شرح كتاب التوحيد 197

شرح كتاب التوحيد 197

الدرس في شرح كتاب التوحيد 197، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح حديث عظم الجزاء

يبدأ الشرح بالحديث النبوي الذي يبين العلاقة بين البلاء والعطاء الإلهي، حيث يزداد الجزاء على قدر البلاء. يُبين أن البلاء يكفر السيئات ويعظم الأجر على قدر المشقة والإيمان.

حكمة الله في الابتلاء وتكفير الذنوب

الابتلاء يكفر الذنوب الصغائر وليس الكبائر، وهو دليل على محبة الله للعبد. يجب على العبد أن يتعامل مع الابتلاء بالرضا ليحصل على رضا الله.

أقسام الناس عند الابتلاء ومراتبهم

ينقسم الناس عند الابتلاء إلى ثلاثة أقسام: الساخط والصابر والراضي. كما يمر المسلم بثلاث مراحل عند المصائب: التسخط والصبر والرضا، وينبغي له أن يتصبر ويرضى بما يقدره الله عليه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» رواه الترمذي. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث في معرض كلامه على باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله، وأورد بين أيدينا حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، والذي رواه الترمذي، وهكذا ابن ماجة بإسناد صحيح، والحديث يحسنه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في عدة من كتبه. وهذا الحديث فيه مسائل، ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، أي كلما زاد البلاء فإن العطية والمنحة أكثر، هذه قاعدة: على قدر البلاء الذي تبتلى به -سواء كان في نفسك أو في مالك أو في أهلك أو في عيالك- على قدر البلية تعظم العطية. وهنا تأتي عدة مسائل على هذه الفقرة؛ الفائدة الأولى أن نعلم كمال عدل الله سبحانه وتعالى، فالله عدل في خلقه وفيما يقدره عليهم، فعلى قدر البلية يكون الأجر، وهذا هو عدل الله سبحانه وتعالى، فإذا كثرت البلية اعلم أن العطية أكثر؛ لهذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم لعائشة حيث قال لها: «إنما أجرك على قدر مشقتك»، فعلى قدر المشقة يعظم الأجر. الفائدة الثانية: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، علينا أن نعلم أن الجزاء إنما يعظم بأمر، وما هو الأمر؟ الإيمان؛ الإيمان، وهذا فيه يتجلى لنا لطف الله بخلقه عندما يوقع ربنا جل وعلا البلاء على العباد، فالله سبحانه وتعالى إنما يوقعه على قدر إيماننا؛ فلما كان الناس يتفاوتون في باب الإيمان زيادة ونقصانًا، فكذلكم كان البلاء يختلف من إنسان إلى إنسان زيادة ونقصانًا. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام -كما جاء من حديث سعد في السنن- قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يبتلى العبد على قدر دينه»، يبتلى العبد على قدر دينه؛ فمن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، ومن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: «يبتل العبد على قدر دينه»، وهذا من لطف الله بخلقه؛ فعلى قدر إيمانك يا عبد الله تبتلَى، فمن كان في إيمانه صلب وصلابة وقوة ومتانة، فالله جل وعلا يعظم له البلية؛ تكون قوية، هذه ما جاءت هكذا، إنما على قدر إيمانك يبتليك الله، ومن كان ضعيف الإيمان في إيمانه ضعفًا وفي إيمانه وهنًا وفي إيمانه قلة، فالله جل وعلا لضعفه يعطيه بلاءً على قدر إيمانك الذي وقر في صدرك، وهذا من لطف الله جل وعلا. الفائدة الثالثة: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء»، عظم الجزاء ما هو الجزاء الذي يجده الواحد منا من المصائب الذي يبتلى بها؟ الأدلة دلت، ومن كان متتبعًا للأدلة الشرعية في هذا الباب يجد أن الثواب والعطاء والجزاء في حق المبتلى هو أن الله يكفر عنه سيئاته التي مضت؛ تكفير السيئات هذا هو الباب الذي جاءت به الأدلة، والأدلة كثيرة. قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وماله وأهله حتى يلقى الله ما عليه خطيئة»، فيأتي البلاء يكفر؛ تكفير السيئات والخطيئات، قال عليه الصلاة والسلام: «ما أصاب المسلم من هم ولا غم ولا هم ولا حزن حتى الشوك يشاكها إلا كفر الله عنه من خطاياه»، تكفير الذنوب والسيئات. ما جاء في أمر المرض، قال عليه الصلاة والسلام: «إن مرض المسلم يذهب الله به من خطاياه كما يذهب النار خبث الحديد»، فتجد أن الجزاء المعد في أمر المصائب إذا تنزلت عليك أن مهمتها في مهمة واحدة ألا وهي التكفير للذنوب والسيئات. وعلى هذا القول، فهل البلاء يكفر كل ما مضى من الذنوب؟ الجواب: لا، ليس على العموم على مذهب جمهور العلماء؛ فإن المصائب إنما تكفر الصغائر دون الكبائر؛ تكفر الصغائر دون الكبائر؛ لأن الكبائر تحتاج إلى شرط مهم ألا وهي التوبة والتوبة والاستحلال لا بد من ذلك. أما الصغائر فإن البلاء وما كان من الأمراض والأسقام والفقر والضيق والشدة والهموم والغموم فإنها تكفر جميع الذنوب ما عدا الكبائر. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم»، وهذا فيه رد إخواني في الله؛ لما ترسم في أذهان كثير من الناس إذا وجد أن الله ابتلاه ببلية من مرض أو من فقر أو من شدة، وأن الله ما جعله كباقي خلقه، يرى أن هذه إشارة إلى غضب الله عليه وأنه له الذل والهوان في الدنيا والآخرة، وأن الله ساخط، وأن الله غاضب عليه، وأن الله لا يحبه؛ بدليل: انظر لوضعي، انظر لحالتي فقر وشدة ومرض وابتلاءات في وفي أهلي، هذا إشارة، هذا إشارة إلى أن الله ما يحبني، لا، يعبد الله، ليس هذا بصحيح، بدليل هذا الحديث، بل العكس: «إن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم»، فالله يبتلي من يحب. ولهذا ثبت في البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبد خيرًا يصب منه»، يصب أن يبتليه، هذا متى؟ إذا أراد الله بك خيرًا، وفي حديث في أنس: «إذا الله أحبك»، إذا المحبة الله وخيرية الله لعبد من عباده متى تظهر؟ تظهر في الإصابة بالابتلاءات. فإذا وجدت أن الله يبتليك لا تجعلها إشارة إلى غضب الله، بالعكس، عاملها على أن الله أراد بك خيرًا، أراد بك محبة، أراد بك المنزلة، أراد بك الرفعة، فلو علم الناس بهذه الطريقة لكان تعاملنا مع الابتلاءات على خلاف ما نرى من أحوالنا؛ فإن كثيرًا من الناس من يسيء الظن بالله مباشرة، مباشرة يسيء الظن بالله إذا وجد أن الله سلب منه نعمة أو ابتلاه الله بنقمة، سرعان ما يرى أن الله قد غضب عليه. لا يا عبد الله، إذا أراد الله بعبد خيرًا يصب منه، ولك عبرة بالأنبياء، بالأولياء، بالأصفياء، بالأتقياء، كيف يعيشون بمرض وأسقام؟ لهذا قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل»، هؤلاء الصف، ومن خلق الله بماذا ميزهم الله؟ بالغناء بالمال بالثروة؟ لا، ميزهم الله بالبلية؛ «أشد الناس بلاء الأنبياء»، فالأمثل والأمثل. يبتلَى الرجل كما مضى معنا يبتلَى الرجل على قدر دينه، ولهذا إذا ابتليت يا عبد الله ببلية، من أعظم ما تسلى بها النفوس في مقام الإصابة بالابتلاءات أن تعلم أن الله أراد بك خيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». أشار نبينا عليه الصلاة والسلام إلى أحوال الناس إزاء ما يبتلون به من المصائب والنكبات، أن منهم الراضي على قضاء الله وقدر، ومنهم الساخط، وهنا تتجلى قاعدة عظيمة ألا وهي: الجزاء من جنس العمل، الله يعامل العباد على ما يكون من تعاملهم مع قضائه وقدره؛ انظر كيف أنت تتعامل مع قضاء الله وقدره، فالله سيتعامل معك بالمثل، وهذا هو العدل، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: الثواب والعقاب إنما يكونان من جنس العمل؛ فإن هذا من العدل. فالله جل وعلا إذا رأىك قد رضيت عن قضائه وقدر، فالله يرضى عنك، وإذا رأى الله منك التسخط ومنك التذمر، فالله جل وعلا يسخط عليك، هذا هو العدل؛ الجزاء من جنس العمل. وهنا إشارة أختم بها المقام، قال: ذكر العلماء إلى أن أحوال الناس مع الابتلاءات تصير الناس إلى أقسام ثلاثة: الساخط، والصابر، والراضي؛ الناس أمام ما يبتلون به من قضاء الله وقدره والمصائب النازل عليهم ينقسمون إلى ثلاثة أصناف: إما ساخط، وإما صابر، وإما راضي، وكل منزل لها حكم. المنزل الأولى: منزلة التسخط، وهذه منزلة محرمة؛ حرام على أن الإنسان يظل ساخطًا متذمرًا شاكيًا، ليس براضي، ليس بصابر على قضاء الله وقدره، هذه منزلة محرمة، يستحق صاحبها السخط والغضب والنار. وقد ذكر وقد جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الفساق هم أهل النار»، فقال رجل: يا رسول الله ومن الفساق؟ قال: «النساء»، فقال رجل متعجبًا: يا رسول الله أولسنا أمهاتنا وأزواجنا وأخواتنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: «بلى، بلى، ولكنهن إذا ابتلينا لم يصبرن، وإذا أعطينا لم يشكرن»، هذا هو مقام التسخط الذي يورد الناس، وخاص النساء وهكذا الرجال، هذه المعيار: إذا أعطي ما شكر، وإذا ابتلي ما صبر، هذا هو يكون في وصفه الفسق الذي هو من أهل النار، هذه المنزلة الأولى وهو التسخط، وهي حرام. المنزلة الثانية: الصبر، ومنزلة الصبر واجبة؛ يجب أن تصبر، ليس بأمر يرجع إلى هواك، إذا ابتلاك الله ببلية أصبر؛ الصبر قد مضى معنا في درس أمس وفي الدروس التي مضت خلت، وهو حبس اللسان عن الشكوى، وحبس النفس عن التسخط بالمخدور، وحبس الجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب، هذا الصبر واجب. عندما رأى تلكم المرأة تبكي على طفل مات لها، قال: «يا أمت الله، اتقِ الله واصبري»، صبر واجب؛ يجب أن تصبر، لا تظهر التسخط، إذا كان التسخط محرمًا فكتمان ما في النفس هذا صبر، وهو واجب؛ فلا تترك لنفسك العنان إلى أنك تتشكى أو أنك تضرب الخد أو تشق الجيب، هذا حرام. المرتبة الثانية: الصبر، المرتبة الثالثة: الرضا، قد يقول قائل: وما الرضا؟ الرضا يا عبد الله أن تلاقي المصيبة برحابة الصدر، وهذه منزلة علية، وهذه ما ساختلف فيها العلماء: هل هي واجبة أم مستحبة؟ الصحيح أنها مستحبة، ما يستطيع عليها الناس إلا الخلص من عباد الله؛ يبتليهم الله بالابتلاءات، ومع ذلك تجده راضيًا. الفرق بين الصابر والراضي: الصابر على البلية إذا شققت عن قلبه تجد جمرة من نار، جمرة في قلبه من عظيم المصيبة، لكنه حبسها؛ الصبر حبس حبسها، فما أظهر ذلك لأحد، بينه وبين ربه فقط، هذا الصابر، في قلبه جمرة من نار حبسها، فلعظيم حبسه أعطاه الله الأجر العظيم؛ فالصبر منزل عظيمة. لكن الراضي إذا شققت عن قلبه ما تجد نار، ما تجد جمرة، تجد الرضا؛ يخبر بمصيبة في ماله في نفسه في أهله في عياله، أول ما تأتي يقول: الحمد لله، بس، قال بس، رجل ما فالحمد لله، تشق عن قلبه ما تجد أن المصيبة وصلت إلى حتى إلى شيء من قلبه، تجد قلبه مطمئنًا، هذا هو الراضي، وهذه أعلا المنازل، وهذا الذي كان عليه نبينا عليه الصلاة والسلام؛ إذا رأى خيرًا حمد الله، وإذا رأى مكروهًا حمد الله، فهو يحمد الله على كل أحواله، هذه هي منزلة الرضا، وهي منزلة مستحبة. فأنت يا عبد الله إذا أم المصائب على ثلاثة مراحل: إما التسخط فهي حرام، وإما الصبر فهي واجبة، وإما الرضا فهي مستحبة، هذا الذي أذكره في هذا المقام، والذي أراد منه المؤلف رحمه الله تعالى من إيرادي حديث أنس في هذا الباب بيان على أن المسلم ينبغي أن يتصبر بل ويرضى بما يقدره الله عليه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.