الخطبة بعنوان تربية رمضان لأهل الإسلام، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 رمضان 1446هـ الموافق 28 مارس 2025م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُعد رمضان فرصة لزيادة الإيمان ورفع الدرجات ومحو السيئات، حيث يرتقي المسلم في إيمانه بالغيب وفي مقام العبودية لله. يعتبر تغير الأحوال إلى أحسن حال من أعظم ما يعتبره أهل الإسلام من مرور شهر رمضان.
في رمضان، يرتقي المسلم في درجات الإخلاص ومراقبة الله، ويتعلق بربه بالتضرع والدعاء، ويتحلى بمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب. كما يسارع إلى الجود والعطاء وإطعام الطعام، ويتعلم سلامة الصدور وصفاء القلوب.
يُشدد على أهمية التربية الرمضانية واستمرار العمل بها بعد انتهاء شهر رمضان، ويُبين أن رمضان ليس فقط لحظ الآخرة بل أيضًا لتهذيب النفس وتزكية القلوب. يُذكر أيضًا أهمية زكاة الفطر ومزاياها في تطهير الصائم وزيادة الأجر.
دعاء يطلب المغفرة للمسلمين ويتقبل الأعمال الصالحة في رمضان، ويطلب العون على ذكر الله وحسن العبادة، ويطلب عودة رمضان مرات عديدة.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، ها هو رمضان شهر قد آذن بالرحيل والانصرام، ولم يتبق منه سوى ليال وأيام، نسأل الله لنا ولكم حسن الختام. عباد الله، إن من أعظم ما يعتبره أهل الإسلام من مرور شهر رمضان، زيادة على ما كان من كسب الحسنات ورفع الدرجات ومحو للخطيئات والسيئات، ما يعتبرون به من تغير الأحوال إلى أحسن حال. جاء رمضان وما ترك علينا من دسيسة أو خبيئة إلا وأزالها ونقانا منها، يأتي رمضان وهو يصعد بنا إلى درجات الكمال إلى خيرة الأقوال والأعمال والأحوال. ففي رمضان ارتقى المسلم في إيمانه بالغيب، فهو يؤمن في رمضان بأن الجنة قد فتحت أبوابها وهو لم يرها، وأن النار قد أغلقت أبوابها وهو ما شاهدها، وأن الشياطين قد شد عليها بسلاسلها وأغلالها وهو لم يحضرها، إلا أن ذلك كله عنده من المسلمات ومن الحقائق لعظيم ثقته واستيقانه بخبر الله ورسوله. وهذا هو الإيمان بالغيب، والذي هو من أعظم صفات المؤمنين ﴿ألف لا ميم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾. في رمضان ارتقى المسلم في مقام العبودية لله جل في علاه، وذلك ما من أحد إلا وقد جد واجتهد في طاعة ربه بكل ما أوتي من قوة وبما أعطي من قدرة، ذاك بصلاته وصيامه، وآخر بتهجده وقيامه، وذاك بذكره لله وقراءته، وهذا بصلته لأرحامه، وهذا بنفقته وإحسانه، وذاك بتنفله واعتكافه. سارع أهل الإسلام في هذا المضمار إلى عبودية الرحمن، فكانوا في هذا الشهر المفضل من خيرة عباد الله الصالحين. في رمضان ارتقى المسلم في درجات الإخلاص، فهو يؤدي هذه العبادات ويريد فقط أن ينال رضا رب العرض والسماوات، وهو يسمع بتلكم الأحاديث «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، ولقوله عليه الصلاة والسلام «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا»، فهو لا يزال يحتسب الأجر عند ربه، لا يطلبه من أحد من خلقه، لا يريد بعباداته رياء ولا سمعة ولا ثناء ولا شهرة، ولهذا ضعف له في الأجر. قال الله كما في الحديث القدسي «الصوم لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». في رمضان استشعر المسلم بمراقبة الله جل وعلا، كم لاحت له فرص في أن يتناول شيئًا من المفطرات بين الفينة والأخرى في وقت لا يراه فيه أحد، لكنه ما صنع ولا فعل، ما صده ولا رده عن ذلك إلا ما كان من خوفه ومراقبته لربه، فليزال هذا حاله وهذا منواله في شهر صومه حتى يجزيه ربنا جل وعلا الجزاء الأوفى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى. في رمضان تعلق المسلم بربه حين أظهر عجزه وفقره وذله وحاجته وافتقاره وانكساره بين يدي ربه، فألح على الله بالتضرع والدعاء وبكثرة الطلب والسؤال في سجوده، وفي صلواته وخلواته، في ليله ونهاره، وفي صبحه ومساءه، لا زال يلح على الله بالدعاء وكله طمع ورجاء في أن الله عز وجل يجيب من تقرب إليه ودعاه «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان». في رمضان التفت أهل الإسلام إلى إخوانهم ممن ابتلوا بالضعف والإقلال، مؤتسين بذلك برسول الأنام عليه الصلاة والسلام، والذي كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان، فسارع أهل الإحسان إلى الجود والعطاء وإلى البذل والكرم والسخاء، فأنفقوا الأموال وأطعموا الطعام، وبالمقابل فإنف رمضان فتح لهم أبواب الجزاء، قال عليه الصلاة والسلام «من فطر صائمًا كان له كأجر صومه»، فضل عظيم من رب العالمين لعباده المحسنين، ناهيك عن مضاعفة الأجور لمن أنفق شيئًا لوجه الله في رمضان. تعلم المسلم وتعلق في أن يربي نفسه على سلامة الصدور وعلى صفاء القلوب من الضغينة والبغضاء ومن العداوة والشحناء، لأنها من أعظم الأسباب التي ترد بها الأعمال، فإن أعمال أهل الشحناء تبقى معلقة بين الأرض والسماء حتى يصطلح الأخلاء. وفي رمضان ارتقى المسلم في تعامله مع غيره، وهر ذلك في آدابه وأخلاقه، وفي سلوكياته وتصرفاته، فلا سب ولا غيبة ولا كذب ولا نميمة، وإنما مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب هي السمة البارزة لأهل الإسلام من أهل الصيام «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم». فأصبح المسلم في رمضان مثلًا في الأخلاق العظيمة وفي الآداب السديدة، وهكذا أصبحت مجتمعاتنا في أيام شهر صومنا من خيرة المجتمعات، ولله الحمد والمنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. أما بعد، فمما مضى عباد الله علمنا شيئًا من التربية الرمضانية التي أرادها الشرع منا في أن نتربى عليها من خلال شهر صومنا، شعرنا بهذا أو لم نشعر، وحينها علينا أن نعلم أن رمضان لم يأتِ فقط لحظ الآخرة من تكفير السيئات وتحصيل الحسنات ورفعة الدرجات، بل إنما رمضان جاء أيضًا بحظ الدنيا بتهذيب أنفسنا وتزكية قلوبنا وصقل شخصياتنا بأن نكون على حالة تليق بشهر صومنا. فكان أحدنا في شهر صومه صائمًا قائمًا عابدًا متعبدًا تاليًا ذاكرًا داعيًا جوادًا محسنا، فلله الحكمة البالغة فيما شرع لنا من طاعات ومن مواسم الخيرات، فلله الحمد حمدًا من بعد حمد. وعلينا أن نعلم أيضًا أن ما تم اكتسابه في شهر رمضان من هذه الأهداف التربوية ليس القصد منها أن تكون محصورة في شهر صومنا، بل إن رمضان هو في الحقيقة ما هو إلا محطة يتزود منها الأنام بخيرة الأقوال والأعمال والآداب، ثم بعد ذلك ينطلقون بما اكتسبوه من هذه الأهداف التربوية الإيمانية ينطلقون بها مدى العام. ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾، والتقوى تكون معنا على الدوام، فهذا هو المراد يا عبد الله، فعليك أن تكون في خارج رمضان كما تكون في رمضان، ولا شك ولا ريب أن المسلم يجد في رمضان من الإعانات الربانية ما لا يجده في غيره من الفترات الزمنية، ولكن استعن بالله، استعن بالله يا عبد الله في أن الله يصلح حالك، واجتهد وشمر وثابر في أن تغير من أقوالك وأفعالك «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا». عباد الله، وفي هذا المقام أحب أن أذكر نفسي وإياكم رعاكم الله بعبادة عظيمة وشعيرة جليلة أمر بها ربنا جل وعلا على لسان نبينا عليه الصلاة والسلام، ألا وهي زكاة الفطر، زكاة الفطر والتي هي واجبة على الصغير والكبير، وعلى الذكر والأنثى من المسلمين، تخرج قبل الخروج إلى مصلى العيد أو قبل ذلك بيوم أو يومين، وهي صاع من بر أو صاع من شعير أو صاع من تمر أو مما يكون من غالب قوت البلد. وعليك أن تعلم يا عبد الله حين أن تخرج هذه الزكاة أن من فضائلها ومن ثمارها أنها طهرة للصائم، كفارة لما عسى أن يكون انخدش في شهر صومنا من اللغو والغلط، ومن الفحش والتفحش، فطيبوا بها نفوسكم، هي تعود إليكم وإلى صيامكم بالتزكية والتطهير، وإلى وفور الأجر ورفعة الدرجات. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات، اللهم تقبل منا الصيام والقيام، وما كان من قراءة للقرآن، وما كان من صالح الأعمال، اللهم اجعلنا من عبادك المقبولين في هذا الشهر الفضيل. اللهم أعن على ذكرك وشكرك وعلى حسن عبادتك، اللهم أعد علينا رمضان فترات مديدة وسنوات عديدة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.