الدرس في باب المراقبة من رياض الصالحين 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع كيف طلب كل من الأبرص والأقرع والأعمى ما يرغب فيه، فاختار الأول جلداً ولوناً حسنين، والثاني شعراً حسناً، بينما اقتصر الأعمى على البصر فقط. دعا الملك بالبركة في أموالهم فصار لكل منهم وادٍ من الإبل والبقر والغنم، ثم عاد الملك إليهم بصورته الأولى ليختبرهم.
يحكي المقطع قصة أبرص شُفي وأُغني، ثم امتحنه ملك في صورة مسافر فقير يطلب بعيراً واحداً، فبخل الرجل وأنكر نعمة الله زاعماً أن المال موروث. ذكر الملك حاله السابق من الفقر والبرص ليبين جحوده لنعمة الله.
اختبر ملك من الملائكة ثلاثة رجال: أبرص وأقرع وأعمى، فأنكر الأولان نعمة الله عليهما وزعما أنها ميراث، فدعا عليهما الملك. بينما أقر الأعمى بنعمة الله وشكرها وبذل ماله طيبة به نفسه، فأخبرهم الملك أن هذا ابتلاء، فرضي الله عن الأعمى وسخط على صاحبيه.
أشار المحاضر إلى أن الحديث يحتوي على فوائد كثيرة، لكنه أنهى الدرس لضيق الوقت مع وعد بشرح بعضها في الدرس القادم. واختتم بالتأكيد على علم الله تعالى، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، مازلنا في حديث الثلاثة: الأبرص والأقرع والأعمى. جاء في الحديث أيضاً أن هذا الملك أتى إلى الأقرع، والأقرع قلنا: هو الذي فقد شعره، فلم يكن فيه شعر في رأسه. فأتى هذا الملك عند ذلك الأقرع، وقال له: أي شيء أحب إليك؟ فلا شك أن هذا الأقرع قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس به. فمسحه، فمسحه، فأعطي شعراً حسناً. وقيل له: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر. فأعطي بقرة حاملة، وقال له: بارك الله لك فيها. ثم أتى الأعمى هذا الملك، فقال له: أي شيء أحب إليك؟ فقال: أن يرد الله بصري فأبصر به الناس. وانظر الفرق بين الثلاثة في طلب كل واحد، فإن الأعمى لم يسأل إلا بصراً يبصر به الناس فقط. أما الأبرص فقد سأل أكبر من الحاجة التي يحتاجها، فالأبرص قال: جلداً حسناً ولوناً حسناً. ما قال: أريد جلداً فقط، بل أراد جلد حسن ولون حسن، ليس أي لون، فهذا زاد عن حاجته. وهكذا الأقرع، ماذا قال؟ قال: شعراً حسناً. فليس مجرد شعر، وإنما أراد شعراً، وهذا شعر طيب، شعر جميل، شعر أملس، هذا معنى قوله: شعراً حسناً. وأما الأعمى فطلب فقط ما يحتاجه: بصر أبصر به الناس. ما زاد على هذا، ما قال: أريد بصراً قوياً، أريد بصراً حسناً، وإنما قال: بصر أبصر به الناس. وأيضاً انظر إلى قناعة هذا الأعمى، فلما قيل له: أي المال أحب إليك؟ ماذا قال؟ قال: الغنم. قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا من زهده، لأن الغنم ليست كالإبل والبقر، الإبل أكبر وأطيب، وهكذا البقر أكبر، فهذا يدل على زهده إذ طلب الغنم. وقوله: أي قول الملك لكل واحد: بارك الله لك فيها. البركة هي بمعنى النمو والزيادة، النمو والزيادة بمعنى أن الله عز وجل بارك الله لكل واحد في هذا الشيء، في هذا المال الذي طلبه. ولذلك جاء في الحديث أن كل واحد منهم صار له واديا من إبل، واديا من بقر، واديا من غنم. وهذا من دعاء هذا الملك بالبركة لكل واحد منهم، لكل واحد منهم. ثم وهم في هذه الحال من الصحة ومن الرغد في العيش، أتاهم هذا الملك على صورته وهيئته، أي على صورة الأبرص أولاً البدنية وهيئته الرثة، ولباسه لباس الفقير. يعني يعني أتاه بالهيئة التي كان عليها الأبرص قبل شفائه وقبل غناه، فكان مريضاً أبرص، وكان فقيراً معدماً. فهذا الملك أتاه على هذه الصورة وهذه الهيئة التي كان عليها هذا الأبرص قبل غناه، فقال له: إني رجل فقير وابن سبيل، يعني مسافر، قد انقطعت بي الحبال، أي الأسباب، الحبال الأسباب، لأن الحبل يراد به السبب. نعم، ﴿ فليمدد بسبب إلى السماء ﴾، أي بحبل، بحبل. فقال له: قطعت بي الحبال، أي الأسباب في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك. ومعنى لا بلاغ: أي لا أستطيع أبلغ إلى ما أريد من بلدي إلا بالله عز وجل، بما يعينني عليه وما يوفقني إليه، ثم بك لأنك تستطيع أن تعينني، تستطيع أن تعينني. فتوسل إليه بذكر حاله أنه فقير، وأنه ابن السبيل مسافر، وأن الأسباب التي توصل إلى أهله قد انقطعت به، وأنه لا يبلغ إلى أهله إلا بالله ثم به. فقال له: أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن والمال بعيراً أتبلغ به في سفري. ما قال: أريد عشر أو عشرين، قال: أريد بعير واحد فقط، بعير واحد، يعني يكون سبباً في حملي وفي استمراري في سفري وبلوغي إلى أهلي. أريد يعني جمل واحد من هذا الوادي المليء بالإبل، من هذا الوادي المليء بالإبل. فماذا رد عليه؟ رد عليه هذا بكل جحود، قال: «الحقوق كثيرة». يعني هذا المال علي فيه حقوق، وهو لا شك أنه كاذب في ذلك، وإنما أراد التنصل عن إعطاء هذا المال، فبخل بذلك مع أن له واديا من الإبل. فقال: الحقوق كثيرة، وهو في الحقيقة لا يؤدي شيء منها لأنه كاذب، لأنه من الحقوق التي عليه حق المسافر المنقطع. فلو كان حقاً وصدقاً يؤدي حقوقاً لأدى حق هذا المسافر المنقطع المحتاج، ولكنه كاذب في ذلك، كاذب في ذلك. فاعتذر لهذا الرجل. فهذا الملك ذكره بما كان عليه من قبل، فقال لهذا الأبرص: قد كنت أعرفك، ألم تكن أبرص لا جلد لك، يقذرك الناس، يعني يبتعد عنك الناس ويتقذرون منك، فقيراً ما عندك شيء، فأعطاك الله المال وأعطاك اللون الحسن والجلد الحسن. فهذا الرجل أنكر نعمة الله عليه، أنكر نعمة الله عليه. فماذا رد على هذا الملك؟ قال له: «إنما ورثت المال كابرا عن كابر». يعني هذا المال لم يأتني هكذا ابتداء، رزقت به هكذا دون سابق إرث، وإنما هذا المال خلفه لأجدادي وآبائي، ورثه ورث، وليس أعطي إلي ابتداء. إنكار لنعمة الله عز وجل عليه. فدع عليه الملك، وقال له: «إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت»، يعني صيرك الله إلى الفقر والبرص، إلى الفقر والبرص. يقول الشيخ ابن عثيمين عند شرحه لهذا الحديث: والذي يظهر أن الله استجاب دعاء الملك، أن الله استجاب دعاء الملك، وإن كان دعاء مشروطاً، لكن هذا الرجل كاذب بلا شك، فإذا تحقق الشرط تحقق المشروط. وهكذا أتى عند الأقرع، وذكر له مثل ما ذكر للأبرص، فأنكر كذلك الأقرع، وقال: ورث ذلك كابر عن كابر، فدع عليه الملك. وأما الأعمى، فلما جاء إليه هذا الملك، وقال له: قد كنت أعمى، فرد الله. وقال له: أسألك بعيراً، أسألك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال له هذا الأعمى شاكراً نعمة الله عليه: قد كنت أعمى، فرد الله علي بصري، وكنت فقيراً فأعطاني الله المال. وهذا هو الاعتراف بالنعمة، الاعتراف بالنعمة والإقرار بها وأنها من الله. قال: فأعطاني الله المال. فهذا الأعمى أقر بنعمة الله عليه. ثم قال هذا الأعمى لهذا الملك: خذ ما شئت، ليست بواحدة، أي شيء تريد من هذه الأغنام خذها، ودع ما شئت، اترك ما شئت. لو أخذ النصف أو أكثر لما كان في نفس هذا الأعمى الذي كان أعمى شيء، لا أعطاها إياه عن طيب نفس، لأنه قال له: فالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، أي لا أمنعك ولا أشق عليك بالمنع بشيء أخذته لله عز وجل، يعني أنا سأعطيك من أجل الله عز وجل، صدقاً وقرباً إلى الله سبحانه وتعالى. فقال له الملك: «أمسك عليك مالك»، فقد قال: «أمسك عليك مالك، إنما ابتليتم، هذا ابتلاء من الله عز وجل، فقد رضي الله عنك وسخط عن صاحبيك، وسخط عن صاحبيك». طيب، ما هو وجه الشاهد من هذا الحديث في باب المراقبة؟ الإمام النووي ذكر هذا الحديث في باب المراقبة لله عز وجل. وجه الشاهد من هذا الحديث: أن الأبرص والأقرع لم يراقبا الله عز وجل في قولهما: «إنما ورثت ذلك كابرا عن كابر»، مع علمهم أنهما كاذبان، أنهما كاذبان. وأما الأعمى فقد راقب الله سبحانه وتعالى، فاعترف بنعمة الله عز وجل عليه. فما الذي أوقع الأبرص والأقرع في صخط الله عز وجل؟ عدم مراقبة الله سبحانه وتعالى. ففي هذا أن من عدم المراقبة فإنه قد عرض نفسه لصخط الله عز وجل، ومن راقب الله سبحانه وتعالى فقد رضي الله سبحانه وتعالى عنه. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة وعديدة، لكن لانتهاء الوقت اليوم نكتفي بهذا، ولعلنا نشير إلى بعضها في الدرس القادم. إلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر