الدرس في أخطاء المصلين 59، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بيّن الشيخ أن تحديد العزاء بثلاثة أيام يخالف السنة النبوية، مستدلاً بتعزية النبي ﷺ لآل جعفر بعد ثلاثة أيام، وأن التعزية دعاء وصبر لا تُقيد بوقت. كما أنكر الاجتماع للتعزية في دور أو خيام معتبراً ذلك من النياحة المكروهة تحريماً عند الشافعية، مستشهداً بحديث جرير بن عبد الله.
التعزية مشروعة في أي مكان ولا تختص باجتماع أهل الميت في بيتهم، ونُهي عن المآتم وهي تجمعات التعزية المصحوبة بتكلف الطعام والذبائح من أهل الميت لأنها تجدد الحزن وتكلف المؤنة، والسنة أن يصنع الطعام لأهل الميت لا أن يصنعوه هم للواردين.
السنة أن يصنع الأقارب أو الجيران الطعام لأهل الميت لشغلهم بالمصيبة كما فعل النبي ﷺ مع آل جعفر، وأقره الإمام الشافعي. يستثنى من ذلك ضيافة المعزين القادمين من بعيد وقت الطعام فيجوز لأهل الميت صنع الطعام لهم إكراماً. وحُذر من عادة إعداد كميات كبيرة من الطعام للنساء والجيران مع الذبح والطبخ الجماعي لأن ذلك مما نُهي عنه شرعاً، وخُتم الدرس بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فمن أخطاء الجنائز في التعزية: تحديدها بثلاثة أيام لا يتجاوزها، وهذا خلاف السنة. فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه عزّى آل جعفر بعد ثلاث في غزوة مؤتة، لما استشهد الأمراء ومنهم جعفر بن أبي طالب، فعزّى النبي صلى الله عليه وسلم آل جعفر بعد ثلاث. الحديث رواه الإمام أحمد وهو حديث صحيح. قال العلماء: لأن الغرض من التعزية الدعاء والحمل على الصبر والنهي عن الجزع، وذلك يحصل مع طول الزمان، فلا يحدد وقت العزاء بأيام معينة، بل إذا تيسر للمسلم أن يعزي أخاه في أي وقت كان فعلى ذلك. وهكذا ما يحصل اليوم من إقامة أيام معينة للعزاء فهذا خلاف السنة. وكذلك من أخطاء الجنائز في التعزية: الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو الخيام أو نحو ذلك، فهذا أيضاً مما يخالف السنة. لحديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كنا نعد أو نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة». قال الإمام النووي رحمه الله تعالى كما في المجموع: «وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف يعني الشرازي وسائر الأصحاب على كراهته، ويريدون بالكراهة هنا الكراهة التحريمية». قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية. قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم. التعزية لا تخصص بمكان دون مكان، أي مكان وجدت فيه صاحب الميت عزيته: في المسجد، في المقبرة، في الشارع، في السوق، في أي مكان تعزيه، ولا يجتمع أهل الميت للتعزية في بيت ثم يأتي الناس ويقصدون ذلكم صاحب الميت. هذا مما جاء النهي عنه كما سمعت في حديث جرير بن عبد الله، وهذا هو مذهب الشافعي وأصحابه، مذهب الإمام الشافعي وأصحابه. قال الإمام الشافعي وهو الكلام الذي أشار إليه النووي في كتاب الأم: قال الإمام الشافعي في كتاب الأم: «وأكره المآتم وهي الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر» يعني من الحديث الذي ينهى عن ذلك. فهذه المآتم هي الاجتماع عند موت الميت، والإتيان بالمآكل، لربما الذبائح، بعض المناطق ربما كل يوم، كل يوم وهم في ضيافة، وهم في قدح وذبح وتكلف وطعام وشراب، فلربما جعلوا الموت كوليمة العرس، يعني يطبخون الأكياس الكثيرة، فهذا خلاف السنة، بل هذا مما جاء النهي عنه كما سمعت أيضاً في حديث جرير بن عبد الله رضي الله تعالى عنه. والسنة أن الضيافة أو صنع الطعام إنما يكون على غير أهل الميت. فمن أخطاء الجنائز أيضاً: اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء، كما جاء النهي عن ذلك في حديث جرير. والسنة أن يصنع أقرباء الميت أو جيرانه لأهل الميت طعاماً يشبعهم، لا أن يطبخ أهل الميت ويضيفون الجيران ومن قدم إليهم للعزاء. فقد جاء في حديث عبد الله بن جعفر رواه أبو داود والترمذي ويحسنه العلامة الألباني: أنه لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه حين قُتل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم أو فقد أتاهم أمر يشغلهم». فهذه هي السنة، هذه هي السنة. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في كتابه الأم: «وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعمل لأهل الميت في يوم يموت أو في يوم موته وليلته طعاماً يشبعهم، فإن ذلك سنة وذكر كريم، وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا». انتهى كلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى. فهذه هي السنة. لكن مثلاً كما ذكر ذلك بعض أهل العلم: إذا نزل معزون من مناطق بعيدة وجاء وقت يعني وجبة غداء أو نحوه، فلا بأس من باب إكرامهم أن يصنع لهم الطعام ولو من أهل الميت، لأن حكمهم حكم الضيف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، فليكرم ضيفه. فإن كانوا موجودين من غير أن يعني يدعون، ومن غير أن يتكلف أهل الميت بتعمد جلوسهم، وإنما جلسوا، فرأى أهل الميت أن من واجبهم استضافة هؤلاء، فلا بأس حينئذ أن يصنع لهم الطعام، لكن من أماكن بعيدة. أما أن يصنع الطعام للجيران ولأهل البلد، ويأتي هذا من هنا وهذا من هناك، ويجتمع النساء، وقدح وطبخ وذبح ونحو ذلك، فهذا مما جاء النهي عنه كما سمعت. نكتفي بهذا اليوم، وإلى هنا، والله أعلم. شكراً.