مختصر فقه الأسماء الحسنى  17

مختصر فقه الأسماء الحسنى 17

الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 17، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

اسم الله العليم: المعنى والورود والآثار الإيمانية

يوضح المقطع أن اسم الله العليم ورد في القرآن أكثر من 150 مرة، مما يدل على عظم منزلته، ويعني أن علم الله يحيط بكل شيء ظاهر وباطن وماضٍ وحاضر ومستقبل. ويبين أن الإيمان بهذا الاسم يعد أكبر زاجر عن المعاصي وأعظم دافع للعمل الصالح، مستنداً إلى أقوال العلماء وآيات قرآنية.

سعة علم الله وإحاطته بالسرائر والعلانية

يستعرض المقطع دلائل سعة علم الله التي تشمل السرائر والعلانية ووساوس النفوس، مستشهداً بعدة آيات قرآنية تؤكد إحاطة علمه بكل شيء. ويشير إلى أن استشعار هذه السعة يولد الحياء والخوف من الله في قلب العبد، فيكون بذلك أعظم زاجر عن المخالفات.

اختصاص الله بمفاتح الغيب الخمس ووجوب المراقبة

يبيّن المقطع أن مفاتح الغيب الخمس (الساعة، الغيث، ما في الأرحام، رزق الغد، أرض الموت) لا يعلمها إلا الله وحده، مستدلاً بآيات صريحة. ويسوق قصة المرأة التي ذكّرت بأن "الباب بيننا وبين الله" لا يُغلق، ليؤكد أن علم الله محيط بالسرائر، مما يوجب على العبد الحياء والمراقبة الصادقة كما قال ابن كثير.

تحذير المؤمن من نوايا السوء واستشعار علم الله

يحذر المتحدث المؤمن من أن يراه الله بنوايا سيئة أو ضمائر خبيثة، مؤكداً أن المؤمن يستشعر دائماً علم الله بكل حركاته وسكناته. ويختتم الدرس بإعلان انتهاء المقطع ومنح خمس دقائق للوضوء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد حفظه الله -حفظهم الله- في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنى"، اسم الله العليم: قال: وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم بأكثر من مئة وخمسين موضعًا. وهذا يدل على عظم هذا الاسم، وأنه من الأسماء التي ذكرت في القرآن كثيرًا، وكثرة ذكر الاسم دليل على منزلته وهمته، ولذلك يذكر العلماء هذه الأعداد لهذه الفائدة. قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، فأحيانًا يذكر مقترنًا بغيره من الأسماء، وأحيانًا يذكر منفردًا. وقال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾. أي: الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء. علم ما كان وما سيكون -أي في المستقبل- وما لم يكن -أي لم يحصل بعد- أن لو كان كيف يكون، سيعلم كيف سيكون. أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، سبحانه وتعالى. فهذا هو معنى اسم الله العليم، فالله عز وجل بكل شيء عليم. ولا شك أن هذا الاسم له آثار، وله كذلك مقتضيات تؤثر على المؤمن بهذا الاسم. فلذلك قال المؤلف هنا: "وللإيمان بهذا الاسم العظيم آثار مباركة على العبد، بل هو أكبر زاجر وأعظم وعظ: أكبر زاجر يسجرك عن المعاصي والذنوب، وأعظم وعظ يحثك على العمل الصالح والإقبال على الدار الآخرة". قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: "أجمع العلماء على أنه -أي هذا الاسم- أكبر واعظ وأعظم زاجر نزل من السماء إلى الأرض، لأن القرآن نزل من السماء إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الأرض". قال: "ولا تكاد تقلب ورقة واحدة من أوراق المصحف الكريم إلا وجدت فيها هذا الواعظ الأكبر والزاجر الأعظم"، يعني: كثيرًا ما يذكر هذا الاسم في القرآن كما تقدم، أكثر من مئة وخمسين موضعًا، فلا تكاد تمر على صفحة أو ورقة إلا وتجد فيها هذا الاسم. وذكر هنا بعض هذه الآيات: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، ﴿يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ﴾ -أحيانًا بذكر الاسم، وأحيانًا بذكر الفعل-، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. فينبغي علينا جميعًا أن نعتبر بهذا الزاجر الأكبر والواعظ الأعظم، وأن لا ننساه؛ لأن لا نهلك أنفسنا. فالعبد إذا علم أن الله يعلم كل حركاته وسكناته، فإنه يستحي أن يراه الله على معصية أو على مخالفة. فلذلك هذا الاسم كان أعظم زاجر، وهكذا أكبر زاجر وأعظم وعظ. وقد ذكر سبحانه وتعالى سعة علمه، وأن علمه قد وسع كل شيء في آيات كثيرة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. انظر إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، كل من ألفاظ العموم، فلا يستثنى شيء أبدًا. وهكذا قال ربنا عز وجل: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وسعت كل شيء رحمة وعلمًا، أي: تعلم أحوال كل شيء. وقال عز وجل: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، وسع كل شيء علمًا. وهكذا ذكّر ربنا عز وجل بإحاطة علمه بكل شيء، أن الله عز وجل محيط بكل شيء، فهو يعلم كل ما في خلقه، سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾. فهذا يدل على إحاطته سبحانه وتعالى بكل شيء. وهكذا ذكر ربنا عز وجل في كتابه علمه بالسرائر والمعلنات، والغيب والشهادة، كل ذلك يعلمه سبحانه وتعالى، فهو في العلم عنده سواء. قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾، فما من شيء تخفيه ولا تريد أحدًا أن يطلع عليه إلا وقد اطلع عليه ربك سبحانه وتعالى وعلمه. وهكذا يقول ربنا عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، يعني: ما تخون به العين من الغمزات أو الحركات أو نحو ذلك، فإن الله عز وجل يعلم، وما تخفي الصدور، ما في صدرك، ما في قلبك من الأشياء التي لا تعلم، لا يعلمها إلا أنت، لم تخبر بها أحدًا، فإن الله عز وجل يعلم ذلك. بل قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، الوسوسة التي هي غاية في السر بينك وبين نفسك، فالله عز وجل يعلم ذلك. وقال الله عز وجل أيضًا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾. وهذا من ثمار هذا الاسم، من آمن بهذا الاسم فإنه يحذر من أن يراه الله على أمر يغضب الله، يحذر: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾، احذروه أن يراكم الله عز وجل على معصية أو على مخالفة. نعم. وهكذا ذكر سبحانه وتعالى أنه يعلم كل ما في السماوات وما في الأرض، كما قال عز وجل: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وذكر سبحانه وتعالى أيضًا اختصاصه بمفاتح الغيب، وهي خمسة لا يعلمها إلا هو، ما يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، إلا وهو يعلمها سبحانه وتعالى. وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. فهذه المفاتيح الخمس لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فلا يستطيع أحد من الخلق أن يعلمها. وهكذا جاء عن السلف رحمهم الله أنهم يؤنبون أنفسهم ويسجرونها عن المعاصي والذنوب بتذكيرها بعلم الله عز وجل، وبإطلاع الله سبحانه وتعالى على هذا الفعل. فقد ذكر ابن رجب رحمه الله أن رجلًا أكره امرأة على نفسها، أراد أن يقع فيها أو يقع بها ويزني بها، وأمرها بغلق الأبواب، فأغلقت الأبواب. فقال لها: هل بقي باب لم يغلق؟ انتبهي لجميع الأبواب، أغلقتي جميع الأبواب؟ فقالت: نعم، أغلقت جميع الأبواب، ما بقي إلا باب واحد. قال: ما هو؟ قالت: الباب الذي بيننا وبين الله، الباب الذي بيننا وبين الله، ما يستطيع أحد أن يغلق هذا الباب. ألست تستطيع أن تحجب علم الله عز وجل عنك والطلاع الله سبحانه وتعالى عليك؟ هذا الباب لا يمكن أن يغلق. إذن هناك باب عظيم مفتوح ينبغي عليك أن تراقبه، وأن كذلك تخاف من أن يطلع عليك ويفضحك ربك سبحانه وتعالى. فلو أننا استشعرنا هذا المعنى، ما استطاع أحد منا أن ينتهك حرمات الله، ولكنه ضعف الإيمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهنا كلام غاية في الموعظة للحافظ ابن كثير، ذكره عند قول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾. يقول الحافظ ابن كثير عليه رحمة الله عند تفسيره لهذه الآية: "يخبر تعالى عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء، جليلها وحقيرها، صغيرها وكبيرها، دقيقها ولطيفها، ليحذر الناس علمه فيهم، ليحذر الناس علمه فيهم، فيستحيوا من الله حق الحياة". ولذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». إذا لم تستحي من الله فاصنع ما شئت، تصنع أي شيء لأنك ما تستحي من الله عز وجل. وهنا الحافظ يقول: فيستحيون من الله حق الحياة، ويتقوه حق تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه، فإنه تعالى يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة، يعني: وإن أظهرت أنها أمينة، فإن الله عز وجل يعلم ذلك، ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر. فإذن المؤمن يحذر من أن يراه الله عز وجل بنوايا سيئة، وبضمائر خبيثة، وبنوايا خطيرة، بل يستشعر دائمًا وأبدًا أن الله سبحانه وتعالى يعلم كل حركاته وسكناته. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. إن شاء الله خمس دقائق لمن أراد أن يتوضأ. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر