الدرس في قصة داود وسليمان في القران 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن هبة سليمان عليه السلام في فهم منطق الطيور والحيوانات، مستدلاً بقصة النملة التي ذكرها القرآن الكريم. كانت هذه الهبة شاملة لفهم خطاب جميع الحيوانات وليس الطيور فقط.
يروي قصة سليمان عليه السلام مع وادي النمل، حيث تنبهت نملة لتحذر قومها من جيش سليمان، فتبسم سليمان من قولها. يبين المقطع قدرة سليمان على فهم لغة الحيوانات والحشرات وحكمته.
تناول قصة تنازع امرأتين على ولد، وكيف حكم سليمان عليه السلام بقطع الولد نصفين لتعرف الأم الحقيقية، فتنازلت المرأة التي ليست الأم الحقيقية حفاظاً على حياة الولد.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا المقام، إخواني في الله، وفي هذه السلسلة التي شرعنا فيها في ذكر أهم أحداث داود وسليمان عليهم السلام من أدلة السنة والقرآن. وها نحن في الحديث عن سليمان عليه السلام، ولازلنا في المبحث الأخير الذي لازلنا فيه حول ما أعطاه الله عز وجل لسليمان من الفضائل ومن القدرات. كيف لا، فهو الداعي «ربي هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، فأعطاه الله عز وجل الريح، وعطاه الله عز وجل الشياطين والجان تخدمه، منها البناء ومنها الغواص، يبنون ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب، وقدور راسيات. وذكرنا وتوسعنا في مثل هذه المسائل أيضًا مما يذكر مما أعطاه الله عز وجل، ما ذكره ربنا بقوله ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾، أي هذا لسليمان، وعين القطر على قول كثير من المفسرين هو النحاس. النحاس أعطى الله عز وجل لسليمان عين المتوقع من العيون أنها تنضح بالماء، لكن هذه العين تنضح بالنحاس، أصبحت سائلة تجري كما أعطى الله عز وجل لأبيه داوود عليه السلام أن ألان له الحديد، فكان الحديد في يد داوود كالعجين. أعطى الله عز وجل لسليمان النحاس فكانت سائلة عين تنضح، وكان سليمان عليه السلام يستفيد من هذه المادة بصناعة الأبنية والتماثيل والأواني. وقد ذكرنا ما يتعلق بأنه يمتلك جيشًا عرمرمًا، فكان يحتاج إلى صنع الأواني والأدوات التي تكفي لهذا الجيش الذي ليس له نظير. طبعًا المفسرون يشيرون إلى أن هذه العين هي في اليمن، الله أعلم. أن هذا النحاس الذي خرج لسليمان هو هو الباقي الآن، والناس ماذا يعملون ويستخدمونه، فالله أعلم. لكن هذه من قبال سليمان أيضًا مما أعطى الله عز وجل لسليمان من المناقب والفضائل أنه كما أخبر ربنا عز وجل ﴿وَمِنَ الدَّوَابِّ وَالطَّيْرِ﴾، أعطاه الله عز وجل هذه الآية في أنه يتخاطب مع هذا العالم الكبير وهو عالم الطيور بما فيه من الكواسر والطيور والعصافير والغربان والبط والوز والحمام إلى ما لا نهاية لعالم الطيور. هؤلاء إذا دخل بينهم سليمان عليه السلام كان يخاطبهم ويخاطبونه، علمنا منطق الطير، وهذا ليس لأحد وإنما موهبة وهبة من الله عز وجل لعبده سليمان ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده. وكان يتخاطب معهم، وسيأتي معنا ما سيكون من قصته مع ملكة سبأ في خطابه مع الهدهد عليه السلام. فالشاهد أن سليمان كان مع الحيوانات مسخرة هي مسخرة لأمره، لكن كذلك هو يفهمها وهي تفهمه إذا تكلم معها. بقي مسألة هل هذا خاص بالطير أم يعم؟ نعم، بعض الناس يشير إلى أن هذا خاص بعالم الطيور وكل من كان من جنسه وسار في فلكه، ولا يقاس عليه غيره هكذا ذكر. لكن الذي عليه العلماء أن هذا الحكم عام، وإنما ذكر الطيور كأنموذج لهذه العوالم. ولهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: «أي علم منطق الطير والحيوانات أيضًا». ومما يستدل به على هذا الذي ينبغي أن نعلم أن سليمان عليه السلام أعطاه الله عز وجل فهم خطاب الحيوانات جميعًا، قصة النملة قصة النملة، فالنملة ليست من الطيور هي من الحشرات، فيدخل في عالم الحيوانات. ومع ذلك كان سليمان قد علم بخطابها. هنا يجرنا الحديث إلى أن ننظر إلى هذه القصة التي ساقها القرآن حين ذكر ربنا عز وجل عن سليمان: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، فتبسم ضاحكًا من قولها، وقال: «ربي أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحًا». هذه القصة فيها أولًا تأكيد وتأييد لما أعطى الله عز وجل لسليمان من هبة معرفة منطق الطيور والحشرات والحيوانات على حد سواء. في هذه القصة حين ذكر ربنا عز وجل ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، حتى إذا أتوا على وادي النمل، كان سليمان عليه السلام يسير بهذا الموكب العظيم. قد يصعب التعبير، بل قد يصعب التخيل، تتخيل هذا الجيش، جيش ما يمكن أنك تشاهده في الدنيا أبدًا إلا من عاصر وعاش مع سليمان، جند عبارة عن ثلاثة أصناف: جن وإنس وطيور، هؤلاء عسكر جند. فكان سليمان في المقدمة، ثم من بعده الإنس، ومن بعد الإنس الجن، وفوقهم الطيور، وفوقهم الطيور الكواسر والجوارح وما تتخيل من الطيور. هؤلاء فوق رؤوسهم يسيرون يوزعون بانتظام، لا أحد يتقدم على الآخر. سليمان عليه السلام من يزغ عن أمره من يخالف يذقه من عذاب الأليم، يعاقب سليمان. فكانوا يمشون على وتيرة واحدة، حينها مروا على وادي النمل. وأين هذا الوادي؟ الله أعلم، قد يكون في أفريقيا، قد يكون في شرق آسيا، قد يكون هنا أو هنا، يمكن هو وادي، لكن وادي نمل نتكلم على بقعة، وادي تعرف الوديان، وديان، وادي مليء بالنمل، واديهم عاشوا ترعرعوا، جماعات، أمم من النمل. أشار بعض المفسرين على أن هناك واديًا في بلاد الشام اسمه وادي النمل، يمكن هذا، الله أعلم. لما أراد أن يجتاز سليمان عليه السلام إلى هذا الوادي، هنا تنبهت نملة وهي القائدة وهي الملكة وهي المسؤولة على الرعية، قالت: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم»، هنا ذكر العلماء آية أخرى، هذه آية ما هي؟ كيف لهذه النملة أنها تسمع هذا الوادي؟ يعني قد يكون الوادي هنا طرفه، الله أعلم بمنتهى الوادي، الله أعلم بمنتهى. فإذا تحيلت هذا التحيل الآن إلى هذه النملة وهي تتكلم: «يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم»، المفسرون عند هذه الآية عند هذه الكلمة يقولون: هذه آية من آيات الله، فإما أن الله عز وجل أعطى للنملة خارقًا للعادة بأن أوصل صوتها إلى كل من كان من بني جنسها، أو احتمال آخر أنها بلغت التي عندها، والذين عندها بلغوا الذي بعدهم، وهكذا تواصلت الوصية للكل حتى استطاع الجميع أن يفر من هذا المقام. فقال: «لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون»، فحينها فتبسم ضاحكًا من قولها. لماذا تبسم؟ ما تبسم إلا بعد أن سمع خطاب النملة وفهم الحوار الذي جرى بين النملة ومع صحباتها. فتبسم من هذا، وهذا في أدب الأنبياء أن ضحكهم لا يزيد عن التبسم، ما عندهم قهقهة أو الترامي على الأرض أو مسك البطون، حاشاهم. كما كان حال نبينا إذا ضحك بدت نواجذه، صلواته ربي وسلامه عليه. فالشاهد أن هذه القصة وهي من قصص القرآن فيها بيان لما أشرنا من أن سليمان عليه السلام آتاه الله عز وجل مقدرة على فهم لغة الطيور والحيوانات، وهكذا الحشرات كذلك. مما أذكره وأختم به هذا المجلس ولزمنا في هذا المبحث في بيان ما أعطاه الله عز وجل لسليمان: أن الله سبحانه وتعالى أعطى لسليمان فهمًا دقيقًا للمسائل والأحكام، والذي بهذا الفهم استطاع عليه السلام أن يصل إلى الصواب في إصدار الأحكام. وقد أشار ربنا عز وجل إلى هذه المسألة كما في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾، عنده علم وعنده حكم، لكن سليمان عليه السلام عنده فهم هذا من الله عز وجل. وقد مضى معنا لو تذكرون فيما ذكرنا من حوادث سليمان عليه السلام أنه حين فرغ من بناء بيت المقدس أنه سأل ربه ثلاثًا، وكان من سؤاله عليه السلام سأل الله حكمًا يوافق حكمًا، فعلق نبينا عليه الصلاة والسلام أن الله أعطاه ذلك. هذا من كرامات سليمان أن حكمه يوافق حكم الله عز وجل. والأحداث التي تذكرها العلماء كثيرة في بيان موافقة سليمان لحكم الله عز وجل. وهنا في هذا المقام أذكر قصة، وهذه القصة من قصص صحيح السنة، وهو جاء في البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت إحداهما لصاحبتها: إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابني». مشكلة، يعني هاتان المرأتان كل منهما معها طفل، وكان الطفل في السن سواء، يعني في السن واحد. وهذه القصة موجودة في التوراة، نعم فيها التصعيف وتحريف، لكن مفاد هذه القصة موجود. على أن امرأة عندها طفل، وتلك الأخرى أنجبت قبلها بيوم أو بعدها بيوم، أي عندهم طفلان في نفس العمر. فتخيل أن هؤلاء أن هاتين المرأتين أخذتا الطفلين وخرجتا بهما في مرعى أو في مكان، ثم ذهبتا للعمل. فحينها جاء ذئب من بعيد وخطف وفر بأحد الطفلين، ما بقي إلا واحد. فأصبحتا تنازعان، الكل يدلي بحجته على الآخر، منهم صادق ومنهم كاذب، لكن المشاحة وهذا طبيعة الآدمي المشاحة في الحقوق. فأصبحتا الكل تدعي هذا: «ابني»، أو «لا، هذا ابني». طبعًا أحد النساء كانت كبرى والأخرى كانت صغرى، فأصبحوا يتنازعان، فرفع الأمر إلى داود عليه السلام. داود كما جاء في الصحيحين قضى للكبرى، هو لكي طبعًا هذا كما قال الشراح إنما بعد قرائن وشواهد ومحاصصة توصل داود عليه السلام إلى هذا الحكم. لكن ما عندنا التفاصيل من أين استلهم داود الحكم للكبرى؟ الله أعلم. لكن نعرف أن داود لن يجير على أحد حاشا، وإنما عنده قرائن دلت على ذلك، ربما المرأة الكبيرة حلفت وأقسمت وأغلظت الأيمان فحكم لها. قال عليه الصلاة والسلام: «فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى». فخرجتا على سليمان، هنا الشاهد على سليمان، مع الخروج مروا على سليمان عليه السلام، فسألهم: «ما حكم داود فيكم؟» بعدما علم بالقصة فأخبره. قال: «لا، ليس هذا الحكم»، ما هو حكم سليمان عليه السلام؟ قال: «ائتوني بسكين، أشقه بينكما»، هذا الحل. لماذا؟ أنت يا كبيرة تأخذين دون الصغيرة ما يصح، وأنت يا صغيرة لماذا تتركين الكبيرة؟ ما يصح، وإنما هذا الصبي حتى لا أحد يصاب بعنت يقسم، نشقه قسمين طولًا أو عرضًا يقسم. وهذا يأخذ الجزء السفلي، وذلك يأخذ الجزء العلوي، الكل يتسلى بهذه الجثة. قال: «ائتوني بسكين»، قال: «اشقه بينكما». وكان جادًا، لكن لحكمة ولفراسة ولأمر كان في نفسه حتى يصل إلى الحقيقة. قال عليه الصلاة والسلام: «فقالت الصغرى: لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها». الصغيرة قفزت لما رأت أن سليمان جاء له بالسكين وسيشق هذا الصغير، أوقفت الحكم واعترفت: «لا تفعل، يرحمك الله، هو ابنها». والكبيرة سكتت، وانتهينا، انتهت القصة. قد يقول قائل: الاعتراف هو سيد الحقيقة، لكن ما الذي فعل سليمان؟ قضى بالطفل للصغيرة. قال: «بل هو ابنها، خذيه». وكان هذا هو الصواب، كان هذا هو الصواب. لماذا؟ علق العلماء كالإمام النووي رحمه الله تعالى، وجماعات من العلماء على أن الذي اتخذه سليمان عليه السلام في رأسه، وكما قلنا فهم عظيم. وهو أن سليمان أراد أن يختبر ويتعرف على الأم الحقيقية، ليس فقط عن طريق الدعاوى، الدعاوى أمرها سهل، الكل يدعي بالحق: «أنا صاحب الحق». فما نسمع في الشكاوى في المحاكم تجد أرضية الكل يقسم عليها، مع أن أحدهم كاذب يعلمون أنه أحدهم كاذب، لكن اللهم استعان بالكذب فشل. فالدعاوى الكل يدعيها، فما اكتفى سليمان عليه السلام بالدعاوى، أراد ما هو أعمق، سأبحث عن أعمق باب، فأتى بسكين. فلما كانت الكبيرة، وانتبه الآن الكبيرة هي التي في الحقيقة ذهب ابنها مع الذئب. فلما قيل أن سأقطع الطفل ماذا؟ ما عندها أي مشاعر لأنه ليست أمه، فقال: «سهل، موافق يقطع»، حتى ماذا؟ كما أني قد يعني هضمت بابني، هي كذلك تضيع بابنها، لا لي ولا لها. فكان ذلك من طبيعتها الحسدية أنها وافقت على ذبح الابن، ما عندها أي إشكالية. الصغرى وهي الأم الحقيقية التي عندها من الحب والحنان والمشاعر والعاطفة ما ليس عند المدعية. لما رأت أن ابنها سيذبح هي بين أمرين: إما أنه يذبح وينتهي أمره، أو أنه يبقى يعيش ولو لم يكن في رعايتها، ولو لم يكن. لكن ابنها مهما كان، وتعرفون حنان الأم على الابن، حنان الابن على الأم. فقالت: «لا، يرحمك الله، لا تفعل، تقتلوا». لا، وينتعرف وينتعرف أنها ابنه، فقط يعيش ولو كان ابني، لكن يعيش. هي يعني يكفيني أني أراه وأنه يترعرع ولو لم يكن في كنفي. فبهذه القرينة العظيمة استطاع سليمان عليه السلام أن يصل إلى الصواب كما قال ربنا: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾. فالشاهد إخواني في الله أن هذه كذلك من المناقب العظيمة التي أعطيها سليمان عليه السلام. أمدى بالفائدة، يذكر عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أنه كان كثيرًا ما يدعو إذا أشكل عليه أمر من الأمور كان يقول: «يا معلم إبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني». ذكر هذا عن شيخ الإسلام، وكان يكثر. وسئل المشايخ حول هذا الدعاء، قال: «ما في شيء أنك تأتي به إذا أشكل عليك أمر بأن الله يفتح عليك بالمعارف ويفتح عليك بالفهم، ولا شيء في ذلك». أشياء إخواني في الله في هذا المقام كنا مع ثلاثة مناقب إضافة إلى ما قد تم ذكره لسليمان عليه السلام: كيف أن الله أسال له عين القطر النحاس، وكيف أن الله علمه منطق الطيور، وعلمنا كذلك قصته مع وادي النمل، وأخيرًا ما كان من الفهم العظيم الذي أوتيه سليمان. وكلا آتينا حكمًا وعلما، إلى هنا والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.