤتسى بهم. قال جل وعلا: «ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل»، أي كانوا على ضلال، كانوا على ضلال، ضلوا من قبل «وأضلوا كثيرا»، أي أضلوا كثيرا من الناس، فهم ضلال في أنفسهم، وهكذا أضلوا غيرهم، أضلوا غيرهم. ثم قال سبحانه: «وضلوا عن سواء السبيل». وقال العلماء: وهذا كذلك يكون حالهم في بعد البعثة، فهم كانوا من قبل ومن بعد في ضلال، فهم في ضلال وأضلوا غيرهم، وكذلك بعد مبعث نبينا عليه الصلاة والسلام، لا زالوا كذلك في ضلال. فالشاهد، إخواني في الله، فهذه الآية تؤيد ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى، فإن الله جل وعلا نهى عن الاقتداء بفسقة العلماء والعباد. وهذه مسألة، أخواني في الله، حقيقة بالتركيز، وحقيقة بالتنبيه، وخاصة ونحن في هذه الأزمان، إذ نجد أن كثيرا من الناس من اختلط عليهم الأمور. تجد أن كثيرا من الناس من لربما يفرح باتباع من علماء، لكن إن نظرت وإن فتشت وقمشت عن هذا العالم لرأيت أنه من مصاف علماء السوء، لرأيت من مصاف علماء السوء، و،هم كثر، لا كثرهم الله، وهم كثر، لا كثرهم الله. وخاصة في هذا الأزمان، كثير ممن يشار إليه بالبنان، وتنصب له المنابر، وتنشر له الفتاوى، وهم محسوب عند أهل العلم الربانيين أنه محسوب من علماء السوء. والعلماء كذلك سطروا في كتبهم، بدلالة الكتاب والسنة، ذكروا أن علماء السوء لهم علامات تميزهم عن غيرهم. فمن هذه العلامات الذي جاء ذكرها في القرآن والسنة، ومن أشهر علاماتهم أن طلبهم للعلم ما كان لله، طلبهم للعلم ليس لله، ما يطلبون العلم لله ولا لوجه الله، إنما رياء، إنما سمعة، إنما لحظ من حظوظ النفس، حظ من حظوظ النفس. وقد توعد ربنا جل وعلا بالعذاب العظيم في حق من كان هذا أمره. فجاء في الصحيح، في صحيح مسلم، قال نبينا: «أول من تسعر بهم النار»، في ذكر أول الناس دخولا وتسعر لهم النار، هم ثلاثة، فكان من هؤلاء ذلك الرجل الذي أوتي علما، أوتي علما، فيخبر عن علمه بأنه قد تعلم وقد قرأ القرآن في جنب الله، وأنه علمه للناس. فيقال له: «كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال عنك عالم». وفي رواية: «يقال عنك قارئ، وقد قيل، فيؤمر فيسحب بالنار». فهذا الرجل عنده حظ من العلم، عنده حظ من العلم، لكن علمه لم ينتفع به، لم ينتفع بعلمه، لماذا؟ لأن وباله وفعله أده إلى نار جهنم، لما؟ لأنه لم يكن مخلصا لله، لم يكن مخلصا لله سبحانه وتعالى. فتجد من الناس من ربما يطلب العلم ويتصدر مجالس العلم رياء وسمعة، شهوة في نفسه خفية. ونحن في هذا الأزمان أعظم من ذلك، كما ذكر بعض المشايخ الفضلاء أنه نزل إلى بعض البلدان فوجد أن من كان ينسب إلى العلم أنهم يصدر منهم أفعال قبيحة، تصدر منهم آثام ومعاصي، تفريط في واجبات، يعني شيء مذهل. فأسأل هذا العالم، من كان يثق بعلمه في بلده، قال: «لما هذه المظاهر عندكم؟ كيف هذا العلماء وهم في مصاف العلماء الأخيار، وهم على هذه الشاكلة من الفسق والمجون والفجور؟» قال: «العلم عندنا صنعة»، صنعة، هذا يعني صنعة نصنع بها، يعني مثل حرفة. قد يوجد في بعض الجامعات تدخلها تجد ناس يدخلون فيها بعض الجامعات العلمية التي تدرس فيها العلوم الشرعية، وهم من أبعد الناس عن التزام بالشرع. طب ما الذي أداكم إلى هذا المسلك؟ مسلك الخير والعلم والدعوة؟ يقول أخي: «صنعة»، أنا أعلم أن بهذه الشهادة في هذه الجامعة، أنا الشهادة ماجستير، الشهادة العليا، أنا بها وظيفة، وظيفة تدر علي الأموال الكثيرة. فانظر لهذه النية، هذا عالم سوء، هذا عالم سوء، وعلمه لا يبشر بخير. فضابط علماء السوء أنهم إنما ليس لهم النية التي أرادوا بها الصالحة. والنية صالحة في باب العلم هو أن العبد ينوي بهذا العلم الذي يتعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره، هذه النية الصالحة. ضابط النية الصالحة في العلم أنك ترجو من هذا العلم أنك ترفع الجهل عن نفسك وعن غيرك. أما أنك تريد من هذا العلم منصب وحظا من حظوظ الدنيا، فهذا وبال على صاحبه. وأيضا كذلك من صور علماء السوء أنهم يقولون بخلاف ما يفعلون، يقولون بخلاف ما يفعلون. تجد أن أوامرهم والتوجيهات والإرشادات في جانب، وهم في جانب آخر، لربما يحرم الحرام ويأمر الناس بالواجبات، إلا أنه من أبعد الناس عن ذلك، بل يخالف عمدا، يخالف عمدا. فإذا خال بنفسه لربما فعل ما منعه عن غيره، ويستلذ بذلك ويستروح لذلك. وقد جاءت الأحاديث الذي فيها الوعيد عنها في هذا الباب، من ذلك ما جاء في الصحيح من حديث أسامة بن زيد، «أن يؤتى برجل تندلق أقتاب بطنه، فيدور حولها كما يدور الحمار حول الرحى، فيجتمع عليه أهل النار، فيعرفونه، فيقول: يا فلان، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ ويقول: نعم، كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه». فهذا عالم سوء، كان يعظ وكان يزجر وكان يحث على الخير، إلا أنه كان من أبعد الناس عن هذه التوجيهات، فما كان يقوم بعمله، فما يقوم بعلمه، فهذا علمه وبال عليه. كذلك أن من صفات علماء السوء، عبد الله، أنه لو تقع المنكرات، تقع المنكرات وتقع المحرمات والحرمات أمام ناظريه، فلا يحرك لها ساكنة، لا يحرك لها ساكنة، لا يغيرها، لا يقوم بما أمره ربنا جل وعلا بتبليغ الدين بالأمر بالمعروف والنهي عن منكر، بل يسكت عنها. بل يسكت عنها، وأعني بالسكوت هنا هو السكوت الذي بمعنى المداهنة، إذ ليس سكوته عن عجز، وليس سكوته عن ضعف، وليس سكوته عن فتنة، بل بإمكانه أن يغير في بلده، في قرية، يرى في مجتمعه المنكرات ظاهرة جلية، فشت في مجتمعه وبين أبناء وطنه، وهو بإمكانه أن يغير، بإمكانه له من العلم، عنده من الوجاهة، وعنده كذلك من أدلة شرعية ما يمحق هذا المنكر الذي ظهر. لكنه يتخاذل، لما؟ خوفا على كرسيه، خوفا من كلام الناس عليه، خوفا أن الناس ينفرون منه، أو أنهم يلمزون بأنه إيش؟ أنت متشدد؟ تأتي بهذا الأمور، فحتى يطمئن لهذه الدنيا فينسلخ عن الدين، فلا يأمر ولا ينهى. ولهذا كان من وصف القرآن لعلماء السوء: «يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق؟». كتمان الحق عندهم القدرة، فرق بين رجل قد يكون هناك رجل من المعلماء عنده العلم، لكن ما استطيع أن يبلغ لفتنة عظيمة مهلكة، هذا أمر آخر. لكن بخلاف الذي عنده القدرة، ولا أحد يمنعه، ولا أحد يزره، وليس هناك فتنة تقوم من تغييره، لكنه يتوانى، يرى المنكرات هنا وهنالك، فيسكت عنها، سكت مداهنة، وكأنه يجاري المجتمع على هذا المنكر. فهذا من العلماء السوء، أعظم من هذا منزلة الذي ليس يسكت، وإنما يمد الباطل بالباطل، يمد الباطل بالباطل، يعلم أن هذا منكر، فيشجع على إتيانه بحجة أن المجتمع يحبون هذا. يظهر في بعض المجتمعات منكر وموبقة من الموبقات، وشيء محرم، إما في الأطعمة أو في الألبسة أو في المأكولات أو حتى في الألفاظ أو بعض السلوكيات، من أعياد ومهرجانات تكون باطلة. فيقوم هذا، لما يرى هذا المنكر، لو أنه سكت سيكون سكت عن باطل، لكنه أقبح من ذلك، أنه يجاري المجتمع، يجاري المجتمع، ويأتيهم بالأدلة الدالة على شرعية هذا الفعل وشرعية هذا المسلك. وهذا، إخواننا في الله، قمة في الضلال، قمة في الضلال. إن كان الساكت عن الحق شيطان أخرس، فإن المتكلم بالباطل شيطان ناطق، هذا شيطان أعظم من ذاك الشيطان الساكت. فالأسف، إخواننا في الله، وكم نرى في هذه الأزماء من عموم البلوى، من عموم البلوى، من أمثال هؤلاء ممن يتصدرون الفتاوى والإرشادات والتوجيهات، وهو قبل أن يفتي يلوح بناظريه في الأفق، ينظر ما هي الرايات المرفوعة فيحاول أن يكون مخرج كلامي على هذه الرايات، تأييدا لها ودعما لها. لا، يا عبد الله، فهذا العلم دين، ربك جل وعلا ما أعطاك العلم إلا لتكون منارا للهدى، تبين للناس الحق والباطل، لا أنك تؤيد ما عليهم من هوى. وأيضا صفات كثيرة وجاء عظيمة، جاء بيانها في القرآن والسنة، وكلها تبين أن ما عليه الناس من هذا الجهل العميق، من أنهم يسلمون أنفسهم لكل من انتصب في التلفاز أو في الإعلام أو بتلك الألقاب الفخمة: العالم النحرير، المفتي الجهبذ. قاموا تطايروا إليه وسلموا أمورهم إليه، ولا يفتشون عن حاله، فربما هذا الرجل، عبد الله، من علماء السوء التي أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بظهور من أمثال هؤلاء، وأن ظهرهم يكثر، كما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم أو يبق علما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهذا أيضا مما يضاف من صفات علماء السوء أنهم يفتون بغير علم، يدخل في غمار أمور فوق طاقته، ما يعلمها، وما درسها، وما أتقنها، وما أحسن إليها، كحال الرؤوس المبتدعة، يتكلم الواحد فيهم في مسائل عظيمة في الدين، في مسائل الإيمان، أو مسائل القضاء والقدر، أو في مسائل الأسماء والصفات، وما عندهم علمها، ما عندهم به علم. ومع ذلك لو ربما دخل فيها وأفتى فيها وأضل معه أمم. وقد مر معنا، تذكرون، في دروس قديمة حول المسلك التاريخي لظهور البدع والفرق، ذكرنا، وصلتنا الأضواء حول بعض هذه الشخصيات ممن كان له الأتباع الكثر، وهو في ميزان الشرع كان من أجهل الناس، كان من أجهل الناس، لا يعرف حتى صيغ الشهادة أو التحيات أو يعرف كذلك أركان الصلاة. ومع ذلك شكل مذهب عقدي، ماذا يخاصم وينازع في دين الله جل وعلا؟ فهؤلاء جهالا سئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.