شرح لمعة الإعتقاد  20

شرح لمعة الإعتقاد 20

الدرس في شرح لمعة الإعتقاد 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفة الكلام لله تعالى واستدلالاتها من القرآن والسنة

يناقش هذا الفصل صفة الكلام لله تعالى واستدلالات المؤلف من القرآن الكريم والسنة النبوية، مع الرد على تأويلات أهل البدع. يبين المؤلف الأدلة الشرعية التي تثبت هذه الصفة لله تعالى.

تعريف الكلام في اللغة العربية وبيان أخطاء التعريفات الشائعة

يتناول هذا الفصل تعريف الكلام في اللغة العربية، ويوضح أن التعريف الشائع بأنه كل ما تحصل به فائدة هو تعريف خاطئ. يشرح أيضًا كيف استغل أهل البدع هذا التعريف لدعم معتقداتهم حول كلام الله.

إثبات صفة الكلام لله عز وجل والرد على تأويلات أهل البدع

يناقش هذا الفصل إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، ويرد على تأويلات أهل البدع الذين يحرفون الآيات القرآنية. يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والآثار الصحيحة لإثبات هذه الصفة.

حكم الإسرائيليات وعلاقتها بالصفات الإلهية

يبحث هذا الفصل في حكم الإسرائيليات ومدى الأخذ بها، خاصة فيما يتعلق بالصفات الإلهية. يشير إلى أن بعض الآثار الإسرائيلية ترد بسبب النكارة فيها، وأن الكتاب والسنة يغنيان عن مثل هذه الآثار.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصلٌ، كلام الله تعالى، ومن صفات الله تعالى أنه متكلمٌ بكلامٍ قديم. ومر معنا السبب في أن المؤلف رحمه الله تعالى ميَّز هذه الصفة بفصلٍ خاص لأهمية الأمر. وقلنا إن في قوله رحمه الله تعالى: "متكلمٌ بكلامٍ قديم"، لو أنه أضاف كما أضاف أهل السنة والجماعة على هذه العبارة "قديم النوع حادث الآحاد" لكان أولى، وحتى يبتعد عن الإشكالات التي قد يتكلم فيها من يتكلم، وهذا هو الصحيح. لأن قوله "متكلمٌ بكلامٍ قديم" يوهم أن هذا قول لبعض أهل البدع بأن كلام الله ما كان في ذاته وما كان في أصله وفي فرعه كله أزلي، ليس هناك متجدد. قال رحمه الله تعالى: "يسمعه منه من شاء من خلقه"، سمعه موسى عليه السلام منه من غير واسطة، إذن وقع السماع لموسى، إذن هذا الكلام من الله سبحانه وتعالى كان بصوت، كان بصوت لا كما يدعيه المبتدعة. قال رحمه الله تعالى: "وسمعه جبريل عليه السلام ومن أذن له من ملائكته ورسله"، منهم من كلم الله. قال: "وأنه سبحانه وتعالى يكلم المؤمنين في الآخرة ويكلمونه". طبعًا هذه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى لبعض الأحاديث المروية لهذا السياق. فمما يدل على أن الله يكلم المؤمنين يوم القيامة ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: "ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ما منكم من أحد إلا وسيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان". فهذا فيه إثبات الكلام، كلام الرب عز وجل لجميع الخلق. قال: "ويأذن لهم فيزورونه". وهذه إشارة من المؤلف رحمه الله تعالى لحديث رواه أهل السنن، الترمذي وابن ماجة، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فيه وطبعًا جاء مرفوعًا عن رسول الله بأن نبينا أخبر أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها، ثم يؤذن لهم في مقدار ما يكون من يوم الجمعة من أيام الدنيا، فيزورون الرب سبحانه وتعالى. هو حديث طويل في ذكر دخول أهل الإيمان إلى ربهم، من ثم رجوعهم إلى منازلهم وإلى ديارهم. وهذا الحديث ضعيف، فيه عبد الحميد بن حبيب، عبد الحميد بن حبيب أورده الذهبي في الضعفاء، أورده الذهبي في الضعفاء، وهكذا قال عنه النسائي: "ليس بالقوي"، ليس بالقوي. والترمذي لما روى هذا الحديث أشار إلى ضعفه، وهكذا ضعفه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. قال: "ويأذن لهم فيزورونه". قال: "قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾". مر معنا أن هذا دليل من أوضح الأدلة الدالة على إثبات صفة الكلام لله سبحانه وتعالى. وقلنا إن صفة الكلام قد تثبت بأكثر من لفظ، قد تثبت بلفظ الحديث، ولفظ القول، ولفظ النداء، ولفظ المناجاة، وكل ذلك يرجع إلى معنى واحد، إلى ثبوت أصل الكلام لله سبحانه وتعالى. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقلنا كيف أن أهل البدع حاولوا أن يتلاعبوا بهذه الآية، كما فعل ذلك المعتزلي عندما أراد أن تُقرأ هذه الآية بنصب لفظ الجلالة حتى يكون الفاعل للكلام هو موسى، لكن هذا محال. وأيضًا مما يذكر من تأويلات المبتدعة لهذه الآية خاصة التي بين أيدينا في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أنهم أولوا المعنى. وأهل البدع لا يثبتون صفة الكلام لله سبحانه وتعالى، فهم عندما تواجههم مثل هذه الآيات التي فيها إثبات الكلام حقيقة يؤولونها. فكان من تأويلاتهم قالوا: إن معنى "كلم الله موسى" بمعنى "جرح الله موسى"، "كلم" بمعنى "جرح". وأين مفاد هذا؟ لنرجع إلى أصل الكلمة، الكلام عندنا، الكلام وعندنا الكلام وعندنا الكلام، كلام وكلام وكلام. فالكلام هو الذي بين أيدينا هو النطق، وأما الكلام بالضم وهي الأرض الصلبة، وعندنا الكلام بالكسر وهي الجراحات، فـ"فلان مكلوم" بمعنى "مجروح". إذن قولهم: "فلان كلم فلان" أي "جرح فلان". فـ"كلم" تأتي بمعنى "جرح". ويقول هنا: "كلم" بمعنى "جرح". ما معنى "جرح" هنا على قولكم؟ لو تنزلنا بأن "كلم" هنا هي بمعنى "جرح". قالوا: سيكون معنى هذه الآية "وكلم الله موسى" بمعنى أن الله سبحانه وتعالى جرح موسى بمخالب الحكمة، أن الله جرح موسى بمخالب الحكمة. هكذا ذكروا، وهذا موجود كذلك في تفاسيرهم، وخاصة المعتزلة يسيرون في تفسير هذه الآية على هذا النحو، "كلم" بمعنى "جرح". فيكون تأويل الآية أن الله جرح موسى بمخالب الحكمة. فانظر كيف خرج هذا المعنى الذي في الذهن والذي هو في الواقع إلى معنى بعيد كل البعد. وكيف الرد على هؤلاء؟ الرد على هؤلاء سهل، نقول: كملوا الآية، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، هنا الإشكال "تكليما". لو كان على قولكم أن "كلم" وهو "كلم" بمعنى "جرح"، لا كان المصدر ماذا؟ لا كان المصدر "كلمة"، "يكلم كلمة". ما كان "تكليما". فرق، فالتصاريف ترجعك إلى أصل الكلمة. فإذا كانت العبارة كما يدعي أهل البدع بأن هنا "كلم" بمعنى" بمعنى "جرح"، لكان تمام الآية على قولهم "كلم الله موسى كلمة" أي "جرح". لكن الآية "﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾". لأن "كلمة" "يكلم كلمة"، لكن ماذا؟ "كلمة" "يكلم تكليما". إذن هنا التكليم بمعنى النطق، بمعنى النطق، وهو الكلام الذي متبادل للأذهان. فهذا تأويل بعيد من أهل البدع، وكل ذلك للنيل من هذه الصفة في عدم ثبوتها لله سبحانه وتعالى. قال: "وقال سبحانه: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي﴾". وأشهد من هذه الآية "يا موسى" فيه نداء، فيه نداء، نداء من ربنا سبحانه وتعالى نادى موسى "يا موسى". والنداء يكون بـ"يا" أو أحد أخواتها "يا موسى". ولا يكون نداء إلا بصوت، لا يكون نداء إلا بصوت. ففي إثبات الكلام لله عز وجل. وأيضًا إضافة على هذه الدلالة في تمام الآية "يا موسى إني اصطفيتك"، والإصطفاء بمعنى الاختيار، الإصطفاء بمعنى الاختيار. "إني اصطفيتك على الناس برسالاتي"، رسالاتي جمع رسالة، وهي رسالة أرسل به ربنا جل وعلا إلى فرعون. فاصطفاه ربنا بهذه الرسالة إلى فرعون "برسالاتي وبكلامي" أي بتكليمي لك، بتكليمي لك. فكان من ميزة موسى عليه السلام أن الله عز وجل كلمه سبحانه وتعالى، فكان كليم الرحمن جل في علا. فهنا "بكلامي" كذلك في إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى. قال: "وقال سبحانه: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾". تقدير الآية "منهم من كلمه الله". هكذا تقدير الآية، فـ"كلم" فعل، ولفظ الجلالة "الله" هو الفاعل سبحانه وتعالى، هو الذي قام بالكلام. فأسند الفعل إلى الرب سبحانه وتعالى، أي هو المتكلم حقيقة. وأما أين المفعول؟ المفعول هي الضمير المحذوف في التقدير "منهم من كلمه الله". لكن ساغ في لغة العرب أن مثل المفاعيل، وخاصة ما كان في العراب فضله، فيُسوق حذفه. وهنا حذفت الضمير. فمعنى قول تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ بمعنى "منهم من كلمه الله". إذن في إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى. وكذلك من باب الفائدة في مسألة الكلام، ما يتعلق في موضوع: ما معنى الكلام؟ وهذه مسألة مهمة جدًا، إخواني في الله، ننبه عليها لأن أهل البدع يدندنون حولها. ولربما تكون هناك آيادٍ تتلاعب بكتب اللغة حتى يدسوا البدعة من حيث لا يشعر الكثير من الناس. تجد مثلًا في تعريف الكلام إذا وصلت تعلمت في علم النحو في أوائل كتب النحو ما يتعلق بالمصطلحات العلمية، وخاصة مصطلح الكلام، تجد أن بعضهم يعرف الكلام بأن "الكلام هو كل ما تحصل بسببه فائدة". كل ما تحصل بسببه فائدة. وهذا انتشر، نعم هذا التعريف قد انتشر، وقد وجد في بعض المتون العلمية. وهذا التعريف، إخواني، فلا، ليس بصواب، مع اشتهاره ومع شهرته، ومع أن كثيرًا من أهل النحو من قال بهذا. لكن هذا ليس بصحيح، بل هذا خطأ، بل قد يكون دسيسة من أهل البدع ممن استغل اللغة العربية في إدخال بعض المآخذ. فمن هذه المآخذ قولهم: إن الكلام هو كل ما تحصل بسببه فائدة، أي شيء تحصل به فائدة يسمى كلامًا. أنت أيها القارئ، أيها الطالب، إذا استسلمت لهذا التعريف، إذن ستتحمل ما يأتيك، ما سيأتيك. سيأتيك أو ننظر إلى بعض المبتدعة، أهل البدع الذين أنكروا كلام الله، لهم تأويلات، ولهم شبه، وسننور في مقام الخوض في شبههم أو ذكر فرقهم. لكن مثلًا حتى تعرف الربط بين بعض المصطلحات العلمية مع بعض الأفكار، أفكار أهل البدع، تجد أن عند الأشاعرة، الأشاعرة كما قلنا سلفًا أنهم يثبتون كلام الله، لكن هل هو الكلام الحقيقي الذي يثبته أهل السنة؟ طبعًا لا. فماذا يقولون في الكلام؟ يقولون بأن كلام الله هو كلام نفسي، هو كلام نفسي، أي أن الله ما تكلم حقيقة، لكن كلام نفسي، ثم خرج إلى جبريل. كيف خرج لهم مع ذلك أشياء، إما أن الله قذفه في قلب جبريل، أو أن جبريل اطلع على ما في نفس الرب، تعالى الله عن هذا القول علوًا كبيرًا. المهم يثبتون الكلام بالجملة، لكن في التفاصيل ينفونها حقيقة. فيقولون: إن كلام الله الثابت وهو كلام نفسي، أي أن الله ما تكلم حقيقة، وإنما هو كلام نفسي. طيب، إذن، طب يقول: كيف يكون كلامه ما تكلم؟ الآن ستستشكل، تقول: كيف تقولون يا آل أشاعرة؟ تقولون بأن الله تكلم، وهو على قولكم بأنه كلام نفسي، هو ما تكلم حقيقة؛ لأنه شيء في النفس ما تكلم. إذن يقول بهذا العبارة، تقول: إذن ألا تقول بأن الكلام هو كل ما تحصل بسببه فائدة؟ إذا أقررت بهذا ستلزم بهذا. إذا حصلت فائدة لجبريل عليه السلام بما في نفس الله، فحصلت فائدة، إذا هذا يسمى كلامًا، يسمى هذا كلامًا. وهذه مسألة، أخوان، دقيقة، ومسألة مهمة جدًا. وأهل البدع حاولوا أن يؤصلوا لهذه القاعدة ببعض الأشعار من أشعار العرب. وكما قلنا: المقام ضيق في ذكر ذلك. لكن كرد سريع: أن هذا باطل، لحل لا نقر، ولا نقول بأن الكلام هو تعريفه وكل ما تحصل بسببه فائدة، ما يسمى كلامًا. وإلا لو كان كل ما تحصل بسببه فائدة لأدخلنا ما يسميه العلماء بالدوالي الأربع. الدوالي الأربع هي أشياء يمكن عن طريقها أن يحصل الفهم من غير النطق. وما هي الدوالي الأربع؟ الدوالي الأربع: الكتابة، والإشارة، والنصب، والعقد. وأدخل بعضهم "لسان الحال". هذه الدوالي الأربع مع الزيادة. الإشارة، والكتابة، والنصب، والعقد، أي العقد بالأصابع. وبعضهم أدخل "لسان الحقال". فهذه أشياء هي ليست ألفاظًا، لكنها أشياء تعطي فائدة، تعطي فائدة. كتابة، مثل أنت، كم يقال في هذا المكان؟ تضع إعلان هنا، المكتبة ما تتكلم البتة، تجد العنوان هنا "مكتبة"، هنا "المخرج"، هنا "مدخل المسجد"، هنا "الحمامات"، هنا "مصلى النساء". هذا عندهم، هل يسمى هذا كلامًا؟ إذا قلت بأن كل ما تحصل به فائدة، فإن الكتابة تعد كلامًا. هذا ليس بصحيح. وكذلك الإشارة، وكذلك الإشارة. إذا قلت: إن كل شيء تحصل به فائدة، فإذن الإشارة تسمى كلامًا. فلو قلت له: أن فلان سألني أين فلان؟ فأشرت إلى الجهة اليمنى أو الجهة اليسرى، لا ينقل عني أني تكلمت وقلت: أن فلان في الجهة اليمنى. أنا ما تكلمت، قال: لكن أشرت. فالإشارة ستكون كلامًا. وهل هذا صحيح؟ الإشارة كلامًا؟ لا، ليس بصحيح. ولكن هم ماذا يقولون؟ أنك إذا أقررت بأن كل ما أعطى فائدة يسمى كلامًا، فإذا ستلتزم بهذا. وهذا باطل، وهذا باطل. ومن أعظم ما يدل على بطلان ذلك ما جاء في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. نذرت أن لا تتكلم لبشر قط، نذر. ثم ماذا قال ربنا لما قالوا: سألوها عن طفلها؟ قالت: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، إشارة. السؤال: هل الإشارة كلام أم ليس بكلام؟ ليس بكلام؛ لأنها قد حلفت ما ستتكلم، ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾، حلفت أن لا تتكلم مع أحد قط. فلما سئلت أوفت بنذرها، فلم تتكلم، لكن ماذا فعلت؟ أشارت. فأشارت إليه، للدلالة على أن الإشارة ما يسمى كلامًا. لو أن الإشارة كلامًا لحنثت. وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في صلاته، فصلى قوم من الناس خلفه قيامًا وهو جالس، قال الراوي: "فأشار إليهم أن اجلسوا". فلو كانت الإشارة كلامًا لبطلت صلاته عليهم صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تكلم. لكن الإشارة ليست كلامًا، الإشارة ليست كلامًا. فتأمل هذه المسألة. وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى التحقيق في هذا المقام على أن الكلام لابد أن يشتمل على لفظ، ويشتمل على معنى. لابد الكلام في لغة العرب لابد أن يشتمل على أمرين اثنين: على لفظ وعلى معنى. اللفظ أن يكون ملفوظًا، والمعنى أن يدل على فائدة. أما أنك تأتي إلى شيء يعطي فائدة، تقول: هذا كلام، هو ليس ملفوظًا، هذا ما يسمى كلامًا. فالدوالي الأربع ما تسمى كلامًا، النصب والعقد والكتابة والإشارة ولسان الحال، هذه تعطي فائدة، لكن ما نسميها كلامًا. لماذا؟ لأنها قد عريت من الألفاظ. ولهذا لابد يا عبد الله أن تتأمل في هذا، فلا يصح أن يقال في تعريف الكلام: "أنه ما تحصل بسببه فائدة". فهذا غلط، فهذا غلط، لا يصح. وإن كان هذا قد اشتهر عند كثير من الكتاب، وهكذا عند أهل العربية. لكن هذا ليس بصحيح. والذي عليه أهل العربية من المحققين: أن معنى الكلام في اللغة هو "اللفظ المفيد". اللفظ المفيد. وعرفه كذلك ابن فارس رحمه الله تعالى بأنه "نطق مفهم". نطق مفهم، لابد نطق مع فهم، كما قال شيخ الإسلام: "لا بد من اللفظ ومن معنى". فهذا يكون الكلام عند أهل العربية. أما في اصطلاح النحاة، فهذا مقامه آخر. فهذا أطلنا النفس في هذه المسألة؛ لأنها مسألة مهمة، وأهل البدع استطاعوا أنهم إذا أصلّوا هذا التعريف عند أذهان الأجيال، أتوا بعد ذلك بهذه البدعة، ألزموا الناس بأن يقولوا ببدعتهم بصحة الكلام النفسي، وإن لم يكن كلامًا، لكن أعطى فائدة فيسمى كلامًا. وهذا مردود، وهذا مردود، بلغة العرب كذلك مردود، كذلك بلغة الشرع. فإن الشرع لا يعد الإشارة ولا الكتابة لا يعدها كلامًا، وإنما الكلام، إخواني في الله، كل ما كان فيه لفظ وفيه معنى، كما قال العلماء من المحققين. قال رحمه الله تعالى: "وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾". هذا كذلك أثبت فيها العلماء إثبات الكلام لله عز وجل، أن كلام الله سبحانه وتعالى إما أن يكون وحيًا، وذلك بأن يقذف الأمر في قلب النبي مباشرة في قلبه، فهذه وحي. أو "من وراء حجاب" أن الله سبحانه وتعالى يتكلم مع أنبيائه مباشرة، لكن من وراء حجاب، كما فعل مع موسى عليه السلام، وكما فعل مع نبينا في ليلة الإسراء والمعراج. أو "يرسل رسولاً" وذلك عن طريق ملك، عن طريق ملك. في ذلك إثبات لصفة الكلام لله سبحانه وتعالى. قال: "وقال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾". فلما هذه الشرطية، أي لما وقع الفعل جاء الجزم. وهذا فيه يدل على أن كلام الله سبحانه وتعالى متجدد، هو الذي يأتي به العلماء بقولهم "حادث الآحاد"، حادث الآحاد؛ لأن لكل حديث يتكلم فيه ربنا جل وعلا في وقته، ليس كلام أزلي كما يدعي المبتدع. فانظروا هنا متى تم الكلام؟ لما جاء موسى للنار، لما جاء موسى للنار، جاء الكلام من ربنا سبحانه وتعالى في ذاك الوقت، تكلم ربنا سبحانه وتعالى، بدلالة ماذا؟ "لما" الشرطية. قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾، نودي "يا موسى". ففيه صفة النداء، من الذي نادى؟ الله سبحانه وتعالى، ربنا هو الذي نادى. قال: "نودي يا موسى". طيب، أهل البدع كعادتهم عند هذه الآية التي فيها التصريح بأن الله نادى، والنداء مما يثبت به الكلام، كلام الرب سبحانه وتعالى، ماذا فعلوا؟ كعادتهم التأويل. فقالوا: لا نسلم بأن الذي نادى هو الرب سبحانه وتعالى، بل الذي نادى قام بالنداء هو جبريل عليه السلام، أو أنها الشجرة التي جاء عندها، وكانت النار عندها، الشجرة هي التي تكلمت وهي التي نادت. فقال العلماء: "وعجب". هكذا يقال في تأويل هذه الآية. فعلى قولكم، ولو سلمنا لهذه التأويلات بأن الذي نادى موسى في تلكم الساعة هي الشجرة أو جبريل، إذا ماذا كان القول؟ أنظر تمام الآية: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾. هل بالله عليكم جبريل يقول: "إني أنا ربك يا موسى"؟ أو هل الشجرة تقول: "إني أنا ربك"؟ هذا باطل، هذا باطل. هذا أشار المؤلف إلى هذه المسألة. قال: "وقال سبحانه: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾". في نفس السياق، سياق قصة موسى، عندما أتى لتلكم الشجرة. فلما سمع ذاك الصوت، أهل البدع يقول: لا، الذي تكلم هي الشجرة. وابنهم يقول: أن جبريل هو الذي جاء بهذا الكلام، يقول جبريل يقول بهذا، يقول: "إني أنا الله فاعبدني". الشجرة تقول: "إني أنا الله فاعبدني". أعوذ بالله من يقول بهذا. وهذا عين الباطل. لهذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: "وغير جائز، لا جائز، لا شرعًا ولا عقلاً أن يقول هذا أحد غير الله". لا يمكن أحد أن يقول: "إني أنا ربك" أو يقول: "إني أنا الله" وينسب هذا لجبريل أو ينسب هذا لشجرة. فلا أحد يتجنى أن يقول هذا إلا صاحب الملك جل في علاه، ربنا سبحانه وتعالى. قال: "وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء". روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا هذا الأثر جاء هنا موقوفًا عن ابن مسعود، وهذا الموقوف جاء كذلك معلقًا في صحيح البخاري، وإسناده صحيح. جاء موقوفًا عن ابن مسعود، وإسناده صحيح، وهو كذلك له حكم الرفع. وثبت أيضًا عن نبينا مرفوعًا، جاء عند أبي داود بإسناد صحيح، كما قال الشيخ الألباني: "قال: وإسناده على شرط الشيخين". إذا هذا الأثر: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء" ثبت موقوفًا وثبت مرفوعًا، وكلهم في عداد الصحاح. وهذا الشاهد واضح منه "سمع صوته" في إثبات الصوت لله عز وجل، فربنا تكلم بكلام حقيقي سمعه من سمع. وقال رحمه الله تعالى: "ورووا عبد الله بن أنيس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: يحشر الله الخلائق يوم القيامة". هذا صفات أربع لحال البشر عند قيامهم ونشورهم يوم الحساب، أنهم عراة أي بلا ثياب، وأنهم حفاة أي بلا نعال، وأنهم غرلا أي غير مختونين، وأنهم بهمة. والبهم أصله هو السواد، أصل البهم هو السواد أو الخالص في السواد، يقال: "كلب بهيم" أي خالص في السواد. وهنا المراد بهم قيل: أنهم أي ليس معهم شيء، قيل: معنى بهم أي ليس معهم شيء. وقيل: أنهم ليست عليهم آفة ولا عاهة، أي سالمين من الآفات والعاهات. قيل هذا في تعريف البهم. قال: "فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان". وهذا في الشاهد منه قوله: "فيناديهم بصوت". وهذا كما واضح من الدلالة أن في إثبات الكلام لله سبحانه وتعالى، فإن ربنا له كلام يسمعه كل أحد إذا تكلم به الرب جل وعلا. قال: "يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب". وهذا لا يكون إلا لكلام الرب سبحانه وتعالى، "أنا الملك، أنا الديان". قال: "رواه الأئمة، واستشهد به البخاري". وهذا حكاه ذكره الشيخ الألباني في الأدب المفرد وصححه. قال: "وفي بعض الآثار: أن موسى عليه السلام ليلة رأى النار فهالته ففزع منها، فناداه ربه: يا موسى، فأجاب سريعًا استئناسًا بالصوت، فقال: لبيك، لبيك، أسمع صوتك ولا أرى مكانك، فأين أنت؟ فقال: أنا فوقك وأمامك وعن يمينك وعن شمالك، فعلم أن هذه الصفة لا تنبغي إلا لله تعالى". قال: "كذلك أنت يا إلهي، أفكلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي يا موسى". هذا الأثر كما تلاحظون من الآثار الإسرائيلية، وما كان يستحسن الإتيان بمثل هذه الآثار في هذا المقام. أولاً لأن هذا المقام مقام مختصر، فهذا متن، وصاحب المتون يحاول أنه يلخص العبارة ويوجز في الكلام، فيذكر ما ينبغي أن يذكر. والإسرائيليات ليست بذاك الأهمية حتى تذكر. وثانيًا: أن هذا الأثر بلا إسناد، وينظر في إسناده ويبحث عن إسناده. والأمر آخر: أنك تقرر مسألة عقدية، مسألة عقدية، ومسألة الاعتقاد يكون مرجعها للكتاب والسنة، للكتاب والسنة. زد على هذا وفوق ذاك: أن هذا لطف فيه نكارة، أن فيه نكارة. وأوضحها شيخ الإسلام ابن عثيمين رحمه الله تعالى ما يتعلق بالجهات "أنا فوقك وأمامك ويمينك وشمالك" هذا لم تثبت لله سبحانه وتعالى. صحيح أن الإسرائيليات يؤخذ عنها، لا نصدقهم ولا نكذبهم إذا كانت خالية من النكارة. لكن إذا وجدت النكارة فإنها ترد. ولهذا حكم من حكم العلماء على بطلان هذه الآثار. وإلى الله الحمد، لدالة الكلام كثيرة وكثيرة جدًا، مبثوثة في الكتاب والسنة، تغني عن سرد مثل هذه الآثار. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.