باب الصبر من رياض الصالحين 36

باب الصبر من رياض الصالحين 36

الدرس في باب الصبر من رياض الصالحين 36، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

علاج الغضب بالاستعاذة من الشيطان الرجيم

يستعرض المقطع حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه حيث أرشد النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً غاضباً إلى قول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ويبين أن الغضب من كيد الشيطان وأن الاستعاذة بالله تذهب أثره وتهدئ النفس الساخطة.

أسباب علاج الغضب ودفعه من السنة النبوية

يذكر المقطع أسباباً نبوية متعددة لعلاج الغضب كالتعوذ بالله، وتغيير الهيئة بالجلوس أو الاضطجاع، والصمت عن الكلام. ويشير إلى نفع الوضوء طبياً في تهدئة ثوران الغضب وسكنة الجأش.

تجنب مثيرات الغضب والصبر عند الاستثارة

يبيّن المقطع أن من أهم علاجات الغضب اجتناب مواطن الإثارة والأسباب المؤدية إليه، مستدلاً بقول النبي ﷺ «لا تغضب» بمعنى تجنب أسبابه لا كتمان الغضب فحسب. ويؤكد أن الصبر عند الاستثارة وكظم الغيظ دليل قوة وعزيمة، وأن من يملك نفسه عند الغضب هو الشديد الحقيقي الفائز بالأجر.

خاتمة الدرس وفضيلة الصبر عند الغضب

يختتم المقطع بشرح الحديث الدال على فضيلة الصبر عند الغضب، ويعلن الاكتفاء بهذا القدر من الشرح مع تفويض العلم لله تعالى. ويشير في ختامه إلى أن الترجمة من عمل نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه "رياض الصالحين"، في باب الصبر، الحديث الثاني والعشرون: وعن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ذهب عنه ما يجد". فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تعوذ بالله من الشيطان الرجيم". متفق عليه. فهذا الحديث يبين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أدباً وسبباً من أسباب التخلص من الغضب. فلما رأى هذين الرجلين قد اختصما، فسب أحدهما الآخر، وأحدهما من شدة الغضب احمر وجهه؛ لأن الغضب عبارة عن فوران وغليان الدم ونحو ذلك، فيظهر أثر ذلك على جسد الغضبان. فهذا الغضبان احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، والأوداج: العروق التي في جنبتي الرقبة، فهذه انتفخت من شدة الغضب. فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل، قال: "إني لأعلم كلمة"، والمراد بالكلمة هنا جملة، ليست كلمة واحدة؛ لأن في لغة العرب تطلق الكلمة أيضاً على الجمل الكثيرة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾. فهنا قال: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد"، يعني: يذهب غضبه، يذهب غضبه إذا قال هذه الكلمة. ما هي؟ "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". لأن الغضب من الشيطان، الشيطان يفرح عندما يغضب المسلم؛ لأنه كما تقدم، لربما إذا غضب الشخص لا يتمالك نفسه، فيتصرف تصرفات تضره، تضره هذه التصرفات، وهذا مما يفرح به الشيطان. فلذلك التخلص من هذا الغضب: أن تلتجئ إلى الله عز وجل من شر هذا الشيطان، فتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. فَالاستعاذة من أعظم أسباب رد كيد الشيطان، رد كيد الشيطان. وفي هذا الحديث، كما تقدم، سبب من أسباب دفع الغضب، ومن أسباب علاج الغضب، وهو التعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وهناك أسباب أخرى ثبتت بها السنة من أسباب دفع الغضب وعلاجه، فمن ذلك: أن العبد إذا كان قائماً أو كان جالساً، فليجلس إن كان قائماً، وليضطجع إن كان جالساً، يعني: يهدأ، لا يعمل بالغضب. ومن أسباب عدم العمل بالغضب: أن تحبس نفسك، إذا كنت قائماً اجلس، فالجلوس يعينك على عدم الاستمرار في الغضب، أو عدم التمادي في الغضب. ودليل ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه، وصححه العلامة الألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". فهذا أفضل علاج. وكذلك مما يعين على دفع الغضب وعلاج الغضب، وهذا أيضاً من السكون والطمأنينة: أن يسكت، يسكت العبد عند الغضب، لا تتكلم؛ لأنك ربما تتكلم بكلام تندم عليه. فجاءت السنة بصمت، أسكت، لا ترد ولا تتكلم بشيء حتى لا تخرج عن صوابك. ودليل ذلك أيضاً ما جاء عند الإمام أحمد، وصححه العلامة الألباني في "الصحيحة"، من حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "علموا ويسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت، وإذا غضب أحدكم فليسكت". فالغضب يحتاج إلى هدوء، ويحتاج إلى ضبط النفس، فالجلوس والاضطجاع والسكوت، هذا من أعظم أسباب دفع الغضب. وذكر بعض أهل العلم -وإن كان الحديث لا يثبت به- الوضوء عند الغضب، ورد في ذلك حديث لكنه ضعيف، لكن ذكر أهل الطب أن الوضوء عند الغضب نافع؛ لأن الغضب كما تقدم هو ثوران، وهو بركان يكون في جسم الإنسان، فالماء يطفئ هذا البركان ويخمد هذا البركان، بركان الغضب. فأثبت ذلك الأطباء، وأنه نافع. فإن استطعت عند الغضب أن تغتسل أو أن تتوضأ، فهذا أيضاً أمر، وإن لم يثبت به الحديث، لكن ثبت بالواقع والطب أنه نافع، فلا بأس للشخص أن يفعل ذلك لما ثبت في الطب الحديث ونحو ذلك. فإذن، بارك الله فيكم، الغضب بلاء عظيم، الغضب بلاء عظيم، ينبغي على المسلم أن يجتنبه. وأيضاً ذكروا من أسباب دفع الغضب وعلاجه: تجنب أسبابه ومهيجاته، يعني: لا توقِع نفسك في مواطن الإثارة، إثارة الغضب. إذا علمت مثلاً أنك إذا ذهبت مكان كذا، أو إذا خاطبت فلاناً سيغضبك، أو سيتكلم بكلام لا تصبر عليه، فلا تذهب، ولا كذلك تجلس في مجالس هيجان الغضب، هيجان الغضب. ودليل ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: أوصني، قال: "لا تغضب". هو الآن ليس غضبان، هو هذا الرجل لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، هل هو غضبان؟ لا، ما هو غضبان، حتى يقول: "لا تغضب". إذن ما معنى "لا تغضب"؟ قال أهل العلم: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا تغضب"، أي: اجتنب أسباب الغضب، اجتنب أسباب الغضب، خصوصاً من كان في سن متقدم، فوق الخمسين، وكذا ربما الغضب هذا يضره ضرراً بالغاً، يرتفع عليه ضغط أو سكر أو شيء من هذه الأمراض، عاذنا الله وإياكم منها، فيضر بنفسه، فيجتنب، يجتنب، يجتنب، لا يبالي بالأشياء التي لربما تغضبه، يتجاهلها، ولا يتعرض لها، ويبتعد عنها. فإذا كان كذلك، سلمه الله بإذنه سبحانه وتعالى من الغضب وهيجان الغضب ونحو ذلك. فهذه بعض الأسباب التي ذكر أهل العلم في دفع الغضب وعلاجه. وذكر المؤلف هذا الحديث، حديث سليمان بن صرد، في باب الصبر؛ لأن الإنسان إذا استُغضب، يجب عليه أن يصبر، ما يعني: يتمادى مع الغضب، لا، يصبر، ويتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فهذا العبد إذا فعل هذا، فإنه يؤجر، يؤجر على صبره، وعلى كظمه، كما سيأتي معنا في الحديث الذي بعد هذا: كظمه للغضب والغيظ ونحو ذلك. فيصبر نفسه، لا تظن يا عبد الله أنك إذا لم تتمادَ مع الغضب أنك ضعيف، وأنك لا رجولة فيك، أو نحو ذلك، بالعكس، بل هذا دليل، كما مر معنا، على قوتك، وعلى كذلك عزمك وحزمك، كما مر معنا في الحديث المتقدم: "ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". يملك نفسه عند الغضب، هذه هي حقيقة الشدة، وحقيقة النصر: أن تملك نفسك، أن تنتصر على هذه النفس، ولا تتبعها هواها، ولا تتمادى وراءها. فهذا الحديث يدل على ذلك: الصبر عند الغضب. بهذا نكتفي، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر