الدرس في شرح كتاب التوحيد 218، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
استدل المؤلف بقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ على كفر من ينكر أسماء الله وصفاته. واستفاد العلماء من الآية أن من أنكر اسمًا أو صفة لله فقد كفر.
يناقش خطر التفكير في ذات الله وصفاته ويبين منهج أهل السنة في التعامل معها، حيث يحذر من إدخال العقل في فهم الأسماء والصفات. أهل السنة يتبعون نهجًا يقوم على الإيمان بأسماء الله وصفاته كما جاءت في الكتاب والسنة.
يشرح أن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين، حتى لو تشابهت الأسماء. يجب إثبات الصفات لله على الوجه اللائق بالله دون تشبيه أو تعطيل.
ينصح بعدم الجحود بأسماء الله وصفاته ويشير إلى أهمية الانتفاع بما يُقال من الأقوال والأفعال الحسنة. يُنهي بالدعاء للنفس والصلاة على النبي.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كريمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الباب، أخواني في الله، والذي مر معنا ما يتعلق بتبويب المؤلف، إياه، وهو في قوله رحمه الله تعالى: «باب ما جاء»، أو «باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات». وأشرنا إلى ما يتعلق بمسائل هذا التبويب. ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أول استدلالاته لهذا الباب، قال: «وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾». استدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية على هذا الباب في قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. وهم يكفرون بالرحمن هنا، الضمير يعود إلى حال المشركين، إلى حال الكفار، ما بهم هم كفر بالله جل وعلا، وكان من صور كفرهم بالله أن كفروا بالرحمن، أي باسم الرحمن جل في علا. ويدل على معنى هذه الآية ما رواه الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، من حديث المسور بن مخرمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال لعلي رضي الله تعالى عنه في صلح الحديبية، وهو الصلح الذي أبرم بين أهل الإسلام وبين أهل مكة، فكان في وثيقة الصلح أن أمر نبينا صلى الله عليه وسلم من كاتبه، وهو علي، أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم»، أن يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم». وفي ذلكم إشارة إلى استحباب ومشروعية افتتاح الكتب والرسائل بالبسملة. فلما سمع أهل مكة، ومن كان ينوب عن أهل قريش في بنود الصلح، لما سمعوا بذلك، قالوا: «لا نعرف الرحمن ولا الرحيم»، لا نعرف الرحمن ولا نعرف الرحيم. فأمر نبينا حينها أن يكتب بدلًا عن ذلك «باسمك اللهم»، باسمك اللهم. فكان نزول هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. وهنا وصف ربنا جل وعلا أن إنكار المشركين لاسم الرحمن سماهم ربنا جل وعلا كفرًا، وهم ينكرون اسم الرحمن، سماه ربنا: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. فاستدل العلماء هاهنا على أنه من أنكر اسمًا من أسماء الله فقد كفر، لهذه الآية، عندما قام الكفار بإنكار اسم الرحمن، ووصفهم ربنا بالكفر، دل على من أنكر اسمًا من أسماء الله، فحكمه من حكمهم. وهذا هو الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى عندما حذف المعمول في قوله: «باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات»، سكت التقدير: «فقد كفر»، كما أشرنا إلى ذلكم في الدرس السابق. لأن هذا مما علم عن الله جل وعلا بأسمائه وصفاته، وفي ذلكم إشارة أيضًا إلى بيان أن من سلك هذا المسلك من إنكار الأسماء والصفات وجحدها، أن سلفه في هذه سلفه في هذه المسألة هم المشركون، أن سلفه في هذه المسألة هم المشركون، فبئس السلف لبئس الخلف، فانتبه يا عبد الله أن تسلك هذا المسلك. واستفاد العلماء أيضًا، واستفاد العلماء أيضًا، على أنه من أنكر اسمًا من أسماء الله جل في علا، أنكر لفظه، فكذلك من أنكر معناه، من أنكر معناه. فإسم الرحمن عبارة عن اسم احتوى على صفة، فاسمه الرحمن، وصفته الرحمة، فهو سبحانه وتعالى الرحمن الذي يرحم جل في علا. ولهذا من أنكر الإسم أو أنكر الصفة، فحكمه من حكم هذه الآية، أنه يحكم عليه بالكفر، يحكم عليه بالكفر. ومنها هنا ذهب كثير من أهل العلم إلى تكفير الجهمية، أتبعوا جهم بن صفوان، هذه المدرسة الردية الدنية التي جاءت بالعقائد الفاسدة الكاسدة، عقائد شتى مارق عن الدين والملة. ومن أعظم ما جاءت به الجهمية ما كان من تعطيلها لأسماء الله وصفاته، ما كان من تعطيلها لأسماء الله وصفاته. فالله عز وجل له الأسماء الحسنى كما أخبر ذا ربنا عن نفسه، ومع ذلك يأتي الجهمية ويلغون أسماء الله، والله جل وعله الصفات الحسنى، ولله المثل الأعلى، أي الصفة العليا لله، ومع ذلك أنكروا الصفات، فما أبقوا إسمًا ولا صفة لله، إن لو أعدموها وألغوها عن الله. هنا كان من أقوال أهل السنة من العلماء المحققين والأئمة الربانيين على تكفير الجهمية، كما صرح بهذا الإمام البخاري، وعبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباد، وجماعات من أهل السنة على كفر هذه الفرقة الضالة، لأنهم تحكموا في أسماء الله وصفاته وعدموها. والذي أوصل الناس من أهل البدع والأهواء إلى هذا المسلك الردي من التحكم في أسماء الله وصفاته، أنهم أدخلوا عقولهم، أنهم أدخلوا عقولهم، والإنسان ينبغي أن يعرف مقدار نفسه، مقدار عقله، وأن عقله الذي أوجده الله جل وعلا إنما هو خلق من خلق الله، لهم مقام محدود لا يصل إلى حد الخالق. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء من حديث ابن عمر، قال صلوات ربي وسلام عليه: «تفكروا، لا تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله، تفكروا في آلاء الله»، إن كان من تفكر، إن كان من تأمل في شيء، فتفكر يا عبد الله في آلاء الله، أي في نعمه، في آياته، في مخلوقاته، هنا يكون محل التفكر والتدبر والتأمل، ويزداد العبد بذلك إيمانًا. «تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله»، في ذات الله، قف يا عبد الله، لا تتفكر في ذات الله، فيما هي الله، في أنك تصل إلى كنه أسمائه وصفاته بكيفيتها، فأنت لا تملك شيء من ذلك. ومن هنا كان خطأ هذه الفرق الضالة عندما ضلت عن سواء السبيل، وخاصة في باب الأسماء والصفات، أنها أدخلت عقولها، وكان من نتيجة ذلك أنها ما الذي فعلت؟ أول ما تسمع بآيات أو أحاديث فيها شيء من ذكر صفات الله جل وعلا، أول ما يقومون به التمثيل، هذا الذي يفعلونه، شاء أو أم أبوا يفعلون هذا، سرعان ما يشبهون الله بخلقه. متى ما سمعوا بأي صفة لله جل وعلا، ثم بعد ذلكم إذا هالهم، إذا هالتهم هذه الفكرة العظيمة، حين قالوا: «لا»، فماذا يفعل؟ التعطيل، يعطلونها، هذه المقدمات باطلة من أساسها، وهي أنهم عندما أقدموا، أول ما قدموا عليه، أنهم شبهوا صفات الله بصفات خلقه، من أين جاء هذا؟ مثاله عندما يسمع بعض المبتدعة أن من صفات الله جل وعلا أنه يغضب سبحانه، أنه يرضى سبحانه، أنه يرحم جل في علا، أنه ينزل، ينزل ربنا في السماء في السماء الدنيا في الثلث الأخير من الليل، أنه يجيء وذلك يوم القيامة، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ جل في علا، وأنه الرحمن على العرش استوى، في هذه الصفات عندما يسمعها بعض الناس، وخاصة المبتدعة، أول ما يتبادر إلى أذهانهم أنه يجعل الله كخلقه، يجعل الله كخلقه، أن هذه الصفة التي هي لله قالوا: «هي تكون كباقي خلقه»، وهذا محال، هكذا قالوا، هذا محال في حق ربنا. فماذا فعلوا؟ فكان من ثمرة هذه القاعدة الأولى الفاسدة أنهم بعد ذلك عطلوها، قالوا: «إذن ربنا لا يغضب، ربنا لا يرحم، ربنا لا يستوي، ربنا لا ينزل»، هنا الباطل، هذا هو الباطل بعينه. ومن هنا كان ينبغي أن نعلم جميعًا، إخواني في الله، أن الله عز وجل أدبنا عندما نتحدث عن أسمائه وصفاته، أدبنا بأدب عظيم له، ولأجله خضع أهل السنة، وهو قول جل فعلًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ليس كمثله شيء، هذه الآية لا يصعب فهمها إلا عند ذوي الأنفس الضيقة والعقول البليدة، هذا الذي لا يستطيع أن يفهم هذه الآية. لكن أهل السنة الصغار والكبار والذكور والإناث يحلمون المراد: «ليس كمثله شيء»، فربنا سبحانه وتعالى إن تسمى باسم أو اتصف بصفة، ليس من شرط التوافق في الأسماء أن يكون التوافق في الكيفية، هذا ليس شرط. تريدون مثال حي؟ مثال حي يا عبد الله، نسألكم جميعًا، ما تقولون في الجنة؟ الجنة جنة، ألم يخبر ربنا جل وعلا أن فيها؟ الجنة فيها الأشجار، فيها الأنهار، فيها البيوت، فيها القصور، فيها الدور، فيها الحور العين، أليس هذا فيها؟ الجواب: «بلى يوجد». لو قال قائل: «ما شاء الله شجرة مثل هذه الأشجار»، أو يقول أحد: «أنهار كأنهارنا ما شاء الله»، ماذا يقول القائل؟ يقول: «لا، لا، لا يا عبد الله انتبه، انتبه»، ليست أسماء ما في الجنة تكون كالتي عندنا في الدنيا. دليلك تقول: قال عليه الصلاة والسلام: «أعد الله لأهل الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، هذا الحديث كافي عندي وعندك أن نجعل فاصل بين الجنة وبين الدنيا، فما عندنا من الجنة إلا الأسماء. في الجنة أشجار، لكن هل أشجار الجنة كأشجار الدنيا؟ الجواب: «لا». في الجنة أنهار، هل أنهار الجنة كأنهار الدنيا؟ الجواب: «لا». الدور والنساء وما كان فيها من الأكواب والأرزاق والغذاء والطعام إلى آخر ذلكم، فأنت جعلت الفاصل ما هو الفاصل؟ «ولا خطر على قلب بشر». وهكذا ففعل يا عبد الله في أسماء الله وصفاته. فربنا سبحانه وتعالى ينزل، ويسمع، ويرحم، ويغضب، ويرضى، هل هذه صفة كصفات العبد عندما يغضب ويرضى وينزل ويجيء؟ اجعل فاصل، ما هو الفاصل؟ «ليس كمثله شيء». مثال آخر يا عبد الله حي حتى تنظر، ما بيننا نحن كالمخلوقات، ها نحن هذه العوالم السفلية الأرضية من مخلوقات بحرية، ومن مخلوقات جوية، الطائرة، نشترك في كثير من الأسماء، نحن والحيوانات والحشارات، ننظر ونسمع ويتحرك، السؤال: هل أنا بصري كبصر الطائر، كبصر الحيوانات المفترسة؟ هل مشيي عندما أمشي أمشي كحال الهوام والدواب والسباع والحشارات؟ هل يقول: «لا فرق بين عالم البشر عن عالم الحيوانات عن عالم الأشجار عن عالم الطيور عن عالم...»؟ تختلف هذه العوالم، قد نشترك في اسم، وهو السمع والبصر والمشي، لكن هذه له كيفية، وذاك له كيفية، وذاك له كيفية. إذا كنا نحن ونحن مخلوقات، بيننا مع فيما بيننا من التباين الشاسع والفرق الواضح في كيفية صفة عن صفة، فما ظنك يا عبد الله بالخالق سبحانه وتعالى؟ ولهذا كان من أبطل الباطل ما يقدم عليه المبتدع، أنهم يوهمون أنفسهم ويوهمون غيرهم أن إثبات الأسماء والصفات يقضي إلى التشبيه، لا يا عبد الله، فنحن عندما نثبت لله جل وعلا الإسم والصفة، وإنما نثبتها على الوجه اللائق بالله جل في علا، ليس كمثله شيء. فالله حي سبحانه، وحياة الله جل وعلا حياة سرمدية أبدية أزلية، ليس لها ابتداء، وليس لها انقضاء، علمه يختلف عن علم البشر، لا مقارنة، ربنا جل وعلا عليم يعلم، وعلمه سبحانه وتعالى علمه يليق بجلاله، لا يلحقه لم يبتدأ بجهل، ولا يلحق بإنسيان، في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى، فعلمه يليق بجلاله. وهكذا قس في رحمته، وغضبه، وانتقامه، ونزوله، ومجيئه، واستوائه، فهو استواء يليق بجلاله، ليس كمثله شيء. فلو أن الإنسان عمل فكره في هذه المسألة على هذا المنحى لخلصه ربنا جل وعلا من الإبداع والإحداث والتأويل والتعطيل والتكييف والتحريف. وهذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، أثبتوا لله ما أثبته لنفسه في كتابه، وما أثبته لنبيه لربه في سنته، من غير ما يكون من هذه المحاذير، وبهذا تكون السلامة، وإلا من زعم أن ذلكم يقضي إلى التشبيه، فإن سلفهم في ذلكم أهل الكفر، عندما أنكروا عن الله جل وعلا اسم الرحمن، فقال ربنا عنهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. فلا تكن يا عبد الله جاحدًا لشيء من أسمائه وصفاته، هذا يذكر في هذه الآية من مسائل وأحكام. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.