شرح منظومة القواعد الفقهية  18

شرح منظومة القواعد الفقهية 18

الدرس في شرح منظومة القواعد الفقهية 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد

يشرح الدرس قاعدة فقهية مهمة وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، حيث يرى الإمام السعدي أن وسائل الأمور كالمقاصد. وتفريع عدة قواعد من هذه القاعدة مثل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

تطبيق قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد على الزوائد والتحذير من قاعدة الغاية تبرر الوسيلة

يطبق المدرس القاعدة على الوسائل والزوائد في الأعمال الشرعية، ويبين أن الوسائل والزوائد تأخذ حكم المقاصد، ويفرق بين الوسيلة والمقصد والزائد، ويحذر من قاعدة الغاية تبرر الوسيلة باعتبارها قاعدة باطلة.

التجاوز عن الخطأ والنسيان والإكراه في الشريعة الإسلامية

يناقش الدرس مفهوم الخطأ والإكراه والنسيان وعدم المؤاخذة عليها في الشريعة الإسلامية، ويبين أن الله تجاوز عن هذه الأحوال في أمور الدين مستدلاً بأحاديث نبوية، ويوضح أن الإكراه عذر عند الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فمواصل إخواني في الله حول هذه الرسالة الموثومة بالقواعد الثمينة، للإمام السعدي رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد"، واحكم بهذا الحكم للزوائد. قوله رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد"، الوسائل جمع وسيلة، والوسيلة هو الطريق الموصل إلى الشيء المطلوب. والمقصود بناء بها هنا الوسائل الشرعية. وقول رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد"، المقاصد جمع مقصد، والمقصد هو الشيء المطلوب. قال رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد"، وهذا البيت هو قاعدة يعبر عنها الفقهاء من أهل الأصول بقولهم: "أن الوسائل لها أحكام المقاصد". الوسائل لها أحكام المقاصد، هذه القاعدة الفقهية. فإذا كنت تقصد أمراً ما، فهذا الذي تقصده، فكل ما يفضي إليه فحكمه من حكمه. كل ما يفضي إليه، فكل طريق وكل ذريعة وكل سبيل وأي شيء يوصلك إلى هذا المقصود، فهذه الوسيلة حكمها من حكم المقصود. قال العلماء: "الوسائل لها أحكام المقاصد". فمثلاً إذا كان المقصود في أدائه حكمه في الشرع الوجوب، فكل طريق توصل إلى هذا الواجب فهو واجب. إذا كان هذا المقصود بقصد ماذا؟ أو قل هو في حكم المستحب، فكل ما يوصل إلى هذا المقصود فهو مستحب. أو إذا كان هذا المقصود أنت في قصد الترك لأنه من المحرمات، فكل ما يفضي إلى فعل هذا المحرم فهو محرم. وهكذا قس. فالوسائل لها أحكام المقاصد. فالذي تقصده وهو الشيء المطلوب شرعاً، هذا الذي تقصده، كل وسيلة توصلك إليه فحكمها من حكم المقصد. هذا قال: "وسائل الأمور كالمقاصد". ومن حيث التفصيل لهذه القاعدة الشرع الحكيم، إخواني في الله، بين المقاصد الشرعية، وكذلك ذكر الأحكام الشرعية. فذكر من حكم الشرع في هذا الباب أن ما من شيء يوصل إلى هذا المقصود الشرعي فإنه له حكم، وحكمه يتفرع من حكم المقصد. وهنا تفرعت عدة قواعد من هذه القاعدة الأم: "الوسائل لها أحكام المقاصد". تفرعت عدة قواعد من هذه القاعدة، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. هذه القاعدة تتفرع من هذه القاعدة الأم: "الوسائل لها أحكام المقاصد". من هذه القاعدة تتفرع هذه التفريعات، منها: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فإذا كان المقصد الذي أنت تريده، وهذا المقصد في حكم الشرع واجب، فالوسيلة تكون واجبة. مثاله، وبالمثال يتضح المقام، صلاة الجماعة واجبة على القول الصحيح. فإذا المشي إلى صلاة الجماعة ما حكمه؟ واجب. المشي إلى صلاة الجماعة واجب، لأن صلاة الجماعة لا تقوم إلا بهذه الوسيلة، فهذه الوسيلة واجبة. وهكذا الاغتسال للصلاة، الاغتسال للصلاة إذا كان من غسل الجنابة، فهنا غسل الجنابة واجب، لأنه ما تصح الصلاة إلا بهذا الغسل، والغسل وسيلة لأداء الصلاة. وهكذا في حق المتيمم، ما لو أن شخصاً ما أراد أن يتوضأ فلا ماء، ما وجد ماء، فماذا فعل؟ فجلس في محله، قال: أصدر ماء، في ماء، سأتيمم، هل هذا صحيح؟ لا يقال هنا: طلب الماء واجب، لأن أداء الصلاة واجب، فيجب أن تطلب الماء، تطلب الماء على قدر الطاقة، تبحث هنا، تسأل هنا، حيث إذا بلغت الجهد وبلغت الجهد في عدم الوصول الماء، حينها أنت معذور. أما أنك تأتي مباشرة إلى الماء، فوجدت ماء، لا ماء في ماء خاص، ما في صلاة، سأبقى بلا صلاة، لا عليك يا عبد الله أن تبحث. وهكذا كل ما كان وسيلة إلى واجب، ففعله واجب، حكمه يكون ماذا؟ الوجوب. وهو مسألة كثير جداً تتفرع من هذا الباب، وطبعاً العلماء، وهذا الفعل له شروط، من هذه الشروط أن يكون ذلك تحت قدرة المكلف، تحت قدرته، وأنه كذلك يطال بتحصيله. فإن لم يكن تحت قدرته، وإن لم يطال بتحصيله، فلا يدخل في هذه القاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". قوله رحمه الله تعالى: "وكذلك من هذه القاعدة يتفرع القاعدة الشبيهة بها: ما لا يتم المندوب إلا به فهو مندوب". فإذا كان قصدك لفعل أمر مندوب، بمعنى مستحب، فكل وسيلة، كل وسيلة من طريقها تصل إلى هذا الفعل المستحب، فهذه الوسيلة تكون مستحبة. مثل ما لو أنك أردت أن تصلي التراويح في المسجد كما في رمضان، صلاة التراويح مستحب، فمشيك وسعيك له حكم الاستحباب، له حكم الاستحباب. وتحركك من هنا إلى هنا لأداء هذه النافلة له كذلك حكم الاستحباب. وهكذا قصد كل ما كان يؤدي إلى نافلة، فأنت ماذا؟ في حكمه. ومن ذلك طلب العلم، من ذلك طلب العلم. فأنت إذا كان طلبك للعلم في حيز المستحب، في حيز المستحب، فذهابك إلى حلقات العلم، الممشى الذي تمشيه، هذا له حكم الاستحباب. ماذا الذي يفيدك؟ يفيدك الأجر، تؤجر عليه. ويدلك على هذا ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله به طريقاً إلى الجنة". الرجل لا زال في حيز المشي، يمشي، يمشي إلى طلب العلم، ووصف إلى الغاية، ومع ذلك هذا الممشى منه ماذا؟ يؤجر عليه. "من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً، سهل الله به طريقاً إلى الجنة". وهكذا يتفرع من هذه القاعدة: "ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام". فإن كان شخص أراد أن يؤدي فعل محرم، فكل وسيلة إلى هذا المحرم فهي محرمة. وهذا كذلك من كمال الشريعة، إذ ليس من الحكمة في أن شريعة تحرم أمراً ما، ثم تبيح لك أن تأتي الأسباب المفضية إلى هذا المحرم، هذا لا يعقل. أنك تأتي تحريم شيء، هذا شيء محرم، وبالمقابل فإنها لا تمنع الأسباب المفضية إليه، لا. إنما هذا شيء محرم، وكل ما كان مفضياً إلى هذا المحرم فهو محرم. يقول العلماء: "ما لا يتم الحرام إلا به فرام فهو حرام"، أو تركه واجب، أو تركه يكون واجباً. مثاله: البيع والشراء في السلاح، هو جائز، بيع والشراء أحل الله البيع، لكن إذا كان ذلك في أيام الفتن، أو كان ذلك في حق من يريد أن يشتري السلاح لكي يسفك الدم الحرام، هل هذا يجوز؟ لا، هذا محرم. يكون البيع هنا محرم. فإن قال: قال: كيف حرمتم علينا البيع، وقد أحله الله؟ قل: لأن هذا البيع في هذه الصورة سبيل مفضي إلى فعل الحرام، وهو قتل النفس. فالبيع هنا وسيلة إلى الحرام، فيحرم البيع، يحرم البيع. ما لا يتم الحرام إلا به فهو حرام. وهكذا قس، يا عبد الله، باقي الأمور، مثل ما يتعلق بالاختلاط، ما يتعلق بالخلوة بالمرأة الأجنبية، هذه من المحرمات، لماذا؟ لأنها أسباب تؤدي إلى فعل المحرم، أسباب تؤدي إلى فعل المحرم. وهكذا قس، يا عبد الله، كثير وكثير من القواعد، أو من الصور والأمثلة التي إذا استحضرت تحت هذه القاعدة تظهر لك عموم نفع هذه القاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد". فأنت يا عبد الله، على حسب المقصد، فإن كان المقصد وجوبياً، فإن الوسيلة التي تؤدي إليه في حيز الوجوب. وإن كان مقصدك في فعل نافلة، فإن السبل والطرق المفضية إلى هذا الفعل المستحب له حكم الاستحباب، له حكم استحباب. وهكذا المحرم، فإن كان قصدك فعل محرم، فكل ما كان يفضي إلى فعل المحرم، أو كان السبب إلى إتيان هذا المحرم، فإنه يحرم، فإنه يحرم. وهكذا قس، يا عبد الله، في حق المكروه. وهذا كما قلنا قاعدته الأم: "الوسائل لها أحكام المقاصد". ولهذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد". الوسيلة لها حكم المقصد، الوسيلة لها حكم المقصد، طبعاً لها حكم المقصد من حيث الحكم، من حيث الحكم. أما من حيث أنها تساوي أن الوسيلة تساوي المقصد، طبعاً لا، شتان. أما من حيث الأجر، وحيث الفضل، يختلف، فليست الوسيلة مثل المقصد، المقصد أرفع درجة. أيهما أعظم: المشي للصلاة أم الصلاة؟ الصلاة أرفع. فالمقاصد أرفع. فتأمل في قوة: "وسائل الأمور كالمقاصد". ونأمل في الحكم، لكن هل تتفاوت من حيث الأجر؟ لا، ليس هنا أغلية، هل تتساوي من حيث الأجر؟ لا تساوي، فالمقصد أرفع. لماذا؟ لأن المقصد مقصود بعينه، وأما الوسيلة فهي مقصودة لغيرها. هذا يعطيك الفرق بين الوسيلة والمقصد. فالوسائل هي مقصودة لغيرها، وأما المقاصد الشرعية فهي مقصودة لذاتها. وما كان مقصوداً لذاته أرفع درجة من المقصود لغيره. قال رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد". واحكم بهذا الحكم للزوائد. طيب، عرفنا ما هي الوسائل، وهي الأشياء المفضية إلى فعل المطلوب. وعلمنا ما هي المقاصد، جمع مقصد، وهو المطلوب الشرعي. إذا بقي مسألة: ما هو الزوائد هنا؟ قال: "واحكم بهذا الحكم أي هذا الحكم الذي مضى وهو أن الوسيلة لها أحكام المقاصد، كذلك الزوائد". الزوائد لها أحكام المقاصد. ما هي الزوائد؟ قال علماء: الزوائد هو الشيء الزائد عن الوسيلة والمقصد، هو الشيء الزائد عن الوسيلة وعن المقصد. ويعبر عنه بعض الأصوليين بقولهم: "بالمتممات". فإذا أن بعض العلماء يجعلون الأشياء على ثلاث درجات، أو ثلاث طرق: عندي وسائل، عندي مقاصد، عندي متممات أو ما تسمى بالزوائد. وسيلة، ومقصد، ومتمم أو زائد، يعني كيف نفرق بين هذه الأشياء؟ مثل علماء بإقامة الصلاة، في إقامة الصلاة، في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، الصلاة هذه مطلب، مقصد، مقصد شرعي مطلوب أن نؤديه. إذن عندي الصلاة تسمى من المقاصد. طيب، عندي السعي إلى الصلاة، هذا ماذا يسمى؟ وسيلة. كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فلما كان إقامة الجمعة واجباً، فكان السعي واجباً، الوسيلة لها حكم المقصد. ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. طيب، الوسيلة هو المشي إلى الصلاة، فسمى وسيلة. إذا ما هي الزائدة أو ما هي الزوائد؟ وما هي المتممات؟ قالوا: الرجوع، الرجوع من المسجد إلى البيت، هذا يسمى متمماً، لأن العمل عمل صالح، متى ينتهي؟ ينتهي بالرجوع. فذهاب وإيابي، الذهاب وسيلة، والرجوع زائد، يسمى بالزوائد. ما حكم الزوائد؟ قال علماء: الزوائد لها أحكام المقاصد، كما أن الوسيلة لها حكم المقصد. فإن كذلك الزوائد والمتممات لها حكم ماذا؟ حكم المقاصد. وهذا كذلك من إكرام الله عز وجل، كما قال علماء: لأنك ستؤجر، لأنك ستؤجر. فإذا كان ذهابك إلى المسجد فيه أجر، فكذلك رجوعك لك فيه أجر. ويدلك على هذا ما جاء في السنن من حديث أبي بن كعب في قصة ذاك الرجل الذي كان له بيت في أقصى المدينة، فكان ما تفوته صلاة، ما تفوته صلاة، لكن كان على بعد من المسجد. فذكر له وقيل له: لماذا لا تشتري حماراً يعينك على القرب من المسجد؟ قال: أنا من كلامه، قال: ما أرضى أن يكون بيتي بجنب المسجد، يعني له: أنا بيدي، ما أريد أن أكون طبعي وأمري، ما أريد أن أكون بقرب المسجد، ما أريد هذا. فأخبر نبينا بذلك بأن فلاناً قال هذا: بعيد من المسجد، ويأتي إلى المسجد، وما تفوته صلاة، وما تفوته صلاة. واقترح عليه أن يشتري حماراً يعينه في أمر مشيه وسعيه، فقال: ما أنا بمريد أن يكون بيتي قرب المسجد. فأخبر النبي بذلك، قال: فسلوه لما قال ذلك؟ سلوه لما قال ذلك؟ فلما أخبر بهذا الطلب، قال: إني لأرجو من الله أن يكتب إقبالي إلى المسجد، ورجوعي إلى أهلي أجراً، أن أحتسب هذا إلى الله. فلما أخبر النبي بذلك، قال: إن الله قد جمع ذلك لك، إن الله قد جمع ذلك لك. أي أصبح الذهاب إلى المسجد، وهي الوسيلة، يؤجر، ومرجعه من المسجد إلى بيته كذلك يؤجر، لأنها متمم، متمم لعملية الصلاة، لعملية إقامة الصلاة. وقاس العلماء على ذلك سائر الأعمال والطاعات، الذهاب إلى الحج واجب، إن كان في ذمة رجل الوجوب، فالذهاب والسعي إلى الحج، هذا من المقام، من الوسائل، يؤجر. وهكذا مرجعهم من الحج إلى بيته كذلك يؤجر عليه. وقس على ذلك الذهاب إلى عيادة المرضى، وإلى صلة الأرحام، كل ذلك من المتممات، لأنها تتم عملية العملية، ما تتم إلا بالذهاب والإياب. ولهذا قال رحمه الله تعالى: "وسائل الأمور كالمقاصد". واحكم بهذا الحكم للزوائد. ففهم المثال، إذا أردت أن تعرف ما هو الزوائد، تذكر موضوع الصلاة، الصلاة هي المقصد، السعي للصلاة الوسيلة، الرجوع من الصلاة هو المتمم لعملية الصلاة، فكله حكمه من حكم ماذا؟ الأصل. هنا نبع على قاعدة تذكر في هذا الباب، يدندن بها بعض الناس، وهي: "الغاية تبرر الوسيلة". الغاية تبرر الوسيلة، هذه قاعدة اشتهرت، ولربما بعضهم يذكر أنه يعمل بها. وهذه قاعدة لا يجوز العمل بها، هذه قاعدة باطلة. الغاية تبرر الوسيلة، الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، أحياناً إذا ذكر هذه القاعدة يقول: "وهذه القاعدة المشؤومة". وأحياناً يقول: "وهذه قاعدة جاهلية". وأحياناً يقول: "هذه القاعدة اليهودية". فالعلماء حكموا على هذه القاعدة بالبطلان، وهي: "الغاية تبرر الوسيلة". ويعبر عنها بقاعدة المكافلي، لأن الذي قال بها رجل إيطالي، فيلسوف إيطالي، اسمه مكافلي، فنسبت له القاعدة المكافلية. وهو أن الغاية تبرر الوسيلة، ما معنى الغاية تبرر الوسيلة؟ ولماذا العلماء منعوها وقطعوا أصولها؟ لأن هذه القاعدة مفادها: إذا كانت لك غاية، وهذه الغاية حميدة، فكل ما يوصلك إلى هذه الغاية يجوز لك، بغض النظر عن هذه الوسيلة من حلال أو من حرام، ما يضر، المهم أنك تصل إلى غاية حميدة. مثاله مثل كما يمثل العلماء: ما لو أن رجل يطلق نظره في ماذا؟ في المردان، أو يطلق نظره في النساء، فيقول: آخي، أنا أتفكر في خلق الله، إن الله أمر بالتفكر في خلق السماوات والأرض، وهذا من خلق الأرض، فأتفكر. فهذا الآن كما قال: يريد ماذا؟ ترقيق القلب، هذه غاية حميدة، التفكر، لكن هل بالنظر إلى الحرام؟ فإذا قيل له: لا، لا تجد غاية تبرر الوسيلة. وهكذا قس، لو أن رجل أراد ماذا؟ أن يرفع الكربة عن الناس، فيه مثل هذه الأزمان الذي وقع، ابتلي الناس بالفقر والفاقة والضيق والشدة في المؤونة والضعف المعيشة. فربما رجل يتأسف وينقطع قلبه حسرات على ما أصاب الناس من الفقر والضيق، فإذا به يذهب إلى البنك، ولا يذهب إلى شركة، ويذهب إلى بيت، وبعض التجار، وينهب ما فيه، ثم يوزع هذه الأموال على المساكين. لما فعلت ذلك؟ قل: أخي، حتى أنفق على الناس، أرفع الضيق عنهم، من أين هذا؟ الغاية تبرر الوسيلة، هذه الغاية التي فعلها، وهي الإعطاء والبذل والجود للناس، عن طريق هذا الفعل، فهذه الغاية تبرر للوسيلة، هذا ليس بصحيح، هذه قاعدة باطلة. وهكذا المبتدع على هذا الباب، المبتدع كثيراً ما يفعلون هذه القاعدة، مثل أنهم يأتون إلى أحاديث موضوعة، تجد أحدهم يفتح في كتب الموضوعات، أحاديث في كتب الموضوعات، فيختار الأحاديث الذي فيها الرغائب، أو الذي فيها الترهيب، أو الذي فيها الأجور العظيمة، فيأتي بها، ثم يلقي بها على عواهينها أمام الناس. قال: المصطفى كذا، وقال النبي كذا، وقال كذا، ثم يسهب في ذكر هذا الحديث الذي فيه ماذا؟ الفضائل والأجور، وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا الحديث باطل وموضوع ومكذوب. فإذا قيل له: لما فعلت ذلك؟ يقول: لأخي، هذا ما فيه شيء، أنا أريد أن أوجد هذا الحديث، يؤثر في النفوس، هذا الحديث باطل، مكذوب، عنه يقول: لأخي، الغاية تبرر الوسيلة. فهذه قاعدة باطلة، الغاية لا تبرر الوسيلة، لا بد أن تكون وسيلة شرعية، الوسيلة لا بد أن تكون شرعية. فانتبه يا عبد الله من هذه القاعدة، لأننا كثير من الناس، بل حتى بعض من ينتمي إلى بعض الجماعات، لو ربما يأتي بهذه القاعدة. يكفيك يا عبد الله في إسقاطها أنها جاءت من عند الفلاسفة، المكافلي، قاعدة من رجل كافر، من الفلاسفة، أتى بهذا، فهذا لا تدخل فيه صميم الدين. بل عندنا هذه القاعدة التي قد ذكرت سلفاً، وهي: "أن الوسائل لها أحكام المقاصد"، الوسائل هذه قاعدة شرعية، دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف. قال رحمه الله تعالى: "والخطأ والإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن". لكن مع الإتلاف يثبت البدل، لكن مع الإتلاف يثبت البدل، وينتفي التأثيم عنه، والزلل. هذه قاعدة أخرى ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى. قوله رحمه الله تعالى: "والخطأ والإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن". قول رحمه الله تعالى: "الخطأ"، الخطأ في لغة العرب ضد الصواب. وفي الاصطلاح يقول علماء: في تعريف الخطأ، هو فعل الشيء من غير قصد، هذا الخطأ، فعل شيء من غير قصد، لم يكن هناك قصد، ولم تكن هناك إرادة في فعله، لكن وقع هذا الخطأ، فعل الشيء من غير قصد. الإكراه، وهذا الأمر الثاني، الإكراه كما يقال علماء: ما أخذ من الكره، وهو المشقة، وقيل: ما أخذ من الكره. وأما تعرف الاصطلاح، قال علماء: هو إلزام الغير على ما لا يريده، إلزام الغير على ما لا يريده، هكذا عرفه ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، هذا هو الإكراه، إلزام، وهذا الإلزام من غيرك على أمر أنت لا تريده ولا توافق عليه، لكن مرغم عليه، هذا يسمى الإكراه. قال: "والخطأ والإكراه والنسيان". النسيان عُرِّف بعدة تعاريف، قيل: أن النسيان هو ذهول القلب عن شيء معين. وأوضح من ذلك قالوا في تعريف النسيان: هو عدم استحضار الشيء وقت الحاجة، عدم استحضار الشيء وقت الحاجة، فهذا هو معنى النسيان. إذا عندي الخطأ، وعندي الإكراه، وعندي النسيان، هذه الحالات الثلاثة، ما المرد منها؟ قال مؤلف رحمه الله تعالى: "والخطأ والإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن". أسقطه، بمعنى أنه لا تأثيم فيه، ولا عقاب عليه. أي أن هذه الأفعال الثلاث إذا صدرت من شخص ما، فإن حكم الشرع فيه السقط، معنى السقط أو الإسقاط، أنه لا إثم فيه لهذا الفعل، ولا يعاقب عليه. والأدلة الشرعية تثبت صحة هذه القاعدة، بأن هذه الأفعال الثلاث أو التصرفات الثلاث، متى ما صدرت من مكلف، فإنه لا يعاقب عليها، ولا يؤثم عليها. ما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". شكراً، إن كان فيه مقال وضعف، لكن له شواهد كثيرة، له شواهد كثيرة، يتقوى بها. وقد ذكره شيخ الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، وذكره كذلك في الأرواء، وذكر الشواهد، القاعدة بشواهدها، بتحسين هذا الحديث بشواهده. وأيضاً كذلك نصوص أخرى تبين ذلك، منهم ما جاء في صحيح مسلم. ما جاء في صحيح مسلم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، قال الله: "قد فعلت". أي أن الله عز وجل استجاب لدعاء المؤمنين في هذا الدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فهذا نص صريح في أن النسيان والخطأ مما تجاوز عنه الرب، فليؤاخذ عليه العباد. وأيضاً كذلك الإكراه، في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، فذكر ذلك أن ممن يعفو الله عنه عز وجل من كان في ماذا؟ في مرحلة الإكراه. إذن الأدلة الشرعية العامة والخاصة تدل على أن هذه السلوكيات الثلاثة مما يتجاوز عنها الرب سبحانه وتعالى. فنبدأ بالخطأ، الخطأ إذا صدر من إنسان، فإن الله سبحانه وتعالى يعفو عن صاحبه، سواء كان هذا الخطأ في حق من حقوق الله، أو كان هذا الخطأ في حق من حقوق العباد. مثل في حق من حقوق الله، ما لو أن رجلا صلى صلاة إلى غير القبلة خطأ، صلى إلى غير القبلة خطأ، هذا صلى حق من حقوق الله، لكن كونك تصلي إلى غير القبلة، وكان ذلك الفعل منك من غير قصد، أنت تظن أن القبلة في هذا الجانب، ثم بعد ذلك أخبرت بعدما انتهيت من صلاة أن القبلة في هذا الجانب. فإذا أنت وقعت في خطأ، هل أنت وقعت في إثم؟ لا. وهكذا إذا كان الخطأ فيما تعلق بحق ماذا؟ بحق العباد، أردت أن تقتل كافراً فأصبت مسلماً، هذا دخلت في قتل الخطأ، أنت ما أردت المسلم، فهذا صدر منك على غير إرادة، على غير قصد، فهنا الإثمية ليس عليك شيء. لكن بقي هناك أحكام أخرى سيأتي في البيت الآخر من قول المؤلف: أن هناك الأحكام الوضعية تبقى. لكن نتكلم من حيث الإثم، فإذا وقعت في إثم من باب الخطأ، معذور يا عبد الله. هكذا مثل ما لو أنك في رمضان كان في فمك شيء، عود أو نحو ذلك، فعن طريق الخطأ ابتلعت هذا الشيء، هل وقعت في الفطر؟ لا، ما أفطرت، لأن هذا دخل في جوفك عن طريق الخطأ، من غير قصد. وهكذا قصد يا عبد الله، فإن الأشياء التي تصدر من بني آدم من جهة الخطأ مما تجاوز الله عنها. والأمر الثاني النسيان، إذا وقعت يا عبد الله أو تركت شيء من دين الله نسياناً، عن ذهول وعدم استحضار، فهذا لا شيء عليك. والأدلة كثيرة تدل على هذه الحال، قال عليه الصلاة والسلام: "من نام عن صلاة أو نسيها، فكفارته أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة له إلا ذلك". من نسي صلاة أو من نام عن صلاة أو نسيها، فدل ذلك على أن هذا الإنسان الذي نسي الصلاة من غير قصد ولا إرادة، فإن الله تجاوز عن ذلك، فليس عليه إثم، لكن يبقى الحكم في الذمة، أنه ماذا؟ يؤديها. وهكذا ما جاء في الصحيحين: "من نسي فأكل أو شرب فهو صائم، فليتم صومه". معنى قد أكل وشرب، لكن في حال النسيان، ومع ذلك تجاوز الله سبحانه وتعالى عنه. والإكراه كذلك، من أكره على أمر لا يريده، فهو معذور عند الله عز وجل. والإكراه على قسمين: إكراه ملجئ، وإكراه غير ملجئ. والصحيح أن جميع صور الإكراه كلها إذا وقعت من غير إرادة، بل أنت مرغم على ذلك. كأن وضع السلاح على رأسك: افعل وإلا قتلناك، أو أنك ألزمت، كأنت في السجن، ألزمت بأن تفطر في رمضان مثلاً، أو أنك تقول كلمة الكفر، كما وقع لبعض الصحابة، فقالوها، فعذرهم الله عز وجل، لماذا؟ لأنهم كانوا في حال الإكراه. إذن هذه القاعدة كما قال مؤلف رحمه الله تعالى في جملتها صحيحة: "والخطأ والإكراه والنسيان أسقطه معبودنا الرحمن". أي أسقطنا من باب عدم الإثم، وعدم العقاب. لكن بقي هناك أحكام تتعلق بذلك، إن كان فيها تعلق بالمخلوقين، فيبقى من هناك ما يسمى ذا بالأداء. وهذا يأتي إن شاء الله في درس غد. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.