شرح لامية ابن الوردي 2

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 2، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ابتداء المنظومة: التحذير من الأغاني والغزل والأمر بالتخلية قبل التحلية

يستهل المؤلف المنظومة بالنهي عن ذكر الأغاني والغزل وآلات الطرب لحرمتها وكونها مفتاحاً للفتن، ويؤكد أن التخلية عن القبائح والرذائل مقدمة ضرورية للتحلي بالعلم والأخلاق الحميدة. كما يأمر بقول الفصل ومجانبة الهزل مستدلاً بالكتاب والسنة على وجوب الجدية في طلب الحق.

الجدية في الحياة وترك تذكر أيام الصبا والتحذير من فتنة النساء

ينصح المؤلف بالجدية في العمر القصير وتجنب الهزل العبثي، ويأمر بترك تذكر أيام الصبا وما فيها من معاصٍ لأنها كنجم أفل ولا يعود، مبيناً أن لذة المعصية زائلة وإثمها باقٍ إلا بالتوبة. ويحذر بشدة من فتنة النساء خاصة الغادة الناعمة، ويأمر بغض البصر وترك الخلوة بهن.

خطر فتنة النساء ووجوب الحذر من الاختلاط والتعلق المحرم وعاقبة التعلق

يبيّن المقطع خطر فتنة النساء في الصوت والمظهر، ووجوب الالتزام بالحجاب وتجنب الاختلاط غير الضروري الذي يستغله أعداء الإسلام لإفساد المسلمين. ويوضح أن التعلق المحرم ذل وهوان وقد يؤدي لسوء الخاتمة مستشهداً بقصة من مات يردد بيتاً في امرأة، بينما شرع الله الزواج المباح بديلاً طاهراً للعفة والشرف.

خاتمة الدرس والتسليم بعلم الله المطلق

يختتم المتحدث المقطع بالإشارة إلى أن العلم الكامل والمطلق إنما هو عند الله تعالى وحده، مفوضاً الأمر إليه ومستسلماً لعلمه الواسع. وتأتي هذه الخاتمة لتذكير السامع بحدود علم البشر وكمال علم الخالق.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإن شاء الله تعالى نبدأ في شرح أول هذه المنظومة المسمى بلامية بن الوردي رحمه الله تعالى، وقد تقدم معنا ترجمة موجزة للمؤلف رحمه الله تعالى. قال في أول هذه المنظومة: «اعتزل ذكر الأغاني والغزل وقل الفصل وجانب من هزل ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل» قوله: «اعتزل» هذا فعل أمر من الاعتزال، وهو التنحي والترك، فمعنى «اعتزل» يعني: أترك وابتعد. عن ماذا؟ عن ذكر الأغاني. والأغاني هو ما يترنم به من الكلام الموزون، وفي الغالب يطلق على ما فيه مجون، ولذلك جاء تحريم الأغاني في شريعتنا، ووصفت في القرآن بأنها لهو الحديث، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: 6]. فقد جاء عن ابن عباس أو عن ابن مسعود رضي الله عنهما أن لهو الحديث هو الغناء، لا سيما المصحوب بآلات الطرب، فهذا أيضاً أعظم حرمة. لما جاء عند البخاري من حديث أبي مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحرير والحرير والخمر والمعازف». فهنا يأمر النظم باعتزال ذكر الأغاني، والذكر هو أبلغ من السمع، يعني: لا تتعلق بها، ولا تتذكرها، ولا تميل إليها. وقوله: «الغزل» المراد بالغزل هو اللهو مع النساء والتغزل بهن، ويشمل ذلك محادثتهن في الحب والغرام والعشق ونحو ذلك، فاحذر من هذا المسلك، لا تقترب من الأغاني ولا من مخاطبة النساء ومغازلة النساء. وجاءت في بعض النسخ: «اعتزل ذكر الغواني» بدل «الأغاني». الغواني جمع غانية، وهي المرأة المستغنية بحسنها وجمالها عن الزينة، فيكون المعنى: اعتزل ذكر النساء الحسنوات، لا تتعلق بذلك. وهذا -والله أعلم- هو المناسب لما عطف عليه من قوله: «والغزل»، وكأنه يقول: لا تعلق قلبك بهؤلاء الغواني، ولا تختلط بهن، ولا تحادثهن بكلمات الحب والغرام، وهذا فيه كذلك التحذير من فتنة النساء، والأمر بالبعد عنهن. فقوله: «الغواني» ذكر على سبيل الغالب، وإلا فالمراد الأمر بالابتعاد عن كل النساء غير الزوجة، يعني: فيه الحب والتعلق. وكما تقدم أن ديننا قد حذرنا من فتنة النساء، وقد جاءت النصوص الكثيرة في التحذير من ذلك. فقد جاء في حديث عمر مقابلة الدنيا بالنساء، مع أن النساء من الدنيا، لكن ذكر الخاص بعد العام يفيد الاهتمام. فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث النيات: «إنما الأعمال بالنيات»، قال في آخره: «فمن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». انظر قرن النساء بالدنيا، قرن النساء بالدنيا لشدة فتنة النساء، لشدة فتنة النساء. وهكذا جاء في حديث أبي سعيد في الصحيح: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، مع أن النساء من الدنيا. الدنيا يشمل المال، يشمل الجاه، يشمل كذلك النساء والولد، كل ذلك من الدنيا. فحذر من الافتتان بالدنيا والاغترار بها، وكذلك عطف بالتحذير من الافتتان بالنساء لأن فتنة النساء عظيمة. ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: «ما تركت فتنة هي أضر على الرجال من النساء»، ففتنة النساء فتنة عظيمة. ولذلك بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بالتحذير من هذه الفتنة، وهذا من بديع استهلاله وابتداء المؤلف رحمه الله تعالى، لأن العلماء يقولون: التخلية قبل التحلية. التخلية قبل التحلية. فكأنه يقول لك: يا طالب العلم، يا أيها المسلم، إن أردت قبول الخير وقبول النصائح والتأثر بذلك، فتخلى عما يحجبك عن ذلك، ومن أعظم ما يحجب ويبعد عن قبول النصيحة: الانشغال بفتنة النساء، وما شابه ذلك كما سيذكر المؤلف من فتنة المردان كذلك. فهو بدأ بالتخلية قبل التحلية، ومعنى التخلية: أن يتخلى المسلم أولاً عن القبائح وعن القاذورات والنجاسات، ثم إذا طهر من ذلك تحلى بالعلم والخير وكذلك الأخلاق الفاضلة. وهذا تجده كثيراً في كلام أهل العلم، أهل السنة يقولون: التصفية قبل التربية، التصفية قبل التربية، لأن التصفية: تحلية وتخلية، والتربية: تحلية، فالتخلية قبل التحلية، التخلية قبل التحلية. فلذلك بدأ المؤلف هنا بالتحذير من هذه الفتنة العمياء، وهذه الفتنة الخطيرة التي من تعلق بها حرم النصائح وحرم الخير وحرم العلم، والواقع خير شاهد، الواقع خير شاهد. ثم قال: «وقل الفصل وجانب من هزل». ومعنى «وقل الفصل»: الفصل هو القول الحق، وقيل: هو اتباع الحق في الأقوال والأفعال، وقيل: هو اجتناب الباطل، وهذا مقتبس من قول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]. فلتكن حياتك جادة، ما فيها لعب، وما فيها هزل، وما فيها لهو، ولا شيء من ذلك. «قل الفصل» أي: الحق، اتبع الحق واجتنب الباطل. وإذا قال: «وجانب من هزل»، «جانب» أمر من المجانبة، وهو الترك والابتعاد، يعني: ابتعد عن من هزل. والهزل هو القول العبث الذي لا فائدة فيه، لأن الهزل يؤدي إلى السخرية، وإلى الاستهزاء، وإلى الاحتقار ونحو ذلك. وقد حذرنا ربنا سبحانه وتعالى من هذه الخصال، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11] إلى آخر الآية. فكن جاداً في حياتك، كن جاداً في حياتك. وليس معنى هذا أن لا تمزح أحياناً مزاحاً جاداً صادقاً ما فيه كذب، ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يكذب لا جاداً ولا مازحاً. حتى المزاح ينبغي أن يقوم فيه حق، ولا بأس أن يكون فيه شيء من الفكاهة أو من كذلك الانبساط أو نحو ذلك، ولكن المراد بالهزل هنا: الهزل الذي هو بمعنى العبث، والذي لا فائدة فيه، والذي لا فائدة فيه. فهذا هو معنى هذا البيت. فينصح المؤلف في هذا البيت بالابتعاد عن المعاصي، ومنها: اعتزال ذكر النساء المستغنيات بحسنهن وجمالهن عن الزينة -هذا على رواية أو على نسخة-، أو على النسخة الأخرى يأمر المؤلف هنا بالابتعاد عن الأغاني المصحوبة بآلات لهو أو بالكلمات البذيئة والمجون، وذكر النساء، وذكر كذلك مفاتن النساء ونحو ذلك. يأمر المؤلف هنا بالابتعاد عن ذلك، فإن في ذلك خسران الدارين، وتجنب كذلك الشخص الذي يشتغل بالهزل، أي: بالقول العبث، لا تصاحبه ولا تجالسه، فإنه سيؤثر عليك. هذا هو معنى هذا البيت. ثم قال: «ودع الذكر لأيام الصبا فلأيام الصبا نجم أفل». «دع» هنا بمعنى: أترك. «دع» هنا بمعنى: أترك. الذكر، والمراد بالذكر هنا: الذكر باللسان أو التذكر بالقلب، يعني: لا تذكر ما سيأتي، لا بلسانك ولا كذلك بقلبك. فـ «دع الذكر لأيام الصبا»، والمراد بأيام الصبا: أي صغر السن، وقت الشباب، ووقت الطيش، ووقت المعاصي، ووقت كذلك البعد عن الإدراك والتعقل ونحو ذلك، وكل ذلك يقال له صبا. فلا تتذكر تلك الأيام، فإنها أيام مليئة بالطيش، ومليئة بالتهور، والوقوع في الآثام والمعاصي ونحو ذلك. فدع تلك الأيام، لا تتذكرها لا بقلبك ولا بلسانك، لا تقول: كنا نفعل كذا وكذا، وربما يميل قلبك إلى تلك الأفعال السيئة التي كنت تفعلها وقت صغرك، وقت صغرك. لذلك قال: «فلأيام الصبا نجم أفل». وهنا شبه انقضاء تلك الأيام -أيام الصبا- بالنجم الذي قد أفل. ومعنى «أفل»: يعني ذهب وغاب، ذهب وغاب. فإن النجم إذا ذهب وغاب يذهب سريعاً، ويذهب سريعاً، وكذلك لا يرجع، لا يرجع. فلتكن أيام الصبا عندك كذاك النجم الذي غاب وذهب، الذي غاب وذهب. فالمعنى: أترك ذكر زمان الصغر والشباب وما جار فيه من اللذات والذنوب والخطايا، لا تشتغل بذلك، ولا تضيع وقتك فيه، لأن زمان الصغر والشباب مثل ذلك النجم، مثل ذلك النجم الذاهب في سرعة الذهاب، وعدم كذلك العود، وعدم الرجوع. فلا فائدة في الاشتغال بالشيء الذاهب، لا فائدة من الاشتغال بالشيء الذاهب، فلا تتذكر تلك الأيام. هذا هو المعنى. ثم قال: «إن أهنى عيشة قضيتها ذهبت لذاتها والإثم حل». جاءت نسختان: «إن أهنى» و«إن أحلى»، والمعنى واحد، والمعنى واحد: أحلى أو أهنى. ومعنى «إن أهنى»: يعني من الهناء، أو من الحلو، يعني: فيما تظن أن ما كنت فيه من الصبا أحلى عيشة وأهنى عيشة، ما وقعت فيه من المعاصي والذنوب والسيئات، ففي الحقيقة ليس الأمر كذلك، ليس الأمر كذلك، فهي ليست أهنى وأحلى عيشة. لماذا؟ لأنها ذهبت لذاتها والإثم حل. أنت تلذت بنظرة محرمة، أو تلذت بسماع محرم، أو بزنا، أو نحو ذلك، هذه اللذة تذهب، وهذا هو حال المعاصي، وهذا هو حال المعاصي، لا خير في لذة من بعدها النار. أنت تشعر بلذة مؤقتة، ثم بعدما تنقضي هذه اللذة تأتي الحسرة والندامة، والإثم، وقسوة القلب، ونحو ذلك من آثار هذه المعاصي. ففي الحقيقة ليست هي أحلى وأهنى عيشة، لكن هذا فيما تظن أنها أحلى عيشة قضيتها في وقت الصبا، وما كنت عليه من المعاصي والذنوب ذهبت، لكن ماذا بعد ذلك؟ ها الإثم حل. ومعنى «الإثم حل»: يعني كتب وكان عليك هذا الإثم، كان عليك هذا الإثم، فهو محفوظ في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، إلا إذا تبت إلى الله سبحانه وتعالى. فاترك ذكر تلك الأيام، واحذر أن ترجع إليها، لأن بعض من تاب ربما يحن ويتذكر ما كان يعمل من ذنوب وسيئات، فهذا التذكر ربما يؤدي به إلى الرجوع إلى المعصية، فاقطع ذلك بعدم تذكره والتعلق به، والتعلق به. ثم قال: «واترك الغادة لا تحفل بها تمس في عز وترفع وتجل». «ترك» من الترك، يعني: ابتعد. و«الغادة» من الغيد، وهي المرأة اللينة الناعمة التي تنثني في مشيتها، أو في مشيتها، وتميل، فهذا يقال لها: الغادة، يقال لها: الغادة. فاترك النظر إليها والتعلق بها، والتعلق بها. وخص هذه المرأة بالذكر لأنها الجاذبة، وهي المفسدة أكثر من غيرها من النساء، وإلا فكل النساء فتنة، لكن كلما كانت المرأة بهذا الوصف كلما كانت أشد فتنة، كلما كانت أشد فتنة. فهو لا يزال يحذر من فتنة النساء، لا يزال يحذر من فتنة النساء، يقول لك: اترك الغادة، يعني: المرأة اللينة الناعمة التي تنثني في مشيتها وتميل، ابتعد عنها، ولا تحفل بها. ومعنى «تحفل»: يعني تجتمع بها وتخلو بها أو معها بأي موضع. ولذلك جاء النهي عن مخالطة النساء والدخول على النساء، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إياكم والدخول على النساء، إياكم والدخول على النساء». لا يجوز لمسلم أن يخلو بامرأة لا تحل له، لا تحل له. فاحذر من ذلك. بل قد أمر ربنا عز وجل النساء أن يخاطبنا الرجال من وراء حجاب، من وراء حجاب، خشية الفتنة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 53]. المرأة تميل في مشيتها، وكذلك تلين وتتكسر في كلامها، فكما أن المرأة فتنة في جسدها وفي زينتها، فهي كذلك فتنة في صوتها، فتنة في صوتها، وهذا أمر معلوم لدى الرجال. فهنا يقول: اتركوا الغادة، لا تحفل بها، لا تجتمع بالنساء، ولا تختلط بهن إلا بقدر الحاجة، كأن تكون صاحب دكان تأتي إليك المرأة لتشتري، فالتزم الآداب الشرعية، كأن تكون طبيباً، كأن تكون كذلك يعني: شيء لا بد منه، شيء لا بد منه، فهذا لا بأس به. ومع هذا تجتنب الخلوة، تجتنب الخلوة، ليكن مكتبك فيه من الرجال أو من النساء التي يدخلن مع هذه المرأة، وابتعد من الخلوة، ابتعد من الخلوة، ولا تكثر مخالطة النساء، ولا تكثر مخالطة النساء. لماذا؟ لأن النساء حبائل الشيطان. وقد جاء في ذلك حديث ابن مسعود عند الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان». ما معنى «استشرفها الشيطان»؟ يعني: جعلها حبلاً من حبائله، فيخرج معها ويفتن الرجال بها، يستشرف هذه المرأة، ويتطلع إلى شرها وفسادها، يتطلع إلى شرها وفسادها. وهذا هو الواقع. وعلم أعداء الإسلام أن من أعظم ما يفسد المسلمين هو النساء، فلذلك حاربوا المسلمين بفتنة النساء في الشاشات والأفلام والصور والمجلات وغير ذلك. انظر الآن، ما من سلعة إلا وتجد فيها صورة نساء، تجد فيها صورة نساء، حتى الصوابين، وهكذا الألعاب ونحو ذلك، كل ذلك لا تخلو هذه البضائع من صور للنساء. هذا كله من محاربة أعداء الإسلام، محاربة أعداء الإسلام للإسلام، فدخلوا من هذا الباب. وقال قائلهم: «كأس وغانية يفعلان في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ما لا يفعله ألف مدفع». نعم، علموا أن الحرب الآن حرب لا أخلاقية، فهم يحاولون طمس أخلاق المسلمين، وكذلك يحاولون إبعاد المسلمين عن أخلاقهم وعن دينهم، فوجدوا هذا المدخل، ألا وهو: فتنة النساء، فتنة النساء. فاحذروا من ذلك. ثم قال: «تمسي في عز وترفع وتجل». يعني: تصير في عز، متى؟ إذا ابتعدت عن الغادة، إذا ابتعدت عن الغادة. «تمسي في عز» يعني: تصير في عز وتتصف به، تكون عزيزاً، تكون قوياً، حازماً. لأن الميل إلى النساء، والغرام في النساء، ومحبة النساء: ذل، ذل وهوان. تكون عبداً لهذه المرأة، تكون عبداً لهذه المرأة، وربما -والعياذ بالله- تضيع دينك بسبب تعلقك بهذه المرأة، فهذا أمر خطير، أمر خطير، قد يؤدي إلى الغفلة، وقد يؤدي إلى ترك كذلك العلم والدين، فتكون ذليلاً، تكون حقيراً، تكون عبداً لهذه المرأة، لهذه المرأة، وكذلك تكون ذليلاً لأهل هذه المرأة، أو للخلق عندما يرونك قد أذللت نفسك، وقد أهنت نفسك، وسقطت في هذا المستنقع الرذيل، فإن قدرك، وإن كذلك شرعك -يعني: شرفك- يضعف عند الناس، يضعف عند الناس. أما إذا تركت ذلك، فإنك تمسي في عز، ورفعة، «وترفع وتجل». ومعنى «ترفع وتجل»: يعني ترفع قدراً وشرفاً عند الله وعند الناس، عند الله وعند الناس. فإذا أترك هذا المسلك... وقد ذكروا أخباراً عن هؤلاء الهائمين في حب النساء، لكم تسمعون عن مجنون ليلى، إنسان يكون مثل المجنون لأنه أحب امرأة وتعلق بها، فهو يكون مثل المجنون، يضحك عليه، ويكون ذليلاً حقيراً، يكون ذليلاً حقيراً. فاحذروا من عشق النساء، ومن التعلق بالنساء. وقد أغنانا الله عز وجل بحلاله عن حرامه، فأجاز لك -أخي الرجل- أن تتزوج بأربع نسوة إن كنت مستطيعاً لذلك، فنل ذلك الحب وتلك الفطرة بما أحل الله سبحانه وتعالى لك، واحذر من أن تميل إلى العشق المحرم. ذكر ابن القيم قصة تدل على أن تعلق القلب بالنساء ربما يؤدي إلى سوء الخاتمة، والعياذ بالله. ذكر هذا في «الجواب الكافي». ذكر أن رجلاً كان في حانته، في دكانه، فجاءت امرأة، يعني: غادة كما يقال، حسناء، فجاءت وتسأله، قالت له: أين حمام من جاب؟ مكان اسمه حمام من جاب، تسأل عليه. فهو لما رآها تعلق بها، تعلق بها، فقال لها: ادخلي، هذا هو. ثم أغلق الباب، ثم أغلق الباب. فصارت هذه المرأة يعني: ذكية، فقالت له: هلا أتيت لنا بشيء نأكله؟ فهو قد أغلق عقله وما فهم قصدها، فقال: لا، نعم. ثم خرج ليشتري شيئاً، ففتحت الباب وخرجت، فتحت الباب وهربت، وخرجت. فجاء فلم يجدها، فيعني: انقطع قلبه، وهام عقله في حب هذه المرأة، فأصبح مثل المجنون، يسأل عنها، ويتمثل بهذا البيت: «يا رب قائلة يوماً يا رب قائلة يوماً وقد سألت أين الطريق إلى حمام من جاب، إلى حمام من جاب» ويردد هذا البيت. يقول ابن القيم: فجاءه الموت، ويقال له: قل لا إله إلا الله، وهو يقول: «يا رب قائلة يوماً وقد تعبت، أين الطريق إلى حمام من جاب»، ومات وهو يردد هذا البيت، والعياذ بالله. انظروا إلى عاقبة التعلق بالنساء، فهو أمر خطير. ولذلك بدأ المؤلف به، حتى يقول لطالب العلم وللمسلم: إن أردت قبول الخير، قبول النصح، فاحذر من هذه المسالك، وهو: التعلق بالنساء، والتعلق بمغازلتهم، ومخاطبتهم، والاختلاط بهن، ونحو ذلك، فإن هذا مما يصدك عن الخير. هذا هو معنى ما أراد المؤلف في أول هذه المنظومة. وبهذا نكتفي، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم.