شرح كتاب التوحيد 140

شرح كتاب التوحيد 140

الدرس في شرح كتاب التوحيد 140، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في النميمة وتأثيرها

النميمة تعتبر من الكبائر وتأثيرها مماثل للسحر في الإفساد بين الناس، حيث تؤدي إلى التفريق بين الأحبة والإخوان. المؤلف يشرح حديث النبي حول هذا الموضوع.

عقوبة النميمة وخطورتها

النميمة من كبائر الذنوب وتسبب العذاب في القبر، وهي نقل الكلام بين الناس بغرض الإفساد. النبي نهى عنها وأخبر أنها تفرق بين الأخوة وتسبب العداوة.

ضوابط نقل الكلام

يجب على المسلم أن يتحقق من قرائن الأمانة قبل نقل الكلام، وينبغي التسكت عن نقل كل ما يسمع لتجنب النميمة وإفساد ذات البين. النبي حذر من نقل الكلام دون إذن أو أمانة.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الختام الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ومواصل إخواني في الله في هذا الباب الذي نحن فيه، والذي بوَّب عليه المؤلِّف رحمه الله تعالى باب بيان شيء من أنواع السحر، قال المؤلِّف رحمه الله تعالى: وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا هل أنبِّئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس» رواه مسلم. أورد المؤلِّف رحمه الله تعالى هذا الحديث، وهو في معرض كلامه حول تتبُّع أنواع السحر، فذكر هذا الحديث الذي فيه التحذير من النميمة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: «ألا هل أنبِّئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس». يقال: ملعبه، وجاء كذلك في بعض كتب الحديث ملعبه، ملعبه بكسر العين، فيقال: ملعبه، وهو الأشهر، ويقال: ملعبه، كما جاء ذلك في كتب أهل الحديث. قال: «ألا هل أنبِّئكم ما العضه؟ هي النميمة». ألعبه، إخواني في الله، أولًا ما معناها في اللغة؟ ألعبه في اللغة يطلق على البهت، وعلى اختلاق الكذب، وكل ما قام على التخيل وما لا حقيقة له، هذا هو العضه. ولهذا في اللغة يطلق العضه على السحر، يطلق العضه على السحر، فيطلق على عدة أشياء، فمن ضمن هذه الأشياء -كما أشار نبينا صلى الله عليه وسلم- أن العضه يطلق على النميمة، ويطلق كذلك على البهت والكذب، ويطلق كذلك على السحر، فيجمع الجامع كل ما ليس له حقيقة ويؤثر، فهذا يقال عنه عضه. تأتي المسألة، وهي: قد يقول قائل: لماذا المؤلف رحمه الله تعالى أورد هذا الحديث في باب أنواع السحر؟ قال العلماء: إن المؤلف رحمه الله تعالى -وقد أشرنا إلى هذه الفائدة في أول الكلام على هذا التبويب- أن المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الباب سيأتي لنا بأنواع من أشياء يكون بينها وبين السحر جامعة، إما أن حكمها كحكم السحر، كالتنجيم والعراف والطرق إلى آخره، أو يذكر شيئًا أطلق الشرع عليه اسم السحر، كما سيأتي «إن من البيان لسحر»، أو أن المؤلف رحمه الله تعالى يوري تحت هذا الباب ما كان مشابهًا للسحر من حيث التأثير، من حيث التأثير. وهذا كهذا الحديث الذي بين أيدينا، إذ أن النميمة تعمل كما يعمل السحر، إذ أن النميمة -وهي نقل الكلام بين الناس مما يؤدي إلى الإفساد- نقل الكلام بين الناس مما يؤدي إلى الإفساد، هذه النميمة، فتجد أن مآلات النميمة أنها تؤدي إلى الإفساد بين ذات البين، الإفساد بين الأحبة، الإفساد بين الجيران، الإفساد بين الإخوان، الإفساد بين الخلان، الإفساد بين متحابين، هذه غايات النميمة، إفساد. وما الذي يفعله السحر؟ كذلك من عمله الإفساد، «ويفرقون به بين المرء وزوجه»، فلما كان السحر مؤديًا إلى التفريق، والنميمة مؤدية إلى التفريق، فإذا كان وجه الجمع في ذلك أن النميمة محرمة، وأنها تعمل كما يعمل السحر، ولهذا فالعضه يطلق على السحر، ويطلق كذلك على النميمة، أولًا لأنه كذب واختلاق وما لا حقيقة له، وأيضًا في مؤداة أنه يؤدي إلى الإفساد بين الناس. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «ألا هل أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس». القالة أي كثرة المقال، كثرة الكلام، لأن النميمة تحتاج إلى فرثرة، يتكلم من هنا، ويأخذ الأقوال، ثم يذهب هناك في الطرف الثاني، ويخرج الأقوال، فهو لا زال يتكلم بمقاله بكثرة الكلام مما يؤدي إلى الخصومة والشحناء. فلما كانت النميمة على هذا المنوال مما تؤدي إلى إفساد المجتمعات، فإن الشرع الحكيم عظم الإثم في حق النمامين، وأن الأمر ليس بتلكم السهولة، ليس بتلكم السهولة، إخواني في الله، مما نجدهم في عالم الناس، حتى وجدنا أن من بعض خلق الله من يرى أن هذه النميمة عبارة عن شطارة، فيقول: والله شوف هذا فلان فلان أفرق بينهم، أوريكم كيف أفعل معاه، فيذهب إلى هذا ويذهب إلى هذا، فلا يزال يسعى بينهم حتى يفرق بينهم أو يدخل الغضب بينهما في المجلس الواحد، فيما يجعل الناس يتضاحكون. أما أخبرتكم كيف سأجعل بينهم؟ هذا ما أضحك، يا عبد الله، أتدري من الذي فعلت؟ أولًا حكم الآخرة: جاء في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل الجنة نمام»، لا يدخل الجنة الذي يفسد بين الناس بنقل الأخبار، تسمع من هذا ثم تعطي ذا، وتسمع من ذا وتعطي ذا، ثم مآلات الأمور أنك تغر الذي في الصدور، وتفرق بين الأخوة، وتفرق بين الصفوف، هذه من كبائر الذنوب. فأنت يوم القيامة إذا بعثك الله يوم القيامة -على قول جمهور العلماء- «لا يدخل الجنة نمام»، تتأخر، تدخل النار، إلا إن تغمرك رحمة الله، وإلا تتأخر، لا تدخل مع أوائل الناس، «لا يدخل الجنة نمام»، هذا فقط، لا بل يعجل لك العقوبة وأنت في الدنيا، أين؟ وأنت في قبرك. مر النبي صلى الله عليه وسلم على قبرين فقال: «إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير»، هنا البلية، «وما يعذبان في كبير»، أي أن أصحاب هذه القبور فعلوا أفعالًا يرونها هينة، يرونها حقيقة حقيرة، ليس عليه إثم، ليس عليه حساب ولا عقاب، فما يرونها كبير فعل، لكن النبي قال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، وإنه لكبير»، أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بين الناس بالنميمة، بالنميمة، فكان من أمره عذب في قبره، عذب في قبره نار تلظى يشتوي بها في برزخه إلى أن تقوم الساعة، نسأل الله السلامة والعافية. فالأمر ليس بهين، وهذا الذي ابتليت به المجالس عند الرجال وعند النساء، ربما تأتي امرأة وتطرق الباب على جارتها: افتحي افتحي، فتدخلها خير إن شاء الله، والله معي موضوع، وحاول أنك تلملمين الخبر ايش؟ والله فلانا فعلت وتكلمت فيك، ما مؤد هذا الكلام؟ أنك تأتين يا أمة الله إلى فلانا وتشحنين صدرها على أختها، لربما تلك نعم تكلمت بكلمات في ساعة غضب، في ساعة غضب ما أرادت من الذي تعنيه، فيأتي هذا المسترق السمع من الإنس فيأخذ الخبر ذكرًا كان أو أنثى، ويرمي به بعواهنه لطرف الثاني، وإذا بالثاني يتكلم: هي قالت أو هو قال، لا بارك الله فيه، لا بارك الله فيه، فيغضب، فيأتي ويرجع للثاني يقول: والله الله المستعان، فؤان والله أتى بكلام شديد، والله أنا ما أستطيع أتكلم بهذا الكلام، ايش يعوذ بالله من هذه الفرية؟ يدور هنا ويدور هنا ويفسد بين القلوب. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «إن من شرار عباد الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، الباغون للبراء العنت»، هذه صفات النمى، أولًا هو من شرار خلق الله، لا تظن يا عبد الله أن المسألة نقل أخبار، وأنك توري طرف الثاني أنك تعلم بما يقوله الطرف الأول، والله اسمع أعطيك صراحة، أنا والله أمس كنت نوياه وأتى بكلام ضروري أخبرك ضروري، أرى أمانة، كيف أمانة؟ ما من أمانة؟ هل هو حملك أمانة حتى تبلغها؟ هو حملك أمانة حتى تسكت موش تبلغها؟ قال: أنا أراها أمانة لابد أبلغك حتى لا تكون آخر من يعلم فلان قال فيك وقال، ثم إذ أتى بهذا بالطرف ذا رجع حتى قال العلماء فائدة: هل من شرط ناقل الأخبار أنه يقصد الفساد؟ قال العلماء: ليس من شرطه قصد الفساد، فلو كان نقل الأخبار يؤدي إلى الفساد فأنت نمام، شعرت بهذا أو لم تشعر، فليس كل يا أخي ما يذكر في المجالس تنقل للطرف الثاني. وهذا يجرنا إخواني في الله إلى مسألة هي أوسع من هذه المسألة، وهي التي ينبغي أن يتربى عليها المسلم والمسلمة، وبها يكون الحفاظ لدينك والحفاظ على مجتمعات المسلمين بأسرها، ألا وهي: احرص يا عبد الله على الكتم، احرص يا عبد الله على السكوت، احرص يا عبد الله على الصمت، احرص. قال عليه الصلاة والسلام: «المجالس بالأمانة»، المجالس بالأمانة، إذا عقدت مجلسًا وعقد لك مجلس، ليس شرط مجلس ديوانية ولا اجتماع، أنت وآخر، وأنت وصاحبك، فتناولتما فتناقشتما في بعض المسائل، أصل فيها أنها سر، تبقى المجالس بالأمانة، كل واحد يؤمن الثاني على أنه هذا بيننا. فكيف إذا انضاف؟ فكيف إذا انضاف أن صاحب المجلس جاءت منه قراء جاءت منه قراء تدل على أنه لا يريد أن الخبر ينتشر؟ وهذه من الأخطاء الفادحة عند الناس، إذا جاء رجل وقال: يا أخوانا والله أمس مع فلان وأتى بكلام، قل يا أخي اتق الله، اتق الله، قل يا أخي ما قال لي أمانة ولا قال لي سر ولا قال لي خذ عهد الله، ما قال لي شيء. طيب إذا ما قال لك هذه الأشياء، إذا ما أخذ عليك عهد الله، إذا ما قال لك: يا أخي سر، أو ما قال لك: هذا الخبر بيني وبينك، إذا ما قال لك ذلك، يعني خلاص ما دار في الجلسة الخاصة يسرب. قال عليه الصلاة والسلام: «إذا حدث المرء بحديث أو إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة»، إذا حدث الرجل بحديث فالتفت فهي أمانة، ما معنى التفت؟ التفت مثاله: أنا أتكلم مع واحد وبين الفترة أنظر يمين، أنظر يسار، أنظر من خلف، ليش أفعل هذه الحركات؟ أفعل هذه الحركات حتى أضمن أنه ما أحد يسمع هذا الكلام. طيب أنت يا مغفل، لما ترى أن المتكلم يحاول أنه ينفرد بك، هل بعد ذلك تخرج وتسرب الخبر وتقول: والله ما أخذ علي عهد؟ طب هذا الذي يفعله ماذا؟ ما يدلك على أنه ما يريد أحد يسمع؟ ثم تخرج للناس في المقهى في الصباح وأنت عند أصحابك، وصار وصار وصار، ثم تتحدث بما وقع في المجالس الخاصة، وكان مبتلين بهذا بحجة ماذا؟ بحجة أن ما أحد قالي سر. لا يا عبد الله، إذا وجدت أن هناك قرينة قرينة من المتكلم دل على أن هذا أمانة، ما تخرجها كذلك، مثله مثله رجل جالس، فإذا أنت قمت ناداك تعالى فأخذك إلى زاوية، ما معنى أن يأخذك بزاوية؟ ما معنى هذا الكلام؟ معنى أنه ما يريد إذا أحد يسمع، أو أنه يأتيك إلى بيتك خاصة، بإمكانه أن يكلمك في المسجد أو في الشارع أو في المقهى، لكن جاءك إلى البيت خاصة أو استدعاك: أريدك في موضوع، أو أخذك بسيارة، ما معنى هذه القرائن؟ معنى ما يريد أحد أن يعرف الموضوع ما جرى بينك وبينه. ثم يأتي من يأتي من المغفلين -أقولها صراحة من المغفلين- من لا يعتبر هذه القرائن، ثم بعد ذلك يأتي قال: الله أمس أنا في السيارة مع فلان، أو أنا في بيت، أو جاء عندي فلان إلى بيت، أو اتصل علي وقال كذا وكذا، وأنا قلت له كذا وكذا، وإذ هذا الموضوع فيه كشف الأستار، فيه هتك الأعراض، ومنها ما يكون من هذا الباب النميمة إن كانت متعلقة بشخص بعينه. ولهذا كان الأولى يا عبد الله التسكت، تسكت قدر الإمكان، يكفيك أن تتحدث عن نفسك وعن واقعك وعن من هم بين يديك، تتحدث عن من غاب عنك لا، هناك داعي. وقد ذم نبينا صلى الله عليه وسلم كثرة الكلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»، لا تكن ثرثارًا، «كفى بالمرء كذبًا»، وفي رواية: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». فلو أن المسلم والمسلمة فهموا مثل هذه القواعد العامة لما وقعت النميمة بين المسلمين، لكن للأسف كما قلنا أصبحت من المزاح العبيط أن يأتي أحد ويفرق بين الإخوان، ولئن لامهم والله فيه بأحد المجالس يقول: يقول إخواني يغمز بعينه سأفرق بينه، انظر يا فلان، شوفت مرة تكلم عليك؟ لا لا لا والله فلان ويذكره بماضي، حتى هذا يغضب، هذا يغضب، فإذا بهم يتنافران، وهذا يضحك، تضحك على ماذا؟ على إفساد ذات البين. قال عليه الصلاة والسلام: «وإياكم وإفساد ذات البين، فإنها الحالقة»، لا أقول تحلق الشعر، لكنها تحلق الدين، لأن دين الله جل وعلا قائم على التوحيد وعلى الأخوة الإسلامية، كما قال العلماء، فإذا ذهبت الأخوة الإسلامية بإظهار الشحناء والبغضاء والعداوة، ما بقيت دين. فالله يا عبد الله في هذه المسائل، وخاصة ما نحن بصدده من التحذير من أمر النميمة، فليس كل خبر تنقله لغيرك، إلا إذا كان خبر يسر، خبر فيه بشارة: فلان ذكرك بخير أمس، والله ذكرناك والحمد لله بكلام طيب، والله يثني عليك، هذا الذي تحمد عليه، تأتي بما فيه تقوية لأواصر الأخوة في المجتمعات وفي هذه البلاد. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.