الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 14، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المؤلف بتوضيح دليل شهادة أن لا إله إلا الله مستدلا بآيات قرآنية، ويبين أهمية شهادة الله وملائكته وأولي العلم بوحدانيته. يُظهر أن العلم المُراد في الآيات هو علم الشريعة.
يُشدد المؤلف على أهمية علم الشريعة وفضائل العلماء، حيث يُعتبرون أفضل الخلق لتمييزهم بين الحق والباطل وخشيتهم لله. يُبين أن العلماء ضحوا برغباتهم في سبيل تحصيل العلم الشرعي.
يفسر المؤلف الآية الكريمة من سورة الإسراء ويبين دلالتها على وحدانية الله، حيث يوضح أن وجود آلهة متعددة يؤدي إلى التنازع والاضطراب في الكون، بينما نرى الكون يسير بنظام بديع.
يلخص المؤلف الأدلة التي ذكرها على شهادة أن لا إله إلا الله، ويبين وضوح هذه الأدلة في إثبات وحدانية الله عز وجل. يُنهي بالصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل شهادة أن لا إله إلا الله؟ لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يتسلسل معنا في ذكر الأسئلة، فكان السؤال السابق سأل حول منزلة الشهادتين، لما أعطاك أهمية هذه الكلمات وهي كلمة الشهادتين، الآن سيبين لك كل كلمة على حدة، أشهد أن لا إله إلا الله هذه سيجعلها على حدة بذكر مسائلها وأركانها وشروطها، فبدأ أول ما بدأ بهذه العبارة وهي شهادة الله بالوحدانية بقوله: ما الدليل؟ ما دليل شهادة أن لا إله إلا الله؟ قال: قول الله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقصط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾، وقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، وقوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾، ثم ذكر آيات متعلقة بهذا الباب، هذه الآيات ما الذي يستفاد منها؟ يستفاد من الإجابة على هذا السؤال ما الدليل على أن الله سبحانه وتعالى هو الله الذي لا إله إلا هو جل في علاه. استدل المؤلف رحمه الله تعالى بأول ما استدل به على هذه الآية العظيمة وهي قوله جل في علاه: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقصط﴾، هذه الآية كم يقول علماء فيها؟ الشهادة على أعظم مشهود، هذه الآية أخبر فيها ربنا عز وجل على وحدانيته، ومن هذا الذي شهد على وحدانية الله؟ ذكر ربنا نفسه العلية سبحانه وتعالى، ربنا هو بنفسه يشهد على نفسه بأنه الله الواحد الأحد، هو الفرد الصمد، فقال: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو﴾، فهذه شهادته سبحانه وتعالى، وكفى بالله شهيدا. ومن أصدق من الله قيلا؟ لا أحد، فربنا شهد على نفسه بأنه الفرد الصمد، ما هنالك إله معه سبحانه وتعالى، بل هو واحد أحد، ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة﴾ كذلك أخبر ربنا عز وجل على أن ممن شهد بوحدانيته هم هؤلاء الأصفياء من المخلوقات العلوية، ألا وهي ملائكة الرحمن، الملائكة كذلك شهدوا بوحدانية الله وأنه ما من إله إلا الله سبحانه وتعالى. ثم قارن ربنا عز وجل بطائفة من خلقه استدل على شهادتهم بوحدانيته ألا وهم أولو العلم، قال: ﴿وأولو العلم﴾، أولو العلم أهل العلم، هؤلاء أيضا شهدوا لي بوحدانيتي، وعلى رأسي أولو العلم، إخواني في الله من؟ هم الأنبياء والرسل، الأنبياء والرسل هم من أعلى من الناس بربهم بما أوحى الله إليه من دين وشريعة، فهم يعلمون، فهم أعلم الناس بالله وأعلم الناس بشريعته ودينه سبحانه وتعالى. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أما إني أعلمكم بالله»، فالرسل والأنبياء هم من أعلم الناس بالله، فهم على رأس هرم أولو العلم، ثم يدخل في هؤلاء من آتاه الله علما، وفي هذه الآية إخواني في الله منقبة عظيمة جدًا في حق من آتاه الله علما. الشريعة ربنا عز وجل عندما استدل على أعظم مشهود ألا وهو وحدانيته، استدل بشهادته وبشهادة ملائكته، ثم ثلث بشهادة أهل العلم، وهذا إن دل دل على المنزلة العليا الرفيعة التي أنزلهم الله إياها، إذ أن الناس والخلق طوائف شتى، لكن ما اختار الله من هذه الطوائف ومن هذه الصفات والأصناف إلا هذا الصنف فقط، هم من آتاه الله علما، استدل بشهادتهم على باقي الخلق على وحدانيته سبحانه وتعالى. والذي نعنيه بأهل العلم يا عبد الله من آتاه الله علما الشريعة، والفائدة يذكرها العلماء في هذا الباب أن كلمة العلم إذا أطلقت فإنه يراد بها علم الشريعة، إذا أطلقت يراد بها علم الشريعة، فضائل العلم ما الذي أعنيه بالعلم؟ طبعًا العلم كثير في الدنيا، العلم كثير من العلوم المادية، علوم التكنولوجيا وعلوم الفضاء وعلوم اللغة وعلوم الآلة وعلوم كثيرة جدًا. فإذا جاءت الأدلة الشرعية بكلمة العلم فلا تذهب الأذهان إلا إلى هذا الصنف الوحيد من العلم ألا وهو العلم علم الشريعة، فإذا قيل: فضائل العلم بين قوسين فضائل الشريعة، أولو العلم بين قوسين علم الشريعة، أطلب العلم أطلب العلم أي علم الشريعة إذا أطلق، لكن في هذه الأزمان كما نبأ على ذلك العلماء أصبح الناس على خلاف هذه المصطلحات، إذا أطلق العلم ذهبت الأذهان إلى العلوم المادية. لا يا عبد الله إذا قيست العلوم المادية بعلوم الشريعة فهي لا شيء، لا تساوي شيئًا، العلم يا عبد الله الذي يحبه الله ويرضاه والذي ينبغي أن يهتم به العباد هو علم الشريعة، أن تكون عالما بالله، عالما بكتابه، عالما برسالة نبيه، عالما بدينه وبما أمر وبما نهى وبما حث وبما حب وبما منع وبما رغب، هذا العلم الذي يحبه الله ويرضاه. لأنك إذا وصلت يا عبد الله إلى منزلة العلماء حينها أبشر بكل خير، العلماء لا أحد يدانيهم ولا أحد يساويهم في الفضائل ولا المناقب، العلماء العالم كلما ازداد علما كلما ازداد خوفا، كلما ازداد التقى، كلما ازداد خشية، إنما يخشى الله من عباده العلماء، من كان لله أعرف كان منه أخوف، كلما ازداد العبد علما زادت مخاوفه وزادت خشيته لله سبحانه وتعالى والعكس بالعكس. العلماء يا عبد الله هم الخلق الذين اصطفاهم الله من بين الخلائق في معرفة والتمييز بين الحق والباطل بما آتاهم الله من علم من علم الشريعة، لهم نظرة ثاقبة، نظرة حادة يميزون بين الحق والباطل من أول وهلة، ليس هذا من علم الغيب، لا، بما آتاهم الله من العلم والحكمة. أهل العلم إخواني في الله هم الذين جندوا أنفسهم في هذه الدنيا، عزفوا عن رغبات وشهوات أنفسهم، كان بإمكانهم أن يتلذذوا كما يتلذذ بقية الخلق أكلاً وشربًا ووطءًا وسفرًا ومرحًا ولعبًا، لكنهم لا، ما فعلوا هذا، أفنوا أعمارهم في الإنكباب على العلم قراءة وحفظًا وتأملاً وتدريسًا وتفهيمًا، هذه حياتهم حتى شابت لحاهم، لحاهم وهم على هذا المسلك، تضحية ضحوا بأوقاتهم، بل ضحوا بأفضل أزمانهم، زمان الفتوة وزمان الشباب والقوة قضوه في طاعة الله سبحانه وتعالى. كل ذلك في سبيل تكريس هذه القوة الجسدية والبدنية والعقلية في الإنكباب على العلم الشرعي ومعرفة ما يريده الله من أحكام وشرائع، ولهذا إخواني في الله فلا أحد أبدًا يداني ولا يساوي أهل العلم، فيا عبد الله الله الله في هذا الباب، إن لم تكن من أهل العلم من الكبار ممن أفنوا الأعمار، فلا أقل يا عبد الله أن تبذل الشيء اليسير في طلب العلم في تحصيله في جلوسك في تعظيمه، فإن ذلك من أعظم المنازل. وهذه الآية كما قلنا من أعظم الآيات التي يستدل بها العلماء على فضل العلم وأهله، إذ أن الله عز وجل في هذه الشهادة العظيمة تعتبر أعظم شهادة على أعظم مشهود ألا وهو وحدانية الله، شهد بذلك ربنا بذاته العلية جل في علاه، والملائكة تلكم المخلوقات العلوية، وهكذا شهد ربنا سبحانه وتعالى بأهل العلم ومن أفضل المخلوقات إن صح التعبير السفلية أي الأرضية. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾، كذلك فاعلم والعلم هو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، عليك أن تدرك حق الإدراك بأن الله واحد سبحانه وتعالى لا إله إلا هو، وسأتي معنى فيما يتعلق بشروط لا إله إلا الله مسألة العلم ونذكر ما تحتها من مسائل. لكن هذه الآية استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على أن الله سبحانه وتعالى لا إله إلا هو، قال: وقوله تعالى: ﴿وما من إله إلا الله﴾، ما هنالك إله يعبد، إله يستحق العبادة سواه سبحانه وتعالى، قال: وقوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله﴾، ما هنالك إله مع الله يزاحمه أو يغالبه في موضوع الألوهية ولا الربوبية، فالتوحيد خالص لله سبحانه وتعالى، لا ينازع في ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. قال: وقوله تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾، هذه الآية كذلك فيها بيان على أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الواحد الأحد، ما من إله معه، قوله: ﴿قل﴾ الخطاب لنبينا عليه الصلاة والسلام، ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون﴾ تنزلاً وتنزيلاً وفرضًا، إذا افترضنا وجدلاً من باب التنزل الجدلي ماذا؟ لو صحت أو على فرض ما يقول يقوله كفار العرب ممن يدعي بأن هناك آلهة مع الله. هناك آلهة مع الله يشاركون الله سبحانه وتعالى في الألوهية على حد زعمهم، قال ربنا: ﴿إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾، هذه الآية عند المفسرين تفسر على تفسيرين اثنين، وذلك يتعلق بقوله: ﴿إذن لابتغوا﴾، الابتغاء هنا إما ابتغاء محبة وخضوع أو ابتغاء منازعة ومخاصمة، فعلى كل له التفسير. فعلى التفسير الأول إذا قلنا إلى ابتغوا أي ابتغاء محبة وخضوع، أن يكون الخطاب يا محمد أخبر هؤلاء ممن اتخذوا آلهة من دون الله أصنام أوثان أو ألات وهبل وعزة ومنات آلهة شتى بالمئات، لماذا هم اتخذوها؟ اتخذوها كما جاء في آية أخرى: ﴿يقربون إلى الله زلفى﴾، هؤلاء الآلهة نحن نتقرب إليهم عل وعسى أن هذه الآلهة تقربون إلى الله، تقربون إلى الله. وهذه فلسفة كانت موجودة عند المشركين يتوجهون لهذه الآلهة والأنداد والأصنام بالعبادة عل وعسى أن هذه الآلهة تقربهم إلى الله، فيكون معنى الآية يا محمد إذا كان هؤلاء حقًا يعتقدون هذا الاعتقاد وأن هذه الآلهة هي تقربهم إلينا، إذن هذه الآلهة ما هي آلهة أصلا، لماذا؟ لأن الآلهة لا تعبد غيرها، إذا أنتم تدعون تدعون أن هذا اللات أو هبل نعبده لكي اللات والوهبل يقربون إلى الله، أي هذا الآلهة هي تخضع لله، إذن كيف هذا؟ كيف يعبد ويعبد ويمكن آلهة تعبد وتعبد غيرها؟ لا، الآلهة ما تعبد الآلهة ما تعبد لأن هذه الآلهة لو كانت كذلك لا ما كانت آلهة. لو كانت هذه فلسفة إذن كان الأجدر بكم أن تبدأوا إلى الله مباشرة، ما في داعي للواسطة، تتخذ آلهة شكلي هذه آلهة وظيفتها تعبد غيرها، ما هي آلهة، ما تكون آلهة أبدًا، لأن هذه خاضع لغيره، هذه الآلهة بين قوسين تبع لغيرها، تخضع لغيرها، فإذن فيقول الله عز وجل: لو فرضا أنكم تدعون أن هذه الآلهة تعبدون هي تقربون إلينا، إذن ما كان هذه آلهة، إذن كان الأولى والأجدر أنكم أنتم تعبدون مباشرة، ﴿لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا﴾ أي محبة وخضوعًا. هذا قول، القول الثاني والرأي الثاني من أقوال المفسرين في تفسير هذه الآية وهي: لو كان هؤلاء الكفار يعتقدون بوجود آلهة بوجود آلهة في الكون، إذن لكان من حق هذه الآلهة أن تتنازع أن تتنازع فيما بينها، ولا ابتغوا ابتغوا هنا سيكون معنى المخاصمة والمنازعة، إذن لخاصموا بعضهم في معرض لكي يستتب لهم الأمر ويظهر ذلك متى؟ في أن أمور الكون ستطرب عليهم. لو كانت هذه آلهة لو الآلهة موجودة حقًا لو الآلهة موجودة حقًا لوقع فيما بينهم التنازع لوقع فيما بينهم التخاصم ولظهر هذه المنازعة في أحوال الكون، ما ستستقر أبدًا حالها، كحالنا لا يخفى الآن على أحوال الكثير من الناس فيما نرى في الكثير من الأوطان والبلدان، عندما تجد أن بلدة ما يتزاحم عليها الكثير يتنافس عليها الكثير، فأن يستتب الأمر إليه هذا بكتيبة وذاك بماليشيا وذاك بحزب والكل يريد الحكم أن يكون له، وما استتب الأمر على رأس، كيف تقع هذه البلاد؟ تقع البلاد بما تقع فيه من فوضى فوضى عارمة. هذا يفعل ذاك يحفر، وهذا يسد، وهذا يرمي، وكل يعطل على الثاني، كمان تجد في بلادنا مثلا وفي غير بلدان الذي لم يستتب الأمر على شخص واحد على ولي أمر واحد، فإذا تعددت ولاة الأمور كل يزاحم ولي الأمر شأنه، إذن ستضطرب، يقع المنازعة، ثم هذه المنازعة يظهر أثرها في البلاد وبين العباد، حروب قتال أزمات أزمة بعدة أزمة، كل يخرب على الثاني، كل يفسد على الآخر، حتى يظهر هو نفسه بنفس القوي والثاني بطرف الضعيف، ستضطرب الأمور على الخرق، ولله المثل الأعلى. فإذا يقول ربنا: لو كان هؤلاء كما يقولون أن هناك آلهة لتنازع فيما بينهم، وذي اضطربت الأمور واضطرب الكون، لكن انظر الآن في الكون هل فيه الطراب؟ لا، ما فيه الطراب أبدًا، الكون يسير منذ خلقه الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها يسير على نظام بديع على نظام بديع، انظر في نفسك يا عبد الله ما يكون من دقات قلبك سنين، هذا خلق الله سبحانه وتعالى، هذا شيء الأشياء كثيرة الذي تبهر العقول وتدهش الأفئدة. تعلم أن ذلك بصنعة الله سبحانه وتعالى الذي أحسن كل شيء خلقه جل في علاه، وربنا هو الخالق، لو كان هناك آلهة لتزاحموا ولتخاصموا، وهذا القول الثاني إخواني في الله تفسر به الآلة، وهذا قد يستدله بقوله تعالى: ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾، لو كان هناك آلهة لو وقع الفساد في السماوات والأرض لتعدد الآلهة، لكن هل عندنا فساد؟ لا، إذن ما عندنا آلهة، ما عندنا إلا إله واحد سبحانه وتعالى. فهذه إخواني في الله أدلة ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في بيان ما الدليل على شهادة أن لا إله إلا الله، فأشبع المؤلف رحمه الله تعالى هذا المبحث بهذه الأدلة الرصينة الدالة بوضوحها على أن الله عز وجل هو الله الواحد الأحد الذي ليس له شريك جل في علاه. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.