الدرس في شرح المنظومة البيقونية 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
عرف العلماء الشذوذ بأنه مخالفة الراوي المقبول لمن هو أولى منه في العدد أو الوصف، وانتقدوا حصر المخالفة في الثقة فقط. ومثلوا ذلك بحديث رفع السبابة حيث انفرد زائدة بن قدامة بزيادة "يحركها" بينما خالف جماعة من الأئمة الثقات.
يشرح المقطع نوعي الشذوذ: شذوذ المتن كما في حديث زائدة بن قدامة، وشذوذ الإسناد كاختلاف الرواة بين الإرسال والاتصال. ثم يفصل في العلة الخفية التي لا يدركها إلا أئمة الحديث كتفرد راوٍ بحديث "الدين النصيحة".
يشرح المقطع معنى العلة في علم الحديث بأنها سبب خفي قادح في الصحة، ويميز بين العلة القادحة وغير القادحة. ثم يعرف الحديث الصحيح لذاته بشروط اتصال السند، وعدالة الضبط، وسلامة الشذوذ والعلة.
يبدأ المقطع بذكر اسم الله تعالى، ويختتم بدعوة المشاهدين للاشتراك في القناة لدعم المحتوى. هذه المقدمة والخاتمة تشكل إطاراً عاماً للدرس.
الحمد لله، وصلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه. وعلى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وبعد، قال البيقوني رحمه الله في منظومته البيقونية بمصطلح الحديث: "ولم يشأ الشاذ". عرفه العلماء: هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. وسيأتي معنا هذا مفصلًا في قسم خاص، ذكره المؤلف بقوله: "وما يخالف ثقة فيه الملاف الشاذ". مع انتقاد العلماء للمؤلف في حصر المخالفة بالثقة؛ فإن الثقة هي وصف من أوصاف القبول، وإلا قد يكون أقل من رتبة الثقة فيكون حديثه مقبولًا، كأن يكون حسن الحديث ليس بثقة، أو يكون مثلا لا بأس به يقبل حديثه فهو أقل من الثقة. فلفظ "القبول" لفظ جامع مانع، يدخل فيه كل درجات القبول سواء كان الثقة، أو من هو دونه، أو من هو أعلى منه كقولهم: إمام، أو حافظ، هذا أعلى من الثقة. فإذن القبول يشمل كل ذلك. فتعريف الشذوذ: هو مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، سواء كان في العدد أو في الوصف. ما معنى "في العدد"؟ يعني يأتي حديث أكثر الرواة رووه بدون الزيادة التي رواها راو واحد وهو حديث واحد مثلا، فهذا يحكم العلماء على ما انفرد به هذا الراوي عن بقية الأئمة أو بقية الرواة، يحكمون عليه بالشذوذ. ويمثل العلماء بأمثلة على حسب اجتهادات في بعض الأحاديث، ومنها الحديث المشهور الذي جاء عن عبد الله بن الزبير، وعن ابن عمر، وجاء كذلك عن وائل بن حجر، وهو حديث رفع السبابة في التشهد. رفع السبابة في التشهد، فجاء في الأحاديث: "إذا تشهد أشار بأصبعه، أشار بأصبعه". هذا الحديث الصحيح. فجاء راو من الرواة وهو زائدة بن قدامة، فزاد لفظة الإشارة، فزاد لفظة التحريك، فزاد لفظة التحريك، فذكر: "أشار بأصبعه يحركها". فكثير من الأئمة حكم على هذه الزيادة بالشذوذ؛ لأن زائدة بن قدامة ثقة، ليس بضعيف، ثقة. لكن الرواة الذين رووا هذا الحديث وهم الأكثر، ما رووا هذه الزيادة، ما رووا هذه الزيادة، فرووا هذا الحديث رواية هذا الحديث عن شعبة، وعن السفيانين، وعن بشر بن المفضل، وعن أبي الأحوص، وعن عبد الله بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وزهير بن معاوية، وخالد الواسطي. كل هؤلاء يروون الحديث من غير ذكر الإشارة، من غير ذكر التحريك. فجاء زائدة بن قدامة وأتى بهذه الزيادة، فكثير من الأئمة حكم على هذه الزيادة بالشذوذ. وهو مثال واضح لمخالفة الواحد للجماعة، مخالفة الواحد للجماعة. وهناك أمثلة أخرى؛ لأن الشذوذ قد يكون في السند، وقد يكون كذلك في المتن. فهذا حديث زائدة بن قدامة شذوذ في المتن، شذوذ في المتن؛ لأنه قال: "يحركها". وقد يكون الشذوذ في الإسناد، فيختلف فيه مثلا: هو مرسل أو متصل. وسيأتي معنا المرسل: ما أضيف إلى النبي من دون ذكر الواسطة، يعني بين الراوي وبين النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يسمى مرسل، ومن قسمه الضعيف. فمثلا بعض الرواة يرويه على وجه الاتصال، وبعضهم يرويه على وجه الإرسال، فيرجح إما مثلا الحديث المرسل أو الحديث المتصل. فهذا شذوذ في ماذا؟ شذوذ في السند، شذوذ في السند. وهذا كله سيأتي بقسم خاص، وذكرنا هذين المثالين للاختصار. وإذا وصلنا إلى الحديث الشاذ لعلنا نكثر من الأمثلة حتى يتضح لنا هذا النوع من أنواع الحديث، من أنواع الحديث الضعيف أو الحديث الشاذ. وأما قوله: "أو يعل"، فالعلة هي سبب خفي غامض يقدح في صحة الحديث، مع أن الظاهر السلامة منه، مع أن الظاهر السلامة منه. يعني تجد السند ك الشمس أحيانا، ربما مالك عن نافع عن ابن عمر، حديث ك الشمس ما فيه غبار، لكن تجد الأئمة يقولون: هذا حديث معل، هذا حديث معل، يعني فيه علة خفية ما يطلع عليها إلا الجهابذة من أهل الحديث. فمثلا كيف يعرفون أن هذه العلة علة خفية؟ يقولون: الحديث ليس فيه ذكر مالك، أو ليس فيه ذكر نافع. كيف عرفوا هذا؟ من خلال اطلاعهم على طرق الحديث، وعلى مخرج الحديث. هذا ما ينتبه له إلا لأئمة الجهابذة، فيقولون مثلا: حديث "الدين النصيحة" ما ثبت إلا عن أبي رقية، جاء عن أبي هريرة ضعيف، وذكر ذلك في كتابه "أحاديث معلة ظاهر وصحة". فكل حديث جاء عن طريق أبي هريرة فهو معل. من يتنبه لهذا؟ فلا إلا الجهابذة؛ لأنهم يحفظون أحاديث الرواة، بل وأحاديث الصحابة، يحفظون ربما مئات الألوف من الأحاديث، فهم الذين يميزون هذه العلل، يميزون هذه العلل. أو مثلا من العلل على سبيل المثال: السماع قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط. راو روى عن شيخ من شيوخه قبل الاختلاط وبعد الاختلاط، كيف نميز هذا؟ قالوا: ما حدث به قبل الاختلاط فهو صحيح، وما حدث به بعد الاختلاط فهو ضعيف معل. كيف نميز هذا؟ هذا يحتاج لعالم من علماء الجرح والتعديل من الأئمة. فهذه علة خفية، أنت وش دراك؟ حديث يعني فلان سمع من فلان، لكن هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط؟ هذه علة، فهذا تذكر في كتب العلل، في كتب العلل. ولذلك العلماء صنفوا في هذا العلم، علم العلل، كالدارقطني والبيهقي وغيرهما من علماء العلل. فإذن هذا هو معنى العلة: سبب غامض خفي يقدح في صحة الحديث. لابد أن تكون العلة قادحة، ولذلك قال: "يقدح في صحة الحديث"، لأنها قد تكون علة غير قادحة. كيف علة غير قادحة؟ مثلا حديث روي بوجهين: وجه مرسل، ووجه متصل. فهذا الإرسال علة، لكنها غير قادحة في الحديث؛ لأن الحديث ورد من طريق أخرى متصل، فهذا الإرسال لا يضر. واضح. فلابد أن تكون هذه العلة علة خفية وقادحة في صحة الحديث، في صحة الحديث. هذا هو باختصار. قوله: "أوله هو الصحيح"، وهو ما اتصل إسناده، ولم يشذ أو يعل، يرويه عدل ضابط عن مثله. يعني بمعنى أن الضبط يكون في جميع رواة السند، الحديث الصحيح يكون في جميع رواة سند الحديث الصحيح، ما يكون في بعض الرواة دون بعض. وهذا معنى قوله: "يرويه عدل ضابط عن مثله"، يرويه عدل ضابط عن مثله، معتمد في ضبطه ونقله، يعني اعتمده العلماء، ما عنده غفلة، ما عنده نسيان، ما عنده رخص، ما عنده فسق، معتمد، وثقه العلماء. فهذا هو الحديث الصحيح، وهذا يسمى الحديث الصحيح لذاته. وهذا يجرنا إلى مسألة أخرى، وهي أن الحديث الصحيح ينقسم إلى قسمين: حديث صحيح لذاته، يعني من طريق واحدة، حديث صحيح اتصل سنده، رواته عدول، رواته ضابطون، وما فيه علة ولا شذوذ، طريق واحدة، هذا يسمى حديث صحيح لذاته، يعني ذات هذا الحديث وسند هذا الحديث بذاته صحيح. وهناك حديث صحيح لغيره، وما معنى حديث صحيح لغيره؟ هذا ما سنعرفه بعد أن نأخذ الحديث الحسن، بعد ما نأخذ إن شاء الله الحديث الحسن. لكن أردت أن ننبه هنا على أن هذا التعريف الذي ذكره المؤلف إنما هو تعريف الحديث الصحيح لذاته، يكون هذا في ذهنكم. هذا الآن الذي ذكره الناظم هو تعريف الحديث الصحيح لذاته، وأما الحديث الصحيح لغيره فيأتي الكلام عليه والتنبيه عليه إن شاء الله في الحديث، بعد الكلام على الحديث الحسن، بعد الكلام على الحديث الحسن. هذا باختصار ما يقال في الحديث الصحيح. والشيخ ابن عثيمين ذكر هنا مباحث حديثية مهمة تتعلق بالحديث الصحيح وبمن جمع الحديث الصحيح، فلعلنا في الدرس القادم إن شاء الله نذكر هذه المباحث ونعلق عليها بما نراه مناسبًا. إلى هنا، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. الله تعالى... اشتركوا في القناة.