الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك ١٤٣٤هـ، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب على أهمية الخوف من عدم قبول الأعمال بعد رمضان، ويشير إلى ضرورة أن يكون هم المؤمن بقبول عمله أشد من عمله نفسه. سلفنا الصالح كانوا يخافون من رد أعمالهم الصالحة.
يجب على المسلم أن يستمر في العبادة بعد رمضان ويحذر من محبطات الأعمال مثل التعدي على حقوق المسلمين والشحناء والبغضاء. كما يجب أن يستشعر الثمرات التي حصل عليها في رمضان.
المقطع يلقي الضوء على الدروس المستفادة من شهر رمضان مثل مراقبة الله والدعاء. كما يشدد على أهمية تطبيق هذه الدروس في الحياة اليومية خارج رمضان.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى المستمعين ويتقبل منهم الأعمال الصالحة. كما يتضمن طلبًا للعون على ذكر الله وشكره ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
نستعين ونستغفر ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا يجد له وليًا مرشدًا، ندرأ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونقر بأن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا، يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا -رعاكم الله- أن من عظيم إنعام الله على العبد أن يطيل في عمره، وأن يجعل له فسحة من دهره؛ لكي يحضر مواسم الخيرات والبركات. قال صلوات ربي وسلامه عليه: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله». وإنه من عظيم نعم الله جل وعلا علينا أن مد في أعمارنا؛ لكي نحضر هذا الشهر الكريم، وهذا الزمن الفاضل العظيم، نتقلب بين فضائله، ونلتمس بركاته. عباد الله، كم من أناس كانوا أشد منا حرصًا، وأكثر منا حبًا لحضور هذا الشهر، لكن وافتهم المنية، وباغتهم الأجل، وسابقهم الموت، وحيل بينهم وبين حضور هذا الشهر، بينما نحن خصنا الله جل في علاه بأن مد في أعمارنا؛ لكي نحضر هذا الشهر، فلله الحمد من قبل ومن بعد. عباد الله، أقبل علينا رمضان، والكثير منا كان على تخوف من طول نهاره، ومن شدة حرارته، إلا أن الله جل وعلا أنزل معونته على هذا الشهر، وأنزل معونة على عباده، فمر علينا هذا الشهر بردًا وسلامًا، فلله الحمد حمدًا كثيرًا. عباد الله، لا يعني انقضاء رمضان أن العلاقة التي بيننا وبينه قد انقضت، لا يا عبد الله، بل إن لرمضان تبعات على أهله، تبعات على أصحابه، تلحقه إلى أمد بعيد من الدهر، بل ربما تبعات رمضان تلحق بك إلى موتك وإلى قبرك. فهنا عباد الله، ناسب أن أنوه وأن أنبه على أمرين عظيمين، لهما تعلق عظيم بشهر رمضان، الكثير من الناس من يغفل عنها. الأمر الأول: اعلم يا عبد الله، يا من وفقك الله لحضور هذا الشهر، فكان منك الصيام، وكان منك القيام، وكان منك المسابقة والمسارعة إلى الطاعات والأعمال والقربات، لا تظن يا عبد الله ولا تعتقد أنك من الفائزين، أو أنك أصبحت من الناجحين والمقبولين عند الله جل وعلا. عباد الله -رعاكم الله- لقد كان سلفنا الصالح مع اجتهادهم في باب الطاعة والعبادة على إكمالها، وعلى إتقانها، كانوا بعد ذلك يحملون هم قبولها، ويخافون أن ترد عليهم. جاء في السنن من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سألت نبينا عليه الصلاة والسلام عن قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: «لا يا ابنة الصديق، إنما هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه». هكذا حال عباد الله الصالحين، عندهم خوف، عندهم وجل من عدم قبول أعمالهم. ولهذا ذكر يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى أن من شأن سلفنا بعد انقضاء رمضان أنهم يدعون الله جل وعلا ستة أشهر؛ لكي يتقبل منهم رمضان. إنه الخوف من رد العمل، إنه الوجل يا عبد الله من أن تحبط أعمالهم، فما كانوا يتكئون على أعمالهم، وما كانوا يغترون على ربهم. قال علي رضي الله تعالى عنه: «فليكن همكم بقبول العمل أشد من العمل». فليكن هذا الهم، ليس الشأن يا عبد الله أن تعمل، وإنما الشأن كل الشأن: هل قبل منك هذا العمل أم لا؟ ذكر ابن رجب رحمه الله تعالى عن بعض السلف أنه كان يظهر عليه في يوم العيد الفطر الهم والحزن، فيأتيه من يأتيه ويقول له: أليس اليوم يوم فرح وسرور؟ فيقول هذا العالم الرباني: «صدقتم، ولكني عبد، أمرني مولاي أن أعمل له عملًا، فلا أدري أقبله مني أم لا، لا أدري أقبله مني أم لا». ولهذا عباد الله، كان لزامًا على كل واحد منا أن يكون عظيم التعلق بالله جل وعلا بعد رمضان؛ لكي يقبل صلاته، ويقبل صيامه، ويقبل قيامه. وهكذا يا عبد الله، تحرص كل الحرص على أنك لا تتلبس بمانع من موانع الأعمال، سواء كان في رمضان أو كان بعد رمضان. احرص يا عبد الله، واحذر يا عبد الله من محبطات الأعمال، فلا تكن يا عبد الله تاركًا للصلاة، فإنك على قول طائفة من العلماء: إنك من عداد الكافرين. ولا تكن يا عبد الله سبابًا للرب، وسبابًا للدين، فإنك حينها من عداد المرتدين. وإياك يا عبد الله من محارم المسلمين، من التعدي على أموالهم وأعراضهم وأنفسهم، فإنك في عداد المفلسين كما صح في ذلك الحديث الصحيح. وهكذا يا عبد الله، إياك من القطيعة والشحناء والبغضاء، فإن الله جل وعلا لا يرفع لهم عملًا، لا صلاة ولا صومًا. فنحصن عباد الله، وعلينا أن لا نغتر على الله جل وعلا بما عملناه في هذا رمضان من صيام وقيام، وإنما نلهج إلى الله جل وعلا، ونسأل ربنا جل وعلا أن يتقبل منا الصيام والقيام. وأما الأمر الثاني يا عبد الله الذي ينبغي أن يتنبه له، وهو مما له تعلق عظيم برمضان، وهو أنك يا عبد الله تستشعر بالثمرات التي حصلتها في رمضان، وتجعلها لك نبراسًا إلى آخر عمرك في هذه الدنيا. عباد الله، إن الله جل وعلا ما شرع علينا الصيام تضييقًا للعباد أو تنحيفًا للأجساد، حاشا وكلّا، إنما ربنا جل في علاه شرع علينا الصيام؛ تهذيبًا للنفوس، وتنقية للقلوب، وتثبيتًا لما في الصدور. دخل علينا رمضان، فما ترك فينا خسيسة ولا ذميمة إلا وهذبها وصفاها. وبهذا ننطلق في سائر أعمالنا، ونحن على أحسن حال. تعلمنا يا عبد الله وتعلمنا عباد الله في رمضان أن دين الله جل وعلا عبارة عن أوامر ونواهي، ليست بأماني ولا تمنيات ولا بدعاوى ولا بالدعاءات. عندما أردت رضا الرب جل وعلا قمت بالصيام، قمت بالقيام، أقبلت على قراءة القرآن، فليكن هذا هديك يا عبد الله فيما بعد رمضان. إذا أردت الرضا من الله جل وعلا فأقبل على عبوديتك لله سبحانه وتعالى. ما بالنا عباد الله نجد أن أناسًا من الناس لربما ما عرفوا الله إلا في رمضان، وأما هم بعد رمضان فهم في هوى وضلال. إن أناسًا من الناس ما عرفوا الصلاة في بيوت الله إلا في رمضان، لكنهم بعد رمضان لا تجد لهم أثرًا. إن أناسًا من الناس لربما ما تصفحوا كتاب الله إلا في رمضان، وبعد رمضان لا يقرؤون منه حرفًا ولا سطرًا. إن أناسًا عباد الله لربما ما حسنت أخلاقهم إلا في رمضان، وبعد رمضان هم من أشد الناس خبثًا، ومن أبعدهم خلقًا. إلى هؤلاء وإلى غيرهم يا عباد الله انظروا مع من تتعاملون. إن الله جل في علاه غني عنا، وغني عن أعمالنا وعباداتنا. قال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. ليس بصعب، وليس بعزيز، وليس بعسير على ربنا أن يهلكنا، وأن يخلف بنا الأرض متى ما تمردنا على دينه، ومتى ما تمردنا على شريعته. عباد الله، اعلموا أن رمضان شهر فات ويفوت، لكن رب رمضان حي لا يموت، جل في علاه. فعلينا عباد الله أن نستفيد هذه العبودية التي تعلمناها في رمضان، ونجعلها لنا نبراسًا حتى نلقى الله جل في علاه. قال ربنا جل في علاه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال نبينا عليه الصلاة والسلام كما في الحديث القدسي: «عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». تعلمنا في رمضان عباد الله مراقبة الله جل في علاه، ما كان يحول بينك وبين الفطر في رمضان إلا خوفك من الله، ومراقبتك لله جل وعلا. فليكن هكذا حادك يا عبد الله دائمًا وأبدًا، تستشعر بمراقبة الله جل وعلا لك. ألم يعلم بأن الله يرى؟ وهو يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين. نستشعر بمراقبة الله في خلواتنا وفي جَلواتنا. وهكذا عباد الله، تعلمنا في رمضان الدعاء ولذة المناجاة لله سبحانه وتعالى. رمضان موطن يستجاب فيه الدعاء، فهرع منا من هرع إلى قرع أبواب السماء، رفع كفة ضراعة، يدعو ربه جل وعلا بما شاء. واعلم يا عبد الله أن رمضان ليس هو الموسم الوحيد الذي يستجاب فيه الدعاء، بل هناك الصلاة، وهناك السجود، وهناك الأسحار، وأوقات كثيرة. فعلينا عباد الله أن نعود أنفسنا على التذلل لله سبحانه وتعالى. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وهكذا عباد الله، استشعرنا في رمضان بألم الجوع، ومقدار النصب والإرهاق والتعب الذي يصيبنا خلال ساعات الصيام. وفي ذلك يا عبد الله تذكير لنا بأحوال المسلمين في شرق الدنيا وفي غربها، ممن ابتلاهم الله جل وعلا بما ابتلاهم به من المآزق والفتن والمحن والمصائب، من جدب وقحط وجفاف وقتل وتقتيل ونزوح وتشريد. لربما أمم من المسلمين ما يجدون وجبة طيلة يومهم وليلتهم. عباد الله، إن إحساسنا بألم الجوع في رمضان هو إحساس بألم إخواننا ممن ابتلاهم الله بما ابتلاهم به، فكان ذلك عباد الله منزمًا لنا بأن نواسيهم بما نستطيع، بأن نستشعر ما هم فيه من ضيق، ثم نلهج إلى الله جل وعلا -إن لم نستطع بمد اليد- فلا أقل يا عبد الله أن نلهج بالدعاء، نسأل ربنا جل وعلا أن يفرج عنهم ما هم فيه. وهكذا عباد الله، كم وكم من الحكم والثمار والمسائل والفوائد التي استفادها العبد في رمضان، ينبغي أن تصاحبه في آخر عمره ودهره. وهكذا النساء هن بالمثل، لهن في رمضان عبر وعظات ومسائل وثمرات. وإن كان من أعظمها أو من أعظمها أن تعلم المرأة وأن تعلم أمة الله أن ما قامت به في رمضان من بذل الأوقات في إعداد العدة، وفي طهي الطعام، أو تقريب الإفطار، ونحو ذلك من إصلاح الأمور، أن هذا ليس من تضييع الأوقات، لا والله، بل هذا من دين الله جل وعلا. وأن المرأة بإصلاحها وقيامها بالأعمال المنزلية توجر عليه، توجر عليه إذا أرادت بذلك إصلاح أهلها وإعانتهم. قال عليه الصلاة والسلام: «ذهب المفطرون بالأجر». قال ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام عندما كان في سفر، وكان معه قوم صوام، قال الراوي: فسقط الصوام -أي من كان على صوم لشدة تعبه- فما استطاع أن يعمل، وما استطاع أن يقوم، فقام أهل الإفطار ممن كان مفطر، فقاموا بالعمل، قال الراوي: فبنوا الأبنية، وسقوا الركب، وأعانوا الصوام على أعمالهم وعلى شؤونهم، فلما رأى نبينا صلوات ربي وسلامه عليه هذه الخدمة، قال هذا الحديث: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر»، أجر عظيم، أجر عظيم لمن خدم أهله. ولهذا قال العلامة البسام رحمه الله تعالى في تيسير العلام عند هذا الحديث: «وفيه أن خدمة الإخوان والأهل من الدين، أن ذلك من الدين». فلا تنزعجي أختاه، وأن ما مضى عليك من ساعات الطبخ، ومن ساعات إعداد الطعام، فإن ذلك مسجل عند الله جل وعلا. وبهذا نعلم أن المرأة إذا استفادت من هذه الخصلة في رمضان، فتستفيدها في خارج رمضان، أن إعانتها وقيامها على شؤونها، وإصلاحها لبيتها وأهلها، أن ذلك من الأعمال المندوبة، ومن الأعمال الممدوحة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأله جل في علاه أن يتقبل منا الصيام والقيام وسائر الأعمال، وأن يعيننا على ذكره وعلى شكره، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.