الدرس في شرح أحاديث فضائل وآداب الصيام 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ويزداد جوده في رمضان عند مدارسة جبريل له القرآن، ويستدل العلماء بذلك على استحباب زيادة الطاعات والقربات في رمضان لتضاعف الأجور.
يحث النبي صلى الله عليه وسلم على إفطار الصائمين في رمضان، مبيناً أن من فطر صائماً فله مثل أجره دون نقص، ويؤكد على أهمية الجود والإنفاق حتى بالقليل، مستشهداً بأحاديث تحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو فرسن شاة.
يُبيّن المقطع أن جبريل كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل ليلة في رمضان، وهي سنة نبوية يُستحب الاقتداء بها بحلقات المراجعة والتصحيح، كما أن رمضان شهر نزول القرآن، فكان السلف يُقبلون عليه ويتركون سواه.
يعتذر المحاضر عن دروس يومي الأحد والإثنين لارتباطه بخروج دعوي، على أن يستأنف الدروس يوم الثلاثاء بإكمال ما تبقى من كتاب التوحيد وطرح بعض أحاديث الأخلاق والآداب.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ففي الدرس الماضي أخذنا حديث أبي هريرة في الصحيحين. من حفظ الحديث؟ هل أحد حفظ الحديث؟ حديث أبي هريرة في الصحيحين؟ نعم، هل من حافظ؟ هل من قارئ؟ نعم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به. الصوم جنة، فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم. ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك. وللصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقائه ربه». طيب، حديث اليوم حديث أيضًا في الصحيحين، من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم... قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة. هذا الحديث يبين فيه ابن عباس حال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رمضان، فكان من خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه كان جوادًا، والجود هو البذل والعطاء والسخاء والكرم، فكان عليه الصلاة والسلام من أخلاقه الكرم والجود، فكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان يعطي من الإبل ما بين الجبلين عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على كرمه. لكن في رمضان يزداد جوده وكرمه، فكان عليه الصلاة والسلام أجود ما يكون في رمضان. لماذا؟ قال العلماء: لشرف الزمان، لشرف رمضان، فإن رمضان تتضاعف فيه الأجور، فلذلك استحب العلماء أنه في مواسم الطاعات وفي مواسم القربات يزداد المسلم طاعات وقربات. يزداد، إن كان في غير رمضان يتصدق في اليوم بألف ريال، ففي رمضان يتصدق بعشرة آلاف، بعشرين ألفًا، إن كان مستطيعًا. إن كان في رمضان... إذا كان في غير رمضان يصلي الوتر فقط ثلاث ركعات أو خمس ركعات، ففي رمضان يصلي إحدى عشرة ركعة، يزيد في العبادة. إن كان في غير رمضان يقرأ جزءًا من القرآن، ففي رمضان يقرأ ثلاثة أجزاء، يقرأ أربعة أجزاء. فهذا دليل... الحديث دليل على أن المسلم في رمضان يزداد طاعة وقربة، لأنه شهر فاضل، لأنه شهر فاضل تتضاعف فيه الأجور والحسنات. ولذلك حث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في رمضان على إفطار الصائمين، وهذا من الجود، وهذا من الجود، كما في حديث خالد بن زيد الجهني، قال عليه الصلاة والسلام: «ومن فطر صائمًا كان له مثل أجره، لا ينقص من أجر الصائم شيء». يعني إذا فطرت صائمًا، ما هو ثوابك؟ ما هو جزاؤك؟ ثوابك وجزاؤك أن لك مثل أجر الصائم، أن لك مثل أجر الصائم. وأجر الصائم ما هو؟ جعله الله عز وجل لنفسه، أي أنه أجر عظيم: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، وأنا أجزي به». فإذن هذا الحديث دليل على أن المسلم يكثر في رمضان من الإطعام ومن الإنفاق ومن الجود، ويكون له حظ ونصيب من ذلك إن استطاع، إن كان من أهل اليسار أو من أهل الغنى. ولو أن يتصدق بشيء يسير، لا يشترط أن تتصدق بشيء كثير. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئًا». ولما خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس لما رأى مضر في حالة يرثى لها، قال: «تصدق رجل من ديناره، وتصدق رجل من درهمه، وتصدق رجل من صاع بره، بصاع شعيره، تصدق ولو بشق تمرة». هكذا يقول: «ولو بشق تمرة»، يعني ليس تمرة كاملة، نصف تمرة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا معشر النساء، لا تحقرن جارة لجارتها، أو تصدقن ولو بفرسن شاة، بفرسن شاة»، يعني بالعظام، نسميها عندنا الكراعين، العظام، هذه شيء يسير، ربما فيها لحم يسير فقط، ومع هذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة. فأنت إذا رأيت من هو محتاج فتصدق عليه، ولو بشيء يسير، ولو بشيء من الخبز، أو بشيء من الفواكه، أو بشيء من كذلك الشربة، أو ما هو معمول عندنا من... والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي ذر: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك». وأنتم في هذا المركز، الطلاب جيران، تعتبرون جيران، كل واحد ينام بجانب الآخر، كل واحد جار للآخر. فإذا طبختم شيئًا لا تستأثروا به على أنفسكم، إن وسع الله عليكم، خصوصًا في رمضان، فتصدقوا على إخوانكم، أعطوا هذا وأعطوا هذا، اعملوا شربة، اعملوا أكلًا خاصًا وكذا، فلا بأس أن تزيدوا شيئًا وتتصدقوا على إخوانكم، فهذا فيه فضل وأجر عظيم، فيه فضل وأجر عظيم، كما سمعت. فهذه من أخلاق نبينا عليه الصلاة والسلام، يقول ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن. يعني في هذا الجود والكرم، وفي رمضان... بل جاء في بعض الأحاديث: وذلك في كل ليلة، أن جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيدارسه القرآن. وجاء في لفظ: «يعارضه القرآن». قالوا: معنى المدارسة والمعارضة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، وجبريل عليه السلام يصحح ويستمع للنبي عليه الصلاة والسلام. واستدل العلماء بهذا الحديث أيضًا على مدارسة القرآن في رمضان، لا بأس أن تفعلوا حلقات القرآن في رمضان لتصحيح القراءة مثلًا، أو لتصحيح الحفظ، تأتي تريد أن تتقن حفظك فتشترك في مسابقة، أو تتفق مع زميل لك تقرؤون مع بعض، في اليوم ثلاثة أجزاء، أربعة أجزاء، خمسة أجزاء، أنت من حفظك وهو من حفظه. هذه سنة نبوية، كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفعلها مع جبريل عليه السلام، وكان يأتي جبريل فيدارس نبينا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم القرآن، القرآن. وهذا فيه أيضًا فضل قراءة القرآن في رمضان والإكثار منه والإكثار من ذلك، فإن رمضان شهر القرآن، لأن القرآن أنزل متى أنزل؟ في رمضان، كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾. ولذلك كان بعض السلف إذا دخل رمضان يتركون التحديث، ويقبلون على القرآن، يقبلون على القرآن. فلو اشتغلت يا طالب العلم في رمضان بالقرآن وحده فأنت على هدي سلفك الصالح. لا يشترط في رمضان أن تكون لك دروس علمية، أو أن تكون لك كذلك مراجعة في الدروس العلمية. لو تفرغت في القرآن، وحفظ القرآن، وتدبر القرآن، ومراجعة القرآن، فهذه سنة نبوية، ومن هدي السلف الصالح، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله. نعم، ثم قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ». أي: هي الريح المرسلة. الريح المرسلة هي الريح التي تأتي بالخير، الريح المرسلة هي الريح التي تأتي بالخير، فإما أنها تأتي بالمطر، بعض الريح تأتي بالمطر، وما قال الله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، قبل ما تأتي المطر تأتي الرياح الباردة، ثم بعدها يأتي المطر. فالنبي صلى الله عليه وسلم، شبه ابن عباس جود النبي صلى الله عليه وسلم في إكثار ما يطعم أو ما ينفق، وفي كثرة ذلك، بالرياح التي ترسل في الخير، بالرياح التي ترسل في الخير، وهو من التشبيه البليغ، من التشبيه البليغ. طيب، نكتفي اليوم بهذا الحديث، لعل بعضكم يريد أن يذهب إلى الندوة أو الدورة، والباص قد جاء هنا، فنكتفي بهذا اليوم. وإلى هنا والله تعالى أعلم. أما يوم الأحد والإثنين فأنا أعتذر عن الدروس لأن معي خروج دعوي، ولكن نستأنف إن شاء الله يوم الثلاثاء بإذن الله، نكمل ما بقي من كتاب التوحيد، ونأخذ ما تيسر من أحاديث الأخلاق والآداب. إلى هنا والله تعالى أعلم.