الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 5

الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 5

الدرس في الأرجوزة الميئية في ذكر حال أشرف البرية 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مولد النبي وتاريخه

يناقش تاريخ مولد النبي صلى الله عليه وسلم وارتباطه بعام الفيل، حيث ولد في ربيع الأول مع اختلاف في تحديد اليوم بالضبط. يُستدل على ذلك بآثار صحابية وإجماع العلماء.

تأريخ ميلاد النبي وآراء العلماء

يتناول آراء العلماء حول تاريخ ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ومدى ارتباطه بعام الفيل، مع شرح كيفية تأريخ العرب للحوادث الكبيرة.

حادثة الفيل وأهميتها

يشرح حادثة الفيل التي وقعت قبل ميلاد النبي، حيث رد الله الأحباش عن الكعبة بطير أبابيل، وهذه الحادثة مذكورة في القرآن والسنة.

ختام الدرس والدعاء

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي وآله وصحبه، مع اظهار التواضع والاعتراف بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، لازلنا في هذه الأبيات الأول، والتي يذكر فيها المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بمولده عليه الصلاة والسلام، حيث قال: مولده في عاشر الفضيل ربيعًا الأول عام الفيل، لكنما المشهور ثاني عشره، في يوم الإثنين طلوع فجره. وقد أشرنا إلى هذه الإحداثيات التي ذكرها لنا المؤلف رحمه الله تعالى، وعلمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد يوم الإثنين إجماعًا، بدلالة السنة. وأما ما يتعلق بشهر ربيع الأول، فهذا هو المشهور، والذي عليه الجمهور. وأما ما يتعلق بتحديد التاريخ، هل هو في العاشر أو في ثاني عشر، رأينا الخلاف في هذا، بل هناك عدة تواريخ كذلك لها من القوة ما يحتاج أن ننظر فيها، كما قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ولد في اليوم الثامن، ومنهم من قال بأنه ولد في اليوم التاسع، فالخلاف قوي في تحديد هذه المدة أو هذا التاريخ. ثم أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى ما يتعلق بمولده عليه الصلاة والسلام، وهو البيان للعام الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام، حيث قال: عام الفيل، أي أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل. وهذا المبحث تحته مباحث نود أن نذكرها في هذا المقام. فالعلماء يصرحون بأن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، بقي ما هو الدليل على هذا الإخبار وعلى هذا التاريخ. الدليل من ذلك ما رواه الإمام البيهقي رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس، أنه قال: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. قال ابن عباس: ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وهذا الحديث رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: وهو كما قال، فالحديث صحيح. أي أن النبي كما قال ابن عباس ولد عام الفيل. وأيضا مما يستدل به على هذه المسألة ما جاء من حديث قيس بن مخرمة، قال: ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل، فنحن لدَان. وفي لفظ: لدتان، فنحن لدَان أو لدتان. واللد يقول علماء اللغة: يقال فلان لد فلان، أي إذا ولد معه في وقت واحد. فقيس بن مخرمة يذكر أنه ولد هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل. وهذا الأثر قال الشيخ الألباني: حسن. فهذه الآثار المروية عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تدل على هذه المسألة. بقي هذا التاريخ، وهو عام الفيل، هل هو مجمع عليه؟ هل قام الاتفاق بين العلماء على أن لا خلاف في تحديد هذا العام؟ نعم، حكى جماعة من العلماء الإجماع على هذه المسألة. فممن صرح بذلك الإمام الخليلي بن خياط رحمه الله تعالى، حيث قال: والمجمع عليه أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل. فهو يذكر الإجماع في هذه المسألة. وهكذا حكى الإجماع إبراهيم بن المنذر رحمه الله تعالى، وهو من مشايخ البخاري، قال إبراهيم رحمه الله تعالى: وهذا لا يشك فيه أحد من علمائنا، أنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل. وهكذا تتابعت الإجماعات المنقولة عن العلماء، فذكر ذلك ابن الجوزي، وهكذا ابن القيم، وجماعة من العلماء تواصلوا على ذكر الإجماع على هذه المسألة من أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل. لكن من نظر إلى كتب السيرة والتاريخ، وتتبع المطولات في هذا الباب، يرى أن هناك خلافا قد حصل. فمن أهل العلم من لا يقر بهذا، لا يرى أن رسول الله ولد في نفس العام، ولد بعد ذلك. وممن صرح بهذا إمام مقاتل رحمه الله تعالى، فإنه يرى أن النبي ولد بعد عام الفيل بأربعين سنة. ونقل هكذا عن عبيد بن عمير أنه يرى أن النبي ولد بعد عام الفيل بثلاث وعشرين سنة. وهذه روايات، إخواني في الله، وإن كنا نحكيها إلا أنها مردودة، يردها العلماء رحمهم الله تعالى لعدم وجود لها أدلة تسعفها. وقد مضى معنى الأدلة الصحيحة الثابتة من الصحابة على التصريح بأنه عليه الصلاة والسلام ولد عام الفيل. ولهذا يقول الإمام البغوي رحمه الله تعالى: والأكثرون على أنه كان قد ولد في عام الفيل. فهذا الذي استقر عليه جماهير العلماء، وهذا دليل يدل على ذلك. إذا علمنا بخلاصة هذه المسألة، تأتي هنا فوائد ننتهزها مما يستحب ذكرها في هذا المبحث بعد الخلاصة من أن النبي ولد عام الفيل. من ذلك علينا أن نعلم، يا إخواني في الله، أن العادة قد جرت قديمًا عند العرب، بل وعند سائر الأمم، أنهم كانوا إذا أرادوا أن يؤرخوا التاريخ، كانوا يؤرخونه على حسب الحوادث العظيمة. إذا وقعت حادثة عظيمة، كانوا يؤرخون فيها، مثل عام الفيل، فكان هذا العام عام الفيل تاريخًا شهيرًا، فلان ولد قبل عام الفيل بسنتين، بعد عام الفيل بأربع سنوات، بعام الفيل قبل أشهر، فيجعلون هذا الحدث هو المعيار في ضبط التواريخ. وليس فقط عام الفيل، بل إن هذا العام كان عند العرب، وإلا كان الناس قديمًا يؤرخون بالحوادث العظيمة. فمن ذلك ما ذكر ابن عساكر رحمه الله تعالى عن عبد العزيز بن عمران رحمه الله تعالى، أنه قال: لم يزل للناس تاريخ، أي منذ القدم كانوا يؤرخون. قال: لم يزل للناس تاريخ، كانوا يؤرخون في الدهر الأول، في الدهر الأول، من هبوط آدم من الجنة، فلم يزل ذلك حتى بعث الله نوحًا، فأرخوا من دعاء نوح على قومه، ثم أرخوا الطوفان، ثم أرخوا من نار إبراهيم، ثم أرخ بن إسماعيل من بناء الكعبة، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من عام الفيل، ثم أرخ المسلمون بعد من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه فائدة، بها تعلم، يا عبد الله، أن العرب كانوا يؤرخون على حسب الحوادث، على حسب الحوادث التي تلم بهم، ومن ذلكم حادثة الفيل، فكان يؤرخون على هذه الحادثة. بقي مسألة كذلك، قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد عام الفيل، بقي هل كان ميلاده في نفس اليوم الذي وقعت فيه هذه الحادثة؟ بمعنى هل وقع حادثة الفيل في نفس اليوم الذي ولد فيه نبينا عليه الصلاة والسلام أم لا؟ العلماء رحمهم الله تعالى يرون أن النبي إنما تمت ولادته بعد حصول حادثة الفيل بأيام، بعد حصول حادثة الفيل بأيام، أي في نفس العام، لكن بالتحديد بعد الحادثة بأيام. اختلفت أنظار العلماء في معرفة هذه الأيام، قال مثلا الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه تاريخ الإسلام، قال أبو أحمد الحاكم: ولد بعد الفيل بثلاثين يوما، ولد بعد حادثة الفيل بثلاثين يوما، أي شهر. وقيل: بعده بأربعين يوما، هذا نقله الذهبي عن بعض العلماء. وكذلك من نظر إلى باقي الكتب، يرى منهم من صرح بأن النبي ولد بعد حادثة الفيل بخمسين يوما. والأكثر والأشهر أن من يقول بأن النبي ولد بعد حادثة الفيل بخمسة وخمسين يوما، هذا الذي أكثر عليه العلماء يرون هذا الترجيح بهذه المدة. والأمر في ذلك سهل ميسر، لكن أراد العلماء الدقة في تحديد وقت ميلاده عليه الصلاة والسلام. فسمعت، يا عبد الله، ما يتعلق بذلك. أمر أخير، إخواني في الله، نخدم به هذا المقام، وهي ما هي حادثة الفيل؟ ما هي حادثة الفيل حتى أصبح هذا العام يضاف لهذه الحادثة بعام الفيل، والذي في هذا العام ولد نبينا المختار عليه الصلاة والسلام؟ خلاصة هذه الحادثة هي عبارة عن غزوة قام بها الأحباش على مكة، وقد رد الله جل وعلا كيدها، أولى كيدها. وهذه الحادثة قد ذكرها ربنا جل وعلا في كتابه العزيز، وأيضا أشار إليها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك مصرحا في أصح كتب السنة، في البخاري ومسلم. وجاء كذلك ما يتعلق بأخبار حادثة الفيل عن علمائنا من أهل السير والتواريخ، بل وهكذا المفسرون قد أطنبوا وأسهبوا في ذكر حادثة الفيل في كتب التفاسير. فهذه الحادثة، إخواني في الله، قد ثبتت بالكتاب والسنة، ومن أقوال العلماء وأهل التاريخ والسير. أما من القرآن، فلا تخفاكم تلكم السورة التي أسماها الله بهذه الحادثة، سورة الفيل، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِيلٍ﴾ ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. فكتاب ربنا يوضح وبيّن بوقوع هذه الحادثة بكلام واضح جليل. وهكذا من السنة، الأحاديث الكثيرة على رسول الله، فمن ذلكم ما جاء في البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج زمن الحديبية، إذ براحلته تبرك، إذ براحلته تبرك، فقال الناس: «حل، حل»، قال الناس: «حل، حل». وهذه الكلمة هي عبارة عن كلمات وعبارات يذكرونها متى ما رأوا أن الناقة تركت السير وبركت. فإذا بهذه الناقة مع هذه المقولة، فألحت، أي تمادت في الجلوس، تمادت في الجلوس، فحينها قال الناس: «خلت القصواء، خلت القصواء»، فرد عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما خلت القصواء، وما ذاك لها بخلق، لكن حبسها حابس الفيل». هذا المراد، لكن حبسها حابس الفيل. فقول نبينا «حابس الفيل» إشارة إلى تلكم الواقعة التي وقعت لأهل مكة. وأيضا ما جاء في البخاري ومسلم، لما فتح الله مكة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، خطب نبينا بأهل مكة، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل، ثم قال: «إن الله حبس عن مكة الفيل، وإن الله وصلت عليها رسول الله والمؤمنين»، وصلت عليها، أي على مكة، وصلت عليها رسول الله والمؤمنين. فالشاهد، قوله عليه الصلاة والسلام: «إن الله حبس عن مكة الفيل»، إشارة إلى هذه الحادثة. فهذه الحادثة قد دل عليها الكتاب والسنة، وهكذا قام إجماع العلماء، إجماع العلماء من الفقهاء ومن المؤرخين ومن أهل السير على ثبوت هذه الحادثة. ولهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقد تواترت قصة أصحاب الفيل، وأن أصحاب الحبشة النصارى ساروا بجيش عظيم معهم فيل ليهدموا الكعبة، لما أهان بعض العرب كنيستهم التي باليمن، فقصدوا إهانة الكعبة وتعظيم كنائسهم، فأرسل الله عليهم طيرا. فأشهد من هذا، والكلام طويل، وأشهد من ذلك أن شيخ الإسلام ذكر أن هذه القصة مما تواترت. وإن شاء الله في درسي غد، إخواني في الله، سنعطي إشارة أو ملخص وموجز عن هذه الحادثة، وعن حيثياتها، وعن الذي وقع فيها، وماذا آلت الأمور لهذا الجيش العرمرم الذي جاء بكثرته وعدته وعداته لهدم بيت الله الحرام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.