الدرس في مختصر فقه الأسماء الحسنى 67، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستهل الدرس بشرح اسم الله "الرفيق" الثابت في السنة النبوية، مستدلاً بحديث عائشة رضي الله عنها في رد النبي صلى الله عليه وسلم برفق على تحية اليهود. ويبين أن الرفق لغةً يعني اللين والتأني والتدرج، وأن الله سبحانه يتصف بالرفق في قدره وشرعه وخلقه، مشيراً إلى أن الرفق بالكفار يتنوع بين الدعوة والقتال وفق المصلحة الشرعية.
يوضح المقطع تجلي رفق الله سبحانه في خلقه للسماوات والأرض في ستة أيام مع قدرته على إنشائها دفعة واحدة رحمة بالعباد. كما يستعرض مظاهر رفق التشريع في عدم تكليف ما لا يُطاق، وتخفيف الصلوات، ورخص السفر والمرض، والتدرج في تحريم الخمر، وإمهال العاصين للتوبة.
يستعرض الدرس صور الرفق العملية في حياة المسلم مع المعسرين، والعمال، والزوجة، والأولاد، والإخوان، وفي فسخ البيع والتأني في الأمور كلها. ويؤكد أن الرفق يزين العمل ويجلب محبة الله، بينما العجلة من الشيطان وتورث الخيبة، داعياً إلى التحلي بالرفق في جميع شؤون الحياة.
يختتم المتحدث بالتأكيد على أن الله سبحانه رفيق يحب الرفق، ويوجب على المسلمين التحلي بهذا الخلق في جميع شؤونهم. ويختتم اللقاء بالشكر والدعاء بالتوفيق والسداد من الله وحده.
الحمد لله كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد في كتابه "مختصر فقه الأسماء الحسنة": قال: اسم الله الرفيق، قال: وهو من الأسماء الحسنة الثابتة في السنة. قلنا: الأسماء لا تثبت بالسنة إلا ما ثبت في الكتاب أو في السنة، فهذا الاسم دليله من السنة. قال: روى البخاري في صحيحه عن عروة عن عائشة رضي الله عنها. كيف رجل يروي عن امرأة؟ عروة عن عائشة، فهل هي من أرحامه؟ ومن يجيب؟ أندى عبد العزيز خالته، أحسن. قال: عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: استأذن رهط من اليهود، يعني جماعة، على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليك. انظر إلى عداوتهم وخبثهم ومكرهم، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: السام عليك. السام بمعنى الموت، يتمنون للنبي صلى الله عليه وسلم الموت، يريدون التلبيس؛ لأن السام قريب من السلام. صح، لمن لم ينتبه: السام قريب من السلام، ناقص اللام فقط، ناقص اللام فقط. السلام والسام قريب، فكانوا يقولون: السام عليك، يعني الموت عليك. قالت: فقلت أي عائشة: سمعت ذلك، فقلت: بل عليكم السام واللعنة. ما تحملت رضي الله تعالى عنها، وهذا من محبتها للنبي صلى الله عليه وسلم ودفاعها عنه، فقالت: بل عليكم السام واللعنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة، إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله». قلت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: قلت: وعليكم. يعني قوله: عليكم، يعني عليكم السام، السام عليك. قال: وعليكم. فهو رد عليهم عليه الصلاة والسلام بنفس الدعوة، ولكن رد عليهم برفق ولين. قد يقول قائل: الرفق واللين حتى مع الكفار؟ يقال: الرفق واللين مع الكفار بحسبه، فأحيانًا من الرفق بالكفار قتالهم، صح، وهجرهم، وكذلك عداوتهم. وقد يكون الرفق كذلك بالكلمة الطيبة، لعلهم يسلمون، لعلهم يدخلون في دين الله. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله رفيق يحب الرفق»، وقاتلهم، أخرج اليهود، وكذلك قاتل المشركين. فيفهم معنى الرفق: هذا من الرفق بهم قتالهم حتى يدخلوا في الدين. والشاهد من هذا الحديث: إن الله رفيق، ففيه إثبات هذا الاسم لله سبحانه وتعالى. قال: في الحديث التصريح بتسمية الله بالرفيق ووصفه بالرفق، لأن القاعدة كما ذكرنا: أن كل اسم متضمن لصفة، فاسم الله الرفيق يتضمن صفة الرفق. قال: وأن له من هذا الوصف أعلاه وأكمله وما يليق بجلاله وكماله سبحانه. فإثبات أهل السنة للأسماء المتضمنة للصفات يثبتونها كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وعظيم سلطانه، فلا يشبهون، ولا كذلك يحرفون، يثبتونها كما تليق بجلال الله. قال: والرفق، أي: معناه اللين والسهولة والتأني في الأمور والتمهل فيها. اللين والسهولة والتأني في الأمور والتمهل فيها، وضده العنف والتشديد. فهو مأخوذ من الرفق الذي هو التأني في الأمور والتدرج فيها. والله سبحانه رفيق في قدره وقضائه وأفعاله، رفيق في أوامره وأحكامه ودينه وشرعه. وكل هذا من رفق الله عز وجل بالخلق، أنه رفيق في قدره وقضائه وأفعاله، وهكذا في أوامره وأحكامه، ففيها من الرفق، وفيها من تناسب قدرة هذا الإنسان للقيام بها، فما فيها من التشديد، وما فيها من العنف، وما فيها من عدم القدرة، فهذا من الرفق. قال: ومن رفقه سبحانه في أفعاله أنه سبحانه خلق المخلوقات كلها بالتدرج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه، لأن من معاني الرفق كما تقدم: من معاني الرفق التدرج. فالله عز وجل خلق الخلق، أو خلق المخلوقات بالتدرج، فلم يخلقها في لحظة واحدة وهو القادر سبحانه وتعالى. وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾. هو قادر عز وجل أن يخلقها في لحظة واحدة سبحانه وتعالى، ولكنه رفيق، ومن رفقه التدرج شيئًا فشيئًا بحسب حكمته ورفقه، مع أنه قادر على خلقها دفعة واحدة بكلمته سبحانه وتعالى. فهو القائل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. قال: ومن رفق الله بعباده رفقه سبحانه بهم في أحكامه وأمره ونهيه، فلا يكلف عباده ما لا يطيقون، وجعل فعل الأوامر قدر الاستطاعة، وأسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة لهم ورفقًا بهم ورحمة. ولم يأخذ عباده بالتكاليف دفعة واحدة. أولًا: ما ذكره هنا من عدم تكليف العباد ما لا يطيقون، وهذا واضح في كثير من العبادات. فالصلاة خففها ربنا عز وجل من خمسين إلى خمس صلوات في اليوم والليل، خمس صلوات متفرقات ليست في وقت واحد. تصلي الفجر ثم تجلس طيلة النهار إلى بعد الزوال ثم تصلي الظهر، وهكذا تجلس فترة إلى أن يصير ظل الشيء مثله ثم تصلي العصر، هكذا إلى أن تغرب الشمس ويقبل الليل ثم تصلي المغرب، إلى أن يكون الشفق الأحمر فتصلي العشاء، ثم تجلس ليلًا طويلًا إلى الفجر، وهكذا. يعني لم يجعل الصلوات في وقت واحد، ولم يجعلها في أوقات متقاربة، هذا من الرفق، من رفق الله عز وجل بعباده. وهكذا في تلك العبادات، من الصلاة، من الصيام، من الحج، يسقط الله عز وجل بعض أفعالها وأحكامها وذلك لمن لم يستطع أو تشق عليه مشقة شديدة. فمثلًا في الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حسين: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب». هذا أيضًا من الرفق الذي رفق الله عز وجل به على عباده. وهكذا في الحج: «افعل ولا حرج، قدم ما شئت من أفعال اليوم العاشر، إن شئت أولًا طفت ثم رميت، وإن شئت رميت ثم طفت، وإن شئت ذبحت ثم حلقت». الأمر فيه واسع، الأمر فيه واسع. مع أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام الابتداء بماذا؟ بالرمي ثم بالحلق ثم بالطواف ثم بالذبح، هذا الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام. لكن في ذاك اليوم ما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». تسهيل من الله سبحانه وتعالى لعباده. وهكذا في غيرها من العبادات، في الطهارة، في الصيام: كنت مريضًا، كنت مسافرًا، رخصة أن تفطر ثم تقضي عليك. وكل هذا من التيسير، أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رخصة لهم ورفقًا بهم ورحمة. وكما قال عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. قال: ولم يأخذ عباده بالتكاليف دفعة واحدة، بل تدرج بهم من حال إلى حال حتى تألف النفوس وتلين الطباع ويتم الانقياد. فانظر مثلًا في تحريم الخمر، تدرج ربنا عز وجل في تحريمها، أولًا نهاهم عن شربها عند الصلاة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وهكذا إلى أن جاء التحريم. تدرج، وهكذا في غيرها من الأعمال التي شرعت بالتدريج. قال: ومن رفقه سبحانه إمهاله مرتكب الخطيئة ومقترف الذنب، وعدم معاجلته بالعقوبة، لينيب إلى ربه وليتوب من ذنبه وليعود إلى رشده. وهذا أيضًا من رفق الله عز وجل بعباده، أن العاصي لا يأخذه بعد معصيته مباشرة، يمهله، يمهله لعله يتوب، لعله يرجع. وهذا أيضًا من الرفق، رفق الله عز وجل بعباده. قال: ومن رفقه سبحانه أن دينه كله رفق ويسر ورحمة، وهذا قد تقدم معنا. وأمر عباده بالرفق، ويعطيهم على الرفق ما لا يعطي على الشدة. فمن مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يكون للمسلم حظ من الرفق، أن تكون رفيقًا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه». العمل الذي مصحوب بالرفق يكون عملًا موفقًا، عملًا مسددًا، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه». ترفق بالضعفاء، ترفق بالمساكين. ومن ذلك الرفق بالمعسر إذا كنت تطالبه بدين أو بمال، ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾. نظرة إلى أن يسر الله عز وجل، هذا من الرفق. من الرفق كذلك بالعمال أن لا تكلفهم ما لا يطيقون، أو أن تجعل العمل الكثير في الأجرة القليلة، هذا ليس من الرفق، هذا ليس من الرفق. من الرفق كذلك في الندامة والرجوع عن البيع، هذا أيضًا يعد من الرفق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أقال مسلمًا أقاله الله في الدنيا والآخرة». أقال مسلم، يعني: اشترى شيئًا ثم تراجع عن هذا البيع، فلك أن تطالب بشيء إذا تراجع عن هذا البيع، ولك ألا ترضى بفسخ هذه البيع، لكن من الرفق أن ترضى بفسخها، ومن الرفق أن تفسخ هذه البيع دون أن تأخذ مقابل. هذا من الرفق. وهكذا من الرفق مع الزوجة، من الرفق مع الأولاد. الزوجة لا تشق عليها ولا تكلفها ما لا تطيق أو ما يشق عليها، والأولاد كذلك لا تحملهم ما لا يطيقون ولا تلزمهم بما لا يستطيعون. فهذا كله من الرفق. الرفق مع إخوانك، فلا تشدد عليهم، ولا يعني تطلب منهم ما لا يقدرون عليه ونحو ذلك. فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. قال: ولا يكون في شيء من الأمور إلا زانه، ومن حرمه حرم الخير. من حرم الرفق حرم الخير. ومن جعل أموره دائمًا على الشدة وعلى المقاضاة وعلى العنت، فإنه لا يوفق إلى إتمام أموره، ولا يوفق إلى فعل الخير إلا فيما نذر. ولذلك ينبغي على كل مسلم أن يكون رفيقًا في أموره كلها وأحواله جميعها، بعيدًا عن العجلة والتسرع والتهور والاندفاع. كن رزينًا، كن رفيقًا، كن عاقلًا. لا تستخدم الشدة والعجلة والتسرع، سواء كان في أمورك الخاصة، في أمورك العائلية، في أمورك الأسرية، في أمورك الاجتماعية مع جيرانك، مع أرحامك، مع إخوانك، أو حتى في أمورك الدينية الدعوية. لا تتعجل وتتقدم العلماء في يعني اتخاذ المواقف، وإنما تتأنى، وهكذا وهكذا. لا تتعجل، لا تتسرع، لا تتهور، ولا تكون طائشًا، لا تكون طائشًا ومشعلا للفتن، وإنما كن عاقلًا، كن رفيقًا، كن متأنيًا. كل هذه الأوصاف يحبها الله سبحانه وتعالى وتعالى. قال: فإن العجلة من الشيطان، ولا يبوء صاحبها إلا بالخيبة والخسران. وصدق حفظه الله. وهذا حديث في الصحيح، ويحسن العلامة الألباني: «التأني من الرحمن، والعجلة من الشيطان». وتجد ذلك في الصحيحة. قال: وكفى بالرفق نبلا وفضلا أنه حبيب للرحمن، لأنه في الحديث: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف». هكذا جاء في الحديث. فشيء يحبه الرحمن، ألا نتصف به؟ ألا نتعامل مع بعضنا به حتى يحبنا الله سبحانه وتعالى؟ فكفى بالرفق نبلا وفضلا وشرفا أنه حبيب للرحمن. فهو سبحانه رفيق يحب الرفق، وواجبنا أن نتحلى بالرفق في شأننا كله. والله وحده الموفق، لا شريك له. نكتفي بهذا، وإلهنا الله تعالى. شكرًا لكم، شكرًا لكم.