الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 56، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل مناقشة أدلة السنة النبوية على علو الله سبحانه وتعالى، مستدلاً بحديث الجارية وغيره من الأحاديث. يُبرز أهمية هذه الأحاديث في إثبات علو الله.
يتناول هذا الفصل الرد على شبهات المبتدعة حول حديث الجارية، ويبين صحة الحديث ويستدل بأحاديث أخرى لإثبات علو الله تعالى.
يستمر هذا الفصل في تناول أدلة من السنة النبوية على علو الله، مثل حديث "من تصدق بعدل ثمرة" وحديث "سبحان ربي الأعلى". يشير إلى إنكار الجهمية والمعتزلة والماتريدية لعلو الله.
يختم هذا الفصل بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر احترامًا وتقديرًا للنبي وأتباعه، معبرًا عن الإيمان والتقوى.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال مؤلف كتاب العلو للذهبي رحمه الله تعالى: ما دليل ذلك من السنة؟ وهذا السؤال إنما هو تبع لما مضى معنا في الدرس الأخير، وهو السؤال حول معرفة علو الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى عالٍ على خلقه فوق مخلوقاته. وقلنا: دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، ومرت معنا أدلة القرآن، وها هو المؤلف رحمه الله تعالى كذلك يذكر من السنة ما فيه كفاية ودلالة على علو الله سبحانه وتعالى فوق مخلوقاته. وقد أشار العلماء رحمهم الله تعالى إلى أن السنة بشتى صورها دلت على علو الله، وأعني بذلك السنة القولية والفعلية والتقريرية، كل ذلك ثبت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، دلل فيها على علو الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: ما دليل ذلك من السنة؟ قال: أدلته من السنة كثيرة لا تحصى، منها قول عليه الصلاة والسلام في حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه». وحديث الأوعال رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والترمذي، إلا أنه معلل، ففيه رجل راوي تغير بآخره، فالقول فيه أنه للضعف أقرب. قال: وقول سعد في قصة قريضة: «لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبعة أرقعة». وهذا الحديث أصله في الصحيح في قصة تحاكم سعد أو تحكيم سعد في يهود بني قريضة، عندما حكم فيهم بأن تسبى النساء ويقتل الرجال، قال فيه نبينا عليه الصلاة والسلام: «لقد حكمت فيهم بحكم الله»، هذا الذي ثبت في الصحيح. أما ما يتعلق بزيادة «من فوق سبع سماوات»، كذلك هذا مما توقف فيه جماعة من العلماء بتصحيحه، لأن هذه الزيادة جاءت من قبل راوين يخطئان. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة». وهذا الحديث في صحيح مسلم، حديث الجارية الشهير، عندما سألها نبينا عليه الصلاة والسلام: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة». فهذا الحديث إخواني في الله من الأحاديث الصريحة الواضحة البينة التي لا لبس فيها ولا غموض في أن نبينا عليه الصلاة والسلام سأل الجارية بهذا السؤال: «أين الله؟» فأجابت الجارية بكلام واضح قالت: «في السماء». وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن ذلك من المقرر عندهم ومن المسلمات في هذا الباب بأن الله جل وعلا في العلو. فقالت: «في السماء»، فكان ذلك دالة على إيمانها، أي إيمان الظاهر، فقال: «اعتقها فإنها مؤمنة». وبهذا حكم نبينا عليها بالإيمان. وقد ذكر العلماء -كالذهبي وجماعة من أهل العلم- أن هذا الحديث مما يستفاد منه فائدتان، أولاهما: جواز السؤال بأين الله، وبجواز إجابة المسؤول في السماء. فهذا مما دل عليه الحديث، فالفائدة الأولى جواز السؤال بأين الله، وذلك لأن النبي سألها بهذا السؤال: «أين الله؟». فهل يعقل بعد هذا أن يتجرأ من يتجرأ ويحرم على الناس هذا السؤال؟ حتى أن وجدنا من يشنع على بعض الناس من سأل: «أين الله؟» يشنع عليه السؤال، وأن هذا السؤال مما لا يطرح، بل حتى أصبحت في بعض المذاهب عندما تعلم المريد والصغار والصبيان ومن أراد أن يدرس عندهم: أن من الأسئلة التي لا ينبغي أن تطرح في الله جل وعلا وفي ذاته لا تسأل بأين، لا يجوز أن تسأل بأين. وما الدليل على عدم الجواز؟ الله أعلم. ما الدليل الذي يمنع من هذا؟ وها نحن نرى أن نبينا صلى الله عليه وسلم يسأل بهذا السؤال، ولنا فيه إسوة ولنا فيه قدوة. فمن أراد أن يزحزحنا عن ذلك فليأت بالبينة. أما التخرصات وتكهنات والاعتراض على شرع الله والرد على نبينا عليه الصلاة والسلام نسميها وقاحة، نسميها قلة أدب، نسميها صفاقة إزاء السنة النبوية. فإذا سأل نبيك يا عبد الله بسؤال شرع لنا أن نسأل هذا السؤال: «أين الله؟» ثم الإجابة كان من الجارية قالت: «في السماء»، ما الذي فعل نبينا عندما سمع بهذه الإجابة؟ هل وبخ؟ هل عاتب؟ هل غضب؟ هل تأفف؟ هل أنكر عليها الإجابة؟ لا، بالعكس، وإنما شجعها وشجع غيرها من أهل الإسلام، قال: «اعتقها فإنها مؤمنة»، حكى الإيمان عليه الصلاة والسلام في حق الجارية. فدل ذلك -كما قال العلماء- في حديث الجارية على جواز السؤال بأين الله، وجواز إجابة المسؤول بقوله: «في السماء». فهذا الاعتراض على هذا السؤال وإنكاره، كمن أنكر على رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكما ذكرنا سلفًا، الحديث في صحيح مسلم، وهو من الكتاب الذي تلقاه العلماء بالقبول، والأمة من خلفهم تبعًا، فلا يأتي كذلك متهور بعد هذا ويتجرأ لحمية في قلبه وضغينة في صدره وحقد على هذه المسألة العقدية، التي لم يتسع لها ربما قلوب أهل الأهواء والمبتدعة، فيريد أن يتخلصوا من هذا الحديث. فإذا بهم يجعلون تضعيفًا، قالوا: هذا الحديث ضعيف. وهذا مما تجرأ به الكوثري وجماعة من أتباعه، أنهم دندنوا على هذا الوتر بضعف الحديث، وهو في صحيح مسلم. ومن الذي عسى أن يضعف هذا الحديث؟ الأمة تلقت هذا الحديث بالقبول، احتج به أئمة السنة، احتج به إمامنا الشافعي، واحتج به مالك وأحمد، وقال بتصحيحه جماعات وطوائف من أهل العلم، كالإمام مسلم، وأبي عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم بن حجر، والذهبي، والبغوي، وجماعات من الأمة. وما علمنا أحدًا من المتقدمين صرح بتضعيف هذا الحديث. وأُنبه إلى من اغتر ببعض المبتدعة إذ سودوا صفحات يدندنون حول حديث الجارية، يريدون أن يسقطوه أرضًا. فما الذي فعلوا؟ الحديث في صحيح مسلم، فذهبوا وبحثوا عن رواية ضعيفة، نعم توجد رواية ضعيفة، فقالوا: انظروا لهذه الرواية المنكرة. وحتى معكم أن تلك الرواية منكرة ضعيفة، فإذا بهم ماذا يسحبون هذه الرواية الضعيفة ويجرجرونها ويأتون بها، ويجرجرون الضعيفة إلى أن يأتوا إلى الحديث الصحيح، يقولون: وهذا الحديث فيه إشكال، وأن هذا الراوي يأتي بهذه اللفظة ويأتي بهذه اللفظة. وهنا عندي جارية تكلمت، وهنا عندي جارية أشارت، إذن دل هذا الحديث على اضطرابه، فالحديث مضطرب يرمى به. ما هذه الألعوبة؟ ما هذه الألعوبة التي تتلاعبون بها في أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام؟ وهذا أمر سهل فتحتم للزنادقة أبوابًا، فيمكن لأي زنديق أن يأتي لحديث في البخاري ويأتي برواية مشابهة جاءت في المعاجم وفي المصنفات بإسناد ضعيف، فيسحب هذه الرواية إلى أختها التي في البخاري ويقول: انظروا هذا ما الذي قاله الراوي، وهنا ما الذي قاله الراوي؟ هنا في اختلاف الروايات، إذن هذا الحديث يرمى به. والثالث والرابع والخامس والسادس من هذا الذي يفعل هذه الفعلة الجهلة، الذي ليس عنده تقوى لله جل وعلا. وهذا ليس بأسلوب الحديث المضطرب، والحديث الذي تتكاثر طرقه ويكون بإسناد واحد، أما هذا إسناد مختلف، وهذا إسناد مختلف، فكل يحكم على حدة. أما أنك تأتي بالجميع ثم تجعله في باب واحد، ثم ترميه بالاضطراب، ثم ترمي به، إذا ما ستبقي شيئًا من السنة؟ فاتق الله يا عبد الله من هذا التلاعب، وإنما يفعل ذلك من قل دينه وضعف إيمانه، وحمل الحقد إلى هذا المسعى إلى أن كل ما يراه مخالفًا لعقيدته، سرعان ما يذهب إلى الطعن وإلى تكذيبه. لا يعطى سلم الحديث في صحيح مسلم، لا غبار عليه، تلقاه العلماء بالقبول، والأمة على إثرهم، فهو صحيح صحيح صحيح، لا مغمز فيه. وأما الروايات إذا جاءت له شواهد، فهذا يعطى حكمها، إن كان ضعيف ضعيف، وإن كان موضوع موضوع، إن كان منكر منكر. لكن هذا الذي ثبت بإسناد صحيح لا مغمز فيه، فحديث الجارية إخواني في الله يُعتبر شوكة في حلوق المبتدعة. ومع ذلك هب أنهم استطاعوا على إسقاط هذا الحديث، فما تقولون بعشرات الأحاديث وهي كلها تصب في إثبات علو الله جل وعلا؟ قال: وقوله عليه الصلاة والسلام للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: اعتقها فإنها مؤمنة». قال: وأحاديث معراج النبي صلى الله عليه وسلم، حديث المعراج جاء من حديث أبي ذر، وجاء من حديث أنس، كما في الصحيحين قصة معروفة، يعرفها الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والعالم والجاهل، قصة معروفة تربينا عليها صغارًا ونموت عليها، عقيدة من عقائد أهل الإسلام، بأن النبي أُعرج به إلى أين؟ أُعرج به إلى السماء. إلى من؟ إلى لا أحد كما يقول مبتدع: ما هناك شيء فوق السماء. إذا لمن عرج النبي عليه الصلاة والسلام؟ حديث المعراج عبارة عن آلة أو مركب ركبها نبينا عليه الصلاة والسلام وسار به في السماوات السبع، في أطباق السماء، حتى لقي ربه سبحانه وتعالى، وأوحى إليه ربه سبحانه وتعالى بفرضية الصلوات الخمس. هذا وجه من وجه علو نبينا أو ارتفاع نبينا، حتى قرب من السماء السابع، حتى سمع صريف أقلام الملائكة، سمع بصريف أقلام الملائكة. وحين أوحى إليه ربه بخمسين صلاة، ثم نزل نبينا فلقي من في طريقه موسى عليه السلام، فسأله عما افترض ربنا عليه، فأخبره بخمسين صلاة. بماذا ذكره موسى؟ بأن هذه مشقة، لقد لقيتم يا بني إسرائيل ما لقيت، وإن أمتي لن تقدر على خمسين، فذهب فاراجع ربك. فما الذي فعل نبينا؟ أين ذهب؟ نزل أم ذهب إلى الجوانب؟ أم ارتقى إلى الأعلى؟ صعد إلى الأعلى إلى من؟ إلى ربه. لماذا يراجع في أمر الصلاة؟ فلا يزال نبينا يراجع ربه، ينزل من عند الله ثم يمر على موسى فيستنصحه، فيرشده موسى إلى التخفيف، فيصعد إلى ربه. وهذه أمارة أخرى دالة على علو الله سبحانه وتعالى، لا فيها خفاء ولا في ذلك تعنت، إلا من أغلق الله على قلبه. فآية في حديث المعراج إخواني في الله من أعظم الأدلة الدالة على علو الله سبحانه وتعالى، حيث أن النبي أُعرج إليه. قال رحمه الله تعالى: وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث تعاقب الملائكة: «ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم». كذلك هذا الحديث في أن الملائكة يأتون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، ثم يعرجون إلى الله. وقد مر معنا في دروسنا الماضية بأن العروج بمعنى الصعود، فتعرج الملائكة إلى من؟ إلى الله سبحانه وتعالى. قال: والحديث كان في الصحيحين. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «من تصدق بعدل ثمرة من كتاب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب». والحديث كذلك في البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة. وتأمل في قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا يصعد إلى الله إلا الطيب»، فالطيب أين محله؟ محله الصعود، محله الارتفاع إلى أين؟ إلى الله. ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فهذا دالة على علو الله سبحانه وتعالى. قال: وقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الوحي: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان». الحديث، فالشاهد: «قضى الله الأمر في السماء». وقلنا: في السماء، أي في العلو. قال رحمه الله تعالى: وغير ذلك كثير، أي: أدلة السنة كثيرة جدًا، من ذلك -على سبيل المثال- مما يذكر في البرهان من السنة النبوية على علو الله، ما جاء في دعاء الساجد الذي يدعو فيه فيقول: «سبحان ربي الأعلى»، اعترافًا بعلو الله سبحانه وتعالى. وأعظم من ذلك ما جاء في حديث زينب -ما جاء في البخاري- أنها كانت تفتخر على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقول: «أنتن زوجكن أهليكن، وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات». وأنا زوجني الله من فوق سبع سماوات. وهكذا ما جاء في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا تأمنوني؟ وأنا أمين من في السماء». وأنا أمين من في السماء. وهكذا أيضًا في قوله عليه الصلاة والسلام: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهو الله جل في علاه. وأحاديث كثيرة جدًا جدًا. وهكذا هذا كله من قوله. وأما من فعله، ما ثبت كذلك في الصحيح: أن نبينا في خطبة يوم عرفة، عندما خطب بالناس واستحث الناس: «ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد». ورفع يده إلى السماء عليه الصلاة والسلام، إقرارًا واعترافًا بالإشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى في العلو. فهذه إخواني في الله أدلة كثيرة وكثيرة جدًا. ومن أراد المزيد فلينظر إلى ما كتبه علماؤنا، كأمثال الذهبي في كتاب العلو، وهكذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في «اجتماع الجيوش الإسلامية بأمئات الأدلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على علو الله سبحانه وتعالى». ثم قال المؤلف: وقد أقر بذلك جميع المخلوقات إلا الجهمية، جميع المخلوقات كلها قد أقرت بعلو الله سبحانه وتعالى، ما أنكر ذلك إلا الجهمية. وتطلق الجهمية على كل من عطل صفات الله، فيدخل في ذلك الأشاعرة، ويدخل في ذلك الماتريدية، والكلابية، والمعتزلة، والجهمية الأوائل، هؤلاء أنكروا علو الله سبحانه وتعالى، حتى قال عمران بن بشر رحمه الله تعالى: «كان بشر المريسي ومن معه لا يقرون بأنه في السماء، شيء ما يعترفون، في السماء ما هناك إله، ما هناك رب». ولهذا تجد أن هؤلاء المبتدعة يتخبطون، إن سئلوا: «أين الله؟» لو ربما منهم من يعترض أولًا على طرح السؤال. وبعض إن أجاب أجاب على مضض، فماذا عسى أن يجيب؟ إما أن يقول: بأن الله في كل مكان، يعني هرب من علو الله، هرب من مقام العلو الذي العقلاء بأجمعهم يقولون: بأن العلو منزلة كمال، لكن ما أرادوا لله العلو، فما الذي جعلوا لله؟ جعلوا لله الدنو، جعلوا أن الله مع خلقه، يسير معهم، وأينما كانوا يكون معهم، هذا قول الحلولية، قول الاتحادية، الذي لا ينزهون الله عن الحشوش وعن الحمامات. فالله عز وجل -عباد الله- يترفع عن هذا. بل قال علماء: من قال: بأن الله في كل مكان، فقد كفر. من قال: بأن الله في كل مكان، فقد كفر. لأن من قال هذا هو سيلتزم بأمرين اثنين لا ثالث لهما، من قال: بأن الله في كل مكان بنفسه وبذاته معنا، معناه أنه سيلتزم بأمرين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يقول: بأن الله متعدد، أو يقول: بأن الله متجزئ. أما القول الأول: بأن الله متعدد، بأن الله هنا وهنا وهنا وهنا وإلى هنا، واحد جل في علاه ليس بمتعدد، هذا قول يقول به الحلولية. والذام الثاني: أو يقال: بأن الله متجزئ، بأن الله واحد لكنه على أجزاء، جزء منه هنا، وجزء منه هنا، وهنا وهنا، وهذا هو الكفر بعينه. فعباد الله ما ينبغي لأحد أن يخاصم في عقيدة واضحة وضوح الشمس، دل عليها الكتاب والسنة والعقل والفطرة، وبإجماع الأمة، ما كابر وما خالف أحد قط في علو الله سبحانه وتعالى. بل ذكر الذهبي رحمه الله تعالى: أن الدواب والكائنات كانت تقر بعلو الله سبحانه وتعالى، وذكر على ذلك شواهد من الحشرات: أن ربما بعض الكائنات والحشرات إذا أرادت أن تنتج إلى الله، لربما رفعت قوائمها إلى السماء، وذلك لما جعل الله من غريزتها بعلو الله. ولكنها المكابر إخواني في الله، فلا يكابرن أحد لهذه العقيدة الصحيحة، فالسنة الواضحة، بل السنة المتواترة، سواء ما كان منها القول والفعل والتقرير، كلها تقول إلى هذا المآل الوحيد الأوحد، بأن الله سبحانه وتعالى في السماء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.