شرح مختصر سيرة الرسول 103

شرح مختصر سيرة الرسول 103

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 103، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تمهيد لحجة الوداع وأسباب تأخر حج النبي صلى الله عليه وسلم

يستهل الشيخ الدرس بحديث جابر بن عبد الله في صفة حجة الوداع، مبيناً أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين بالمدينة لم يحج فيها لكون مكة دار كفر في ثمانٍ منها، وتفرغ للسنة التاسعة لأبي بكر. وفي السنة العاشرة أذن النبي بالحج فاجتمع نحو عشرة آلاف حاج وخرجوا من المدينة قاصدين ميقات ذي الحليفة.

المواقيت المكانية وقصة أسماء بنت عميس في الإحرام من ذي الحليفة

يذكر المقطع المواقيت الزمانية والمكانية للحج، ويسرد قصة أسماء بنت عميس التي ولدت في ذي الحليفة وأصرت على الحج، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال والاستثفار والإحرام مع ترك الطواف فقط. كما يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مسجد ذي الحليفة قبل الإحرام، ويستحب الإحرام عند صعود المكان المرتفع (البيداء).

كيفيّة الإحرام والتلبية والطواف والرمل والانتقال لمقام إبراهيم

يشرح المقطع كيفيّة الإحرام والتلبية التي سماها جابر توحيداً، واستمرارها حتى الوصول إلى البيت، ثم استلام الركن الأسود والطواف سبعاً مع التكبير والتسمية. ويوضح أن الرمل هو تقارب الخطى والمشي السريع في الأشواط الثلاثة الأولى بينما يمشي الحاج مشياً عادياً في الأربع الباقية، ثم يتوجه بعد إتمام الطواف إلى مقام إبراهيم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد: كما وعدنا أننا سنأخذ في هذا الدرس حديث جابر بن عبد الله في صفة حجة الوداع، لأن شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى لما ذكر حجة النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه "مختصر سيرة الرسول" اختصرها؛ لأن المقام لا يناسب التطويل. فأحببنا من باب الفائدة، ومن باب كذلك معرفة أحكام الحج، لا سيما وفي هذه الأيام يستعد حجاج بيت الله الحرام لأداء حج هذا العام. والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، فمن أراد أن يتابع معنا فلا بأس أن يرجع إلى صحيح الإمام مسلم، أو يبحث عن الحديث في بعض المواقع التي ربما تذكر هذا الحديث. قال: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج. ثمان سنوات لم يحج النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن مكة بلاد كفر ولم تفتح بعد، فلم يستطع عليه الصلاة والسلام الحج. وأما في السنة التاسعة فقد كما مر معنا في السيرة أمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه أن يحج بالناس، وعرفنا السبب في عدم حج النبي عليه الصلاة والسلام في هذه السنة. قال: ثم أذن في الناس بالحج في العاشرة، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حج. ومعنى "أذن" يعني أعلم الناس؛ الأذان في اللغة يأتي بمعنى الإعلام. "وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً" أي أعلمهم بذلك. ففي هذه السنة، السنة العاشرة، أعلم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الناس أنه سيحج هذا العام. قال: فقدم المدينة بشر كثير. فاجتمع المسلمون الذين هم قريبون من المدينة في المدينة، ومن كان بعيداً من المدينة وقريباً من مكة لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة، وكان عددهم جميعاً قرابة عشرة آلاف، عشرة آلاف حاج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فخرجنا معه -أي من المدينة- حتى إذا أتينا ذا الحليفة، وهي تبعد شيئاً قليلاً من المدينة، وهي ميقات أهل المدينة. فكما تعلمون أن الحج له مواقيت زمانية ومواقيت مكانية. فالمواقيت الزمانية تبدأ من شهر شوال وذي القعدة والعشر من ذي الحجة، وأما المواقيت المكانية فلكل أهل بلد ميقات، فميقات أهل المدينة ذو الحليفة. قال: حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر. وانظروا إلى همة النساء؛ ما قالت: هذا شهر ولادتي فليس من المناسب أن أخرج للحج، بل خرجت رضي الله تعالى عنها محبة في الخير، وكذلك إدراكاً للحج مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ مع أن المدينة قريبة منها، ومع هذا لم يثنها هذا الأمر على ترك الحج مع النبي عليه الصلاة والسلام، فسألت: كيف أصنع؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «اغتسلي واستثفري». ومعنى «استثفري» أي اجعلي ثوباً بين فخذيك، وشدي فرجك، بمعنى: تحفظي، اجعلي شيئاً يحفظ خروج الدم منك. وافعلي ما يفعل الحاج من الإهلال ومن ذكر الله إلا الطواف؛ فيحرم على الحائض، فيحرم على الحائض والنفساء. قال: «اغتسلي واستثفري بثوب، وأحرمي». صح؟ قال: بثوب، وأحرمي. أحرمي بالحج. قال: فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، يعني مسجد ذي الحليفة، والآن ولله الحمد فيه مسجد كبير، وفيه كذلك أماكن للوضوء والاغتسال مرتبة وواسعة ومهيأة لمن أراد الإهلال منه. قال: فصلى رسول الله عليه وسلم في المسجد. وهذا فيه أن الأفضل لمن أراد الإحرام من ذي الحليفة أن يكون بعد صلاة؛ فإن كانت فريضة صلى الفريضة ثم أحرم، وإن لم تكن فريضة -مثلا جاء وقت الضحى- صلى الضحى وأحرم، أو توضأ واغتسل يصلي ركعتين ثم يحرم. لكن هذه الصلاة لا تسمى صلاة الإحرام؛ لا، ليس هناك صلاة للإحرام، لأن الحديث ما جاء أنه صلى ركعتين خاصتين، فيحمل على أنه صلى رسول الله سلم في المسجد أي صلاة فريضة أو صلاة نافلة -مثلا صلاة الضحى أو نحو ذلك، أو تحية المسجد، أو ركعتي الوضوء أو نحو ذلك- فيصلي ثم بعد ذلك يحرم. قال: فصلى الرسول عليه وسلم في المسجد، ثم أركب القصوى -أي ناقته، كانت تسمى القصوى- حتى إذا استوت به ناقته على البيداء. والبيداء هو المكان المرتفع، ولذلك استحب العلماء أن المحرم يحرم عندما يصعد إلى سيارته، أو إذا كان في الباص في الباص إذا ارتفع وجلس يبدأ بالإحرام. قال: حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهل بالتوحيد، فيقول مثلاً: «لبيك اللهم عمرة متمتعاً بها إلى الحج» هذا لمن كان متمتعاً، أو من كان مفرداً أو قارناً يقول: «لبيك اللهم حجاً». ثم بعد ذلك يشرع في التلبية؛ لأنه قد دخل في الإحرام، فيقول كما قال: أهل بالتوحيد. وانظر كيف أن جابراً رضي الله تعالى عنه سمى التلبية توحيداً؛ لأن جميع ألفاظها تدل على التوحيد. «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». فـ «لبيك» أي إجابة بعد إجابة لك يا رب؛ لأنه لا شريك لك، فأنت الواحد في ربوبيتك، وفي ألوهيتك، وفي أسمائك وصفاتك. ثم كذلك وحد الله في نسبة النعمة: «إن الحمد والنعمة لك والملك»، فكل ما بالعبد من نعم فمن الله وحده، لا شريك لك. فالتلبية كلها توحيد، ولذلك سماها جابر توحيداً. قال: حتى إذا أتينا البيت معه -يعني يستمر في التلبية حتى إذا دخل البيت أو رأى الحرم يقطع التلبية، يقطع التلبية هذا إذا كان متمتعاً، إذا كان متمتعاً-. قال جابر: «لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة». يعني كانت نيتهم الحج، وما كانوا يعرفون العمرة، فلم يخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن طاف بالبيت كما سيأتي. قال: حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، وهو الركن الذي فيه الحجر الأسود. فأول ما يأتي الحاج أو المعتمر يستلم الركن. فطاف سبعاً، يعني يسمي الله في أول طواف: «بسم الله»، ثم يكبر في كل طواف كلما أتى إلى الحجر، فيستلم إن استطاع، أو يشير إليه بعصا ونحوه، ثم يقبل هذه العصا إن استطاع، وإلا يشير إشارة. وهذا يفعل أكثر الناس اليوم لكثرة الزحام، فتكفي الإشارة، وليس بواجب أن تستلم الركن، ليس بواجب وإنما هو مستحب لمن استطاع ذلك بدون أذية ولا ضرر بالناس ولا ضرر بنفسه، فله أن يستلم، لكن إذا لم يستطع فليس بواجب ولا حرج عليه. فيسمي الله في أول استلام له، ثم يكبر، ثم يجعل البيت عن يساره، ويشرع في الطواف. كل ما جاء عند الركن يعد شوطاً واحداً، وهكذا إلى أن يتم سبعة أشواط. قال: فطاف سبعاً، فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً. وهذا الرمل خاص بالقادم أول ما يأتي إلى الحرم للطواف، سواء كان طواف الحج أو طواف العمرة، فيستحب له في الأشواط الثلاثة أن يرمل. يعني الرمل هو كثرة أو تقارب الخطى، تقارب الخطى يعني المشي بسرعة، المشي بسرعة. وأما في بقية الأطوفة الأربعة فإنه يمشي مشياً عادياً دون رمل. قال: ثم تقدم إلى مقام إبراهيم بعدما انتهى من الطواف سبع