الدرس في قصة أيوب عليه السلام 2، فترة البلاء وأثره , الدعاء حين اشتد البلاء . ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن تفسير الآية التي تذكر أن أيوب عليه السلام قال إن الشيطان مسه بنصب وعذاب، ويعرض ثلاثة أقوال للمفسرين حول هذه الآية. الآراء تتراوح بين أن الشيطان سبب إعراض الناس أو أن أيوب أدب مع الله أو أن الشيطان سلط على أيوب بإذن الله.
تعرض أيوب عليه السلام لابتلاءات متعددة تشمل المرض الشديد وفقدان أمواله ورفض الناس له بينما بقيت زوجته بجانبه. طالت مدة ابتلائه، وتباينت آراء العلماء حول دور الشيطان في ذلك.
دعا أيوب ربه قائلا: «ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين»، بعد أن دافع عن نفسه أمام رجلين ظنا أنه أذنب ذنبا عظيما بسبب ابتلائه، فاستجاب الله له وكشف عنه الضر.
يتضمن المقطع دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا عن أيوب عليه السلام، وأشرنا إلى مقدمات سريعة عن ما يتعلق بأصله وسلالته، وما يتعلق بمنطقته التي عاش وأرسل إليها، فهو نبي من أنبياء الله الكرام. وكيف أن الله عز وجل جعل في حياته عظة وعبرة للأمم والأجيال، فهو إمام الصابرين عليه الصلاة والسلام. وأشرنا كيف كان في بداية أمره كان على خير حال من الأرزاق والخيرات والأنعام، ثم ابتلاه الله عز وجل بأنه أزال هذا كله عنه، بدءا بزوال ما تحت يده من الأموال والأراضي والثمار، وحتى الأولاد فنوا كما سيأتي معنا. ثم ثانيا، بما كان من تراكم الأمراض والضر عليه، ابتلاه الله عز وجل بالأمراض حتى كان طريح الفراش عليه الصلاة والسلام. وأشرنا إلى أقوال العلماء في مسألة الضر الذي مسه على أقوال عدة، وذكرنا أنه ينبغي للمسلم إزاء هذه الأخبار التي يتناقلها بعض الإخباريين والمؤرخين، وخاصة في قصة أيوب عليه السلام، أن يتوخى الحرص على مقام النبوة والرسالة، بأن يجنبهم ما لا يليق بهم من الصفات ومن الأعراض المنفرة. وهنا مسألة لا زلنا في هذا البلاء الثاني، وهو موضوع الأمراض والمرض الذي تصلط على أيوب عليه السلام. نعم، جاء في قوله تعالى ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُ﴾، لكن ما هو مصدر هذا الضر؟ ما هو مصدر هذا الضر؟ جاء في قول ربنا سبحانه وتعالى على لسان أيوب عليه السلام قال ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، مسني الشيطان هذه الآية من باب الفائدة تقرأ على عدة قراءات: أني وإني، أني مساني وإني مساني، الشيطان بنصب أو بنصب أو بنصب، ثلاث قراءات تقرأ بها هذه الكلمة القرآنية وكلها صحيحة، بمعنى التعب والمشقة والعنت. في قول أيوب عليه السلام، ما معنى هذه الآية؟ وما علاقة الضر الذي أصاب أيوب بالشيطان؟ للعلماء في ذلكم عدة أقوال. أريدها باختصار. من أهل العلم من دخل وحاول أن يؤول الآية تأويلا بعيدا، أراد أن الضر هاهنا أي ما كان من ابتعاد الناس عني وإعراض الناس عن الدعوة، إنما كان بسبب الشيطان، هذا الذي أدخل علي العنت والتعب، أي إعراض الناس عني وعن دعوتي، وكان هذا الإعراض بسبب الشيطان. قيل: هذا تأويل بعيد، تأباه ظاهر النصوص. التأويل الثاني أو التفسير الثاني لهذه الآية ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، قال العلماء: وهذا أكثر المفسرين جنحوا إلى هذا التأويل، إلى ما أن معنى أن هذا خرج من أيوب عليه السلام من باب التأدب مع الله، من باب التأدب مع الله. لم يرد أيوب عليه السلام أن ينسب هذا الضر الذي جاءه، ما أراد أن ينسبه إلى الله، مع أن الله عز وجل هو الذي يقدر كل شيء، كل شيء الخير والشر من الله، هو الذي يقدر بحكمة. لكن من باب الأدب، ما أراد أيوب أن ينسب هذا المرض لله، وكما في الحديث الذي كان يدعو به نبينا صلى الله عليه وسلم «والشر ليس إليك»، أي لا ينسب الشر إلى الله. ويوجد هذا له نظائر كثيرة، انظر مثلا في حق إبراهيم عليه السلام حين كان يدعو ربه ويلتجئ إليه قال ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، سياق الكلام ﴿وَإِذَا أَمْرَضَنِي﴾ سبحانه إذا أمرضني فهو يشفين، لكن تأدب مع الله ما أراد أن ينسب هذه المسألة إلى الله. قال ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، تأدب مع الله. كذلك في دعاء الجن «وأن لا ندري أشر أريد بمن في الأرض»، وإلى سياق الكلام «وأن لا ندري أشر أراد الله بمن في الأرض»، لكن ما أرادوا شر أراد الله فقالوا «أشر أريد بمن في الأرض». فآيات كثيرة في القرآن تدل على أن الأدب مع الله عز وجل أن في أوصاف الذي فيها التضمن للشر والمعاناة والضر والمؤساة ونحو ذلك من الأسى، أن الله ما يذكر فيها. قالوا: وهكذا في هذه الآية «أني مسني الضر» هي أصل الآية «أنك مسستني بضر»، مسستني بضر لو قال هكذا سياق الكلام، لكن أراد أن يبعد ربه من هذا الوصف فأضاف هذا الفعل للشيطان «مسني الشيطان بنصب وعذاب»، إذن هذا التفسير الثاني على أن إنما ذكر أيوب عليه السلام ذكر الشيطان من باب التأدب، حتى لا يصف ربه بما ينبغي أن يترفع عنه. أي أيوب في دعائه. القول الثالث هو من تمسك بظاهر الآية، وقال: لا، الله عز وجل هو المقدر لا شك في ذلك ولا ريب، لكن الذي وقع لأيوب أن الله صلت عليه الشيطان، والشيطان يصلطه الله عز وجل لمن شاء من عباده ابتلاء وحكمة، كما ذكر ربنا عز وجل في شأن السحر «وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله»، حكمة يأذن الله عز وجل بتصلت الشياطين على الإنسان لأشياء. وهنا كان من حكمة الله أن صلت الله الشيطان على أيوب، حكمة أرادها الله عز وجل. والذين قالوا بهذا القول: أن الشيطان تصلط على أيوب بالأذى، أي نوع من أنواع الأذى. تم الخلاف أيضا بينهم، من من قال: هو إيذاء نفسي، إيذاء نفسي بما يطرأ عليه من الظنون وهكذا التخمينات والهواجس والأفكار. قيل: هذا. ومنهم من قال: لا، بل كان إيذاء حسي، أن الله عز وجل صلت الشيطان على جسد أيوب عليه السلام. وهذا له نظائر كذلكم، فإن الشيطان قد يتصلت على الآدمي بالأوجاع والأمراض، كقضية المس والصرع، كقضية المستحاضة وغير ذلك، فإنما من فعل الشيطان. فالشاهد أن من أهل العلم من يرى أن الشيطان على ظاهر الآية صلت الله على أيوب عليه السلام. وممن ذهب إلى هذا الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره، حيث قال في هذه الآية قال: «وكان قد صلت، وكان الشيطان صلت على جسده فنفخ فيه حتى تقرح، ثم تقيح بعد ذلك». هذا تعبير الإمام السعدي في تفسيره عند هذه الآية، أن الله صلت الشيطان على أيوب فنفخ فيه، قال: فتقرح بعدما نفخ تقرح، وبعد أن تقرح تقيح، أي دماميل قد حصلت عليه. فشاهد هذه أقوال سريعة لأقوال العلماء في مصدر المرض الذي أصاب أيوب عليه السلام، هذا البلاء الثاني. البلاء الثالث الذي ابتلي به أيوب عليه السلام: المدة الزمنية، المدة الزمنية طالت على أيوب عليه السلام، هل هي عبارة عن أيام أو أسابيع أو أشهر؟ لا سنوات، سنوات عانى أيوب عليه السلام من هذه الأمراض الذي تراكمت وطلاطمت عليه عليه السلام. واختلف العلماء في هذه المدة، منهم من ذهب إلى أنها ثلاث سنوات، ومنهم من ذهب إلى أنها سبع سنوات مستمرات طوال، وهو ملازم للألم والوجع. ومنهم من جعلها ثلاثة عشر سنة، ومنهم من جعلها عشرات السنين. لكن من الروايات التي نتك عليها ما جاء في حديث أنس أنه مكث على ذلكم ثمانية عشرة سنة، ثمانية عشر سنة وهو يعاني من هذا الضر الذي مسه عليه السلام. وسيأتي معنا هذا الحديث، وهو حديث أنس. ثم يأتي بعد ذلك البلاء الرابع: أخذت أمواله، وكل من تحت يده أصيب بمرض ووجع وضر في بدنه، طال مكثه بهذه المعاناة. رابعا: أن الناس قد رفضوه، رفضوه أي لم يأت إليه أحد، تركه الناس لم يأت إليه أحد. وهذا أمر قد يكون بدهي نجده في حياتنا، إذا وجدت أن إنسانا مريضا وتداعى الناس بخبره، لربما تأتيه الأفواج في الأسبوع الأول، الأسبوع الثاني تقل، يقل الزوار، لربما ما يأتي الشهر إلا ويأتيه أحد الناس. ستة أشهر وهو في بيته ما يأتيه بين الفينة والأخرى إلا أخص الناس، فما ظنك بسنوات، سنوات وهو على هذا الحال؟ لربما أصبح عند الناس نسيا منسيا، أصبح الناس إن سألوا كيف فلان؟ يا والله محجوب في بيته، يسأل الله يشفيه، يتركه، يترك. من هذه الحيثية يكون نسيا منسيا. أما إذا جاء في أفكار بعض الناس إلى أن هذا المرض معدي وأنه يؤثر ويضر بمن حوله، لو ربما تركه. وهذا جاء نعم في حديث أنس الذي أشر إليه سلفا «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فرفضه القريب والبعيد»، فرفضه القريب والبعيد، كل الناس أصبحوا في معزل عنه. وهذا بلاء أن تعيش في وحشة، لا يأتيك أحد، لا صديق ولا قريب. فتركه الناس، ما بقي معه إلا زوجته، وكانت صابرة محتسبة، وكانت مخلصة وفية مع زوجها أيوب عليه السلام، عاشرته في كل أحواله في السراء وفي الضراء، لازمته صباحا مساء ما فارقته قط. لك بعض الزوجات لربما في ساعة اليسر والسراء نعم معه، وإذا بدأت الأمراض أو الهموم والغموم تنكب على زوجها، لربما تبدأ بالتململ والتشكي والتذمر، فتزيده إرهاصا فوق إرهاقه. لكنها حاشا، كانت وفية مع زوجها، حتى أن ابن كثير رحمه الله في بعض المواطن لما ذكرها قال: «رضي الله عنها» لعظيم مقامها. فهي الذي صمدت إلى آخر لحظة من حياته وهي معه. فهذا البلاء الذي وقع لأيوب عليه السلام بلاء تلو بلاء طيلة هذه السنوات. نأتي الآن إلى العافية، كيف جاءت العافية؟ جاءت من أيوب عليه السلام حين التجأ إلى ربه، حين سأل الله ودعى الله عز وجل. وهذا السؤال كانت له أسباب، والعلماء اختلفت أنظارهم أيضا ما الذي كان مصدر الدعاء من أيوب إلى الله عز وجل بعد طيلة هذه المدة من السنين؟ قيل: قول، وشير إليه إشارة أنه بعدما رأى من التعب الذي حل بزوجته، حتى أنها اضطرت إلى أن تبيع كل شيء، لأنها جلست طبعا لما جلس أيوب عليه السلام بمرضه لم يكن هناك إطعام أو أحد يطعمهم أو أحد. إلا الزوجة هي التي كانت تقوم بالمهنة وتشتغل عند الغير، تعمل وتعمل حتى تأتي بالمال الذي تأتي به الطعام لزوجها ولنفسها، يقتاتون عليه. حتى إذا قلت ذات يدها باعت كل شيء، فحينها لما وصل أيوب عليه السلام إلى هذا الحال تأثر جدا، وحينها سأل ربه «إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين». قيل: هذا. لكن هناك قول أصح، وهو جاء في حديث أنس، وجاء مرفوعا يحسنه جماعة من أهل العلم، فيه أن لأيوب عليه السلام رجلين وفيين كان من عامة الناس، لكنهم كانوا من الملازمين لأيوب، من عامة الناس كانوا يزورون، ما تركوا وهؤلاء هم النقبة، وهم خيرة الصحبة الذين يعاشرون أصحابهم في كل أحوال، وخاصة في أوقات الضيق والحرج. هؤلاء يا عبد الله إن ظفرت بهم فتمسك بهم، وما أكثر الأصحاب حين تعدهم، ولكنهم في النائبات قليل، قليل في النائبات كحال هؤلاء الرجال. رجلان هم من أصحاب أيوب عليه السلام، لازم يزوران، مع هذه السنوات كانوا يلازمون أيوب عليه السلام في حال مرضه. فالشاهد أن هذا الرجل أن هذين الرجلين تحاور فيما بينهما، تحاور فيما بينهما، فكان من كلامهما أن أحدهما قال لصاحبه: «أما ترى أن أيوب عليه السلام قد أذنب ذنبا عظيما؟» فقال صاحبه: «وكيف ذاك؟ كيف حكمت على أن أيوب وهو نبي من أنبياء الله أذنب ذنبا عظيما؟» قال: «أما ترى أن الله ابتلاه بهذا الضر طيلة السنوات، طيلة السنوات وما كشفه عنه؟ أليست هذه قرينة؟». كما قلنا هي قرينة، نعم، كثير من الناس يرون أن العقوبة ما تكون إلا على مخالفة، أو الابتلاء ما يكون لجل مخثير مخالفة وقعت. فهم ظنوا أحدهم ظن هذا الظن. الثاني سمع بهذا الأمر وجعلها في نفسه إلى أن دخل على أيوب زاره، فصارحه الحديث «يا أيوب، ليه كلام أحب أني وصارحك به، ما هو؟» قال: «هل أذنبت ذنبا؟» قال: «ليش تقول؟» قال: «ابتلاك الله سنوات سنوات طوال، يا لو كنت يعني على خيرة عبادي لما تركك الله على هذه الحالة استجاب الله لك». فحينها دافع أيوب عن نفسه قال: «والله لا أعلم شيئا مما تقول، أنا أنا أذنب ذنبا عظيما، أنا ما أعلم هذا عن نفسي». وفي ذلك بيان على أن الإنسان له أن يدافع عن نفسه متى ما تطاول الناس على دينه وعلى عرضه، وخاصة من أخص الناس إليك. دعك يعني بعض الناس يتكلمون عليهم. وهذا سنة الله في أهل الصلاة أن الناس ليرقبون فيهم إلا ولا ذمة، يأتيك من يأتيك الناس يتحدثون بأنكم الملتقى إلى الله، وعند الله تجتمع الخصوم، بيني وبينهم ربي. لكن عندما تأتيك الانتقاد من أخص الناس «يا فلان بلغني أنك كذا وكذا»، لا تتركم، اجلس، اسمع. الآن فهذا الذي صار من أيوب لما سمع هذه المقالة من هؤلاء الخواص دافع عن نفسه. قال: «إني لا أعلم شيئا مما تقول»، إلا تريدون شيئا عني؟ سأخبركم: «إني كنت إذا مررت برجلين يتخاصمان فيذكران الله»، أي حلف ويمين، قال: «أرجع إلى بيتي فماذا يفعل؟» قال: «فأكفر عنهما حتى لا يذكر الله إلا بحق»، يعني كان من تعظيمه لله يمر يمر على الأسواق يمر على الناس فيجد اثنين تخاصمان وعند الخوص ماذا يحلف؟ «والله أنك فعل»، «لا والله أنت فعل»، هذا يحلف وهذا يحلف. طبعا لن يكون كلاهما على صدق، واحد مخطئ ما نقول له كاذب، لكن مخطئ، مخطئ ما بيقع حلف على أمر معكوس، هذا يثبت وهذا ينفي، فيعلم أيوب عليه السلام أن هناك أن الله ذكر في موطن هنا خطأ، إن لم يقل عمدا كذب، أخطأ أحدهم فحلف بالله ظلما وخطأ، هذا شيء يبقى في ذهن أيوب عليه السلام ماذا يفعل؟ إذا رجع إلى بيت تصدق عن هذا وتصدق عن هذا، عسى وعلى أن الله يغفر لهذا ويغفر لذاك. قال: «هذا الذي أعرف عن نفسي». وهذا الأمر يعني إذا كان أيوب يفعل هذا الأمر مع الناس تعظيما لله، فكيف هو بنفسه مع ربه؟ أشد تعظيما، أشد تعظيما. فهنا دافع أيوب عن نفسه، فحين لما سمع هذا هنا دعا الله، إذا وصل الأمر بخاصة الناس أن يظن بهذا الضل. قال: «ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين»، حينها دعا الله عز وجل. هذه الرواية ربما أصح الروايات التي تعتمد عليها في دعاء أيوب عليه السلام، فدعا ربه هنا «مسني الضر» لم يشتكي، انتبه حتى لا يقول قائل أخيرا اشتكى أيوب، لا، أيوب ما اشتكى هنا دعا، بدليل أن الله قال: «فاستجبنا له»، والدعاء يقابله الاستجابة. فاستجبنا له، فدعا أيوب عليه السلام ربه بأن الله يدفع. وتأمل في دعاء أيوب عليه السلام أنه دعا الله بأن توسل إلى الله بفاقته وبعزه وحاجته، وهذا من أفضل أنواع الدعاء. لم يقل أيوب عليه السلام: «ربك شف عني»، «رب شفني»، «ربي ربي»، وإنما شكاء ذكر لله عز وجل كيف هو حالته «مسني الضر»، وبهذا من أفضل الدعاء أنك تظهر ضعفك، تظهر عزك، تظهر مدى حاجتك لربك عز وجل. وهذا من التوسل إلى الله جل وعلا بالحال الذي أنت فيها. فلما دعا الله عز وجل «فاستجبنا له»، فاستجاب الله فكشف عن أيوب الضر. وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد كيف كانت الاستجابة، وكيف دفع الله عز وجل عن أيوب هذه المدلهمات وهذه الابتلاءات التي ابتلاه الله بها. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.