وقفات مع العام الهجري الجديد

الخطبة بعنوان وقفات مع العام الهجري الجديد، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 2 محرم 1442هـ الموافق 21 أغسطس 2020م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تاريخ التقويم الهجري وفضل الأشهر القمرية

يتناول المقطع قصة اعتماد التقويم الهجري في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث استقر الصحابة على الهجرة النبوية بداية للتاريخ والمحرم أول الشهور. ويبين فضيلة الأشهر الهلالية الشرعية على الميلادية وكونها المعتمدة في الأحكام كعدة الوفاة والحيض.

فضل شهر المحرم وصيام عاشوراء وآداب العام الجديد

يؤكد الخطيب على وجوب التمسك بالتقويم الهجري ويعظم شهر المحرم بوصفه من الأشهر الحرم مستعرضاً نجاة موسى عليه السلام في عاشوراء ومشروعية صيامه مخالفة لليهود. وينبه إلى أن استقبال العام الجديد يكون بمحاسبة النفس والتزود بالطاعات لا بالاحتفال.

محاسبة النفس والاستعداد ليوم القيامة

يؤكد المقطع على وجوب محاسبة النفس ومراجعة الأعمال اقتداءً بالسلف الصالح مستشهداً بآيات وأقوال في شدة محاسبتهم لأنفسهم. ويدعو المسلمين إلى وقفة صادقة مع النفس في الصلاة والقرآن وحقوق الله والعباد مستحضرين قرب الموت للاستعداد ليوم العرض الأكبر.

الصلاة والسلام على النبي ﷺ ختام المجلس

يختتم المتحدث كلامه بالصلاة والسلام على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه. وهو دعاء مشروع ومستحب في ختام المجالس والكلام.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. أيها المسلمون، عباد الله، لقد كان في الأسبوع الماضي استقبال الأمة الإسلامية لعامٍ هجريٍّ إسلاميٍّ جديد، الذي كان ابتداء عقد سنواته من أجلِ حدثٍ عظيمٍ حدث للمسلمين، ألا وهو هجرة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. ولقد كان التاريخ السنوي غير معلومٍ في ابتداء الإسلام، حتى كان عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ففي السنة الثالثة أو الرابعة من خلافته، كتب إليه أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أنه يأتينا كتبٌ من عندك ليس لها تاريخ. فجمع عمر رضي الله تعالى عنه أصحابه واستشارهم. فقال بعضهم: أرِّخوا بما يؤرِّخ به الفُرس، فكره. وقال بعضهم: أرِّخوا بما يؤرِّخ به الروم. وقال بعضهم: أرِّخوا من مولد النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: من مبعثه. وقال بعضهم: من هجرته. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: الهجرة فرَّقت بين الحق والباطل، فأرِّخوا بهجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فأرَّخوا بذلك. ثم تشاوروا في أي شهر تبتدئ به السنة. فمن قائل: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن. وقال بعضهم: من شهر ربيع الأول، الشهر الذي قدم فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فقال عمر وعثمان وعلي: أرِّخوا من ابتداء السنة من شهر الله المحرَّم، فإنه شهرٌ حرام، وإن قبله شهر ذي الحجَّة، وهو الشهر الذي يؤدِّي فيه المسلمون مناسك الحج، وبه تمام أركان دينهم، وهو الشهر الذي بايع فيه النبي عليه الصلاة والسلام الأنصار، وكان فيه العزم إلى الهجرة. فجعلوا أول شهرٍ من السنة الهجرية شهر الله المحرَّم، هذا الشهر الذي نحن فيه. أيها المسلمون، عباد الله، إننا استقبلنا عامًا هجريًا جديدًا، شهوره الشهور الهلالية التي هي عند الله في كتابه، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾. هذه الشهور التي جعلها الله مواقيت للعالم جميعهم، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، أي لجميع الناس، عربهم وعجمهم، لأنها علامات ظاهرة محسوسة يعلمها كل إنسان. فإذا رُؤِيَ الهلال في أول الليل فقد دخل الشهر الجديد وخرج الشهر السابق. أما الشهور الإفرنجية فإنها مبنيةٌ على الوهم، فهي غير منضبطة؛ فبعضها إحدى وثلاثون يومًا، وبعضها ثمانيةٌ وعشرون يومًا، وبعضها بين ذلك، فهي غير منضبطة. أما الأشهر الهلالية العربية فإنها لا تزيد على ثلاثين يومًا ولا تنقص على تسعةٍ وعشرين يومًا، وهي الشهور التي يُعتدُّ بها في الأحكام الشرعية المُحدَّدَة بالشهور والأعوام، كقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فكيف تُحسَب هذه الأشهر؟ أبالأشهر العربية أم بالأشهر النصرانية؟ لا شك ولا ريب أنها تنضبط بالأشهر العربية. وهكذا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. وهكذا في بلوغ الغلام خمسة عشر سنة، فإنها تُحسَبُ بالسنوات العربية لا بالسنوات الإفرنجية. فإنه للأسف الشديد أن يعدل كثيرٌ من المسلمين عن التاريخ الهجري إلى التاريخ النصراني. فلا يزال المسلمون يُؤرِّخون بما أرَّخ به الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه، حتى دخل الاستعمار إلى بلاد المسلمين فأرغمهم على التاريخ النصراني. فها هو الاستعمار قد خرج من بلادهم، فما هو الداعي أن يُؤرِّخوا به ويتركوا التاريخ الهجري؟ ألا فاعتزُّوا أيها المسلمون بتاريخكم وبمجدكم وبإسلامكم. إنه لمن المؤسف جدًا أن نحفظ التاريخ الأفرنجي ولا نحفظ التاريخ الهجري. لو سألتَ مسلمًا: ما هو الشهر العربي في هذا الوقت؟ ربما لا يُجيب، أو ما هو اليوم من ذلكم الشهر؟ لا يستطيع أن يُجيب. أما إن سألته عن التاريخ النصراني فسرعان ما يُجيبك. إنه لشيءٌ مُؤسف، أيها المسلمون، أن تبعَ المسلمون أعداءهم حتى في تاريخهم. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الشهر شهرٌ حرام، وقد قيل إنه سُمِّي بالشهر الحرام لأن العرب في الجاهلية يعظِّمونه ويُحرِّمون الاقتتال فيه، فسُمِّي بالشهر الحرام، فهو أحد أشهر الحرم الأربعة. ألا فاتَّقوا الله أيها المسلمون، ولا تظلموا أنفسكم ولا غيركم في هذا الشهر الحرام، ولا تريقوا دمًا حرامًا، ولا تُعينوا على ذلك. أيها المسلمون، عباد الله، إنه وقع في هذا الشهر وقعٌ عظيم، ذكره ربُّنا عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم، وفرِحَ النبي عليه الصلاة والسلام به فرحًا شديدًا، وفرِح المسلمون بذلك، ألا وهو نجاة موسى وقومه من عدوهم فرعون وجنوده. ففي اليوم العاشر من شهر الله المحرَّم نجَّى الله موسى وقومه من فرعون وجنوده، كما جاء ذلك في القرآن. والنبي عليه الصلاة والسلام لما قدِم إلى المدينة رأى اليهود يصومون اليوم العاشر من هذا الشهر، فسألهم عن ذلك، فقالوا: إنه يومٌ صالح، إنه اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى من فرعون. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نحن أحقُّ بموسى منكم»، فصامه عليه الصلاة والسلام وآمر بصيامه. فصيامه سنةٌ مؤكدة، بل جاء فيه فضلٌ عظيم، كما في حديث أبي قتادة عند مسلم، قال عليه الصلاة والسلام في صيام يوم عاشوراء: «إني أحتسب على الله أن يُكفِّر به السنة الماضية» أو كما قال عليه الصلاة والسلام. ألا فصوموا هذا اليوم وتحرَّوا صيامه. ومن السنة أيضًا أن يُصام يومٌ قبله أو يومٌ بعده، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ يَوْمًا قَبْلَهُ» أي مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ، فإنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَصُومُونَهُ مُفْرَدًا، وأُمِرْنَا بِمُخَالَفَتِهِمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أُمِرْتَ أَخِي الْمُسْلِمَ أَنْ تُخَالِفَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. فلذلك حثَّ النبي عليه الصلاة والسلام على مُخَالَفَتِهِمْ. فأسألُ الله أن يعينَنا وإياكم على طاعته. قُلُوا ما سمعتم، وأستغفرُ الله. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنَّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إننا استقبلنا عامًا هجريًا إسلاميًا جديدًا، فليس من السنَّة أن نُحْدِثَ فيه عيدًا لدخوله، أو أن نعتادَ ونتبادَلَ التَّهَانِيَ لِبُلُوغِهِ. فإنَّ الغِبطة أن تعمل صالحًا في هذه الأيام التي انقضت من عُمرك، وفي هذا العام الذي مضى في حياتك، أن تُعمِّره وأن تُمضيه في طاعة الله. فليست الغِبطة أن تعيش سنين عددًا وأنت على المعاصي والتمرُّد على طاعة الله. جاء في حديث عبد الله بن بسر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «خير الناس من طال عُمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عُمره وساء عمله». إن استقبالنا الأيام والشهور والأعوام إنما يكون بطاعة ربنا، وبمحاسبتنا لأنفسنا، وبمراقبتنا لخالقنا سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: وقد دلَّ على وجوب محاسبة النفس قولُه سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: يقول تعالى لينظر أحدكم ما قدَّم يوم القيامة من الأعمال، أهِيَ من الصالحات فتُنجيه، أم هي من السيئات فتُوبقه؟ ثم أورَدَ أثرًا عن قتادة رحمه الله حيث قال: ما زال ربُّكم يقرب لكم الساعة حتى جعلها كغدٍ، في قوله تعالى: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، هذا اليوم هو يوم القيامة، جعله الله عز وجل كغدٍ، وغدٍ هو اليوم الذي بعد يومك، فما أقربَه؟ ما أقربَه؟ فما قال قتادة: ما زال ربُّكم يقرب لكم الساعة حتى جعلها كغدٍ. ثم قال ابن القيم عليه رحمة الله: فالمقصود أن صلاح القلوب بمحاسبتها، وأن فسادها بإهمالها والاسترسال معها. انتهى كلامه من "إغاثة اللهفان" رحمه الله تعالى. ويقول الفاروق عليه رحمة الله، عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبُوا، وزِنُوا أعمالَكُم قبل أن تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ». إنها موعظةٌ بليغةٌ من هذا الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه وأرضاه. ألا فحاسِبوا أنفسَكم أيها المسلمون، وخذوا بزمام هذه النفس إلى طريق الجادة. يقول ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: «لا يكون الرجل تقيًا حتى يكون لنفسه أشدَّ محاسبةً من الشريك لشريكه». نعم. ويقول الحسن البصري رحمه الله تعالى في قوله عز وجل: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، يقول: لا يزال المؤمنُ يعاتب نفسَه، فيقول: لِمَ هذه الكلمة؟ ولمَ هذه الكلمة؟ ولمَ هذه الأكلَة؟ أن يحاسب نفسه على ما يقول، وعلى ما يأكل، ويأخذ، ويعطي. وهكذا جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه في محاسبته لنفسه أنه كان يأخذ بلسانه ويقول: «هذه التي أوردتني الموارد»، وفي رواية عنه: «هذه التي أوردتني المهالك، هذه التي أوردتني المهالك». وجاء عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى أنه يأتي إلى المصباح فيضع أصبعه حتى يشعر بحرارته، فيقول: حس، ثم يقول: ويلك يا حنيف، ويلك يا حنيف، ماذا صنعت؟ أو ما حملك يا نفس على ما صنعت يوم كذا وكذا، ويوم كذا وكذا؟ أورد هذا الأثر ابن القيم عليه رحمة الله في كتابه "إغاثة اللهفان". فكانوا يحاسبون أنفسهم حتى يعالجوا عيوبهم ويرقوا بأنفسهم. فهل حاسبنا أنفسنا أيها المسلمون، عباد الله؟ هل جلسنا مع أنفسنا جلسة صادقة، جلسة محاسبة؟ هل سأل أحدنا نفسه: كيف حالك مع الصلاة في أدائها، بأدائها بشرطها وأركانها، وبصلاتها في جماعة؟ هل وقفنا مع أنفسنا وقفة صادقة: ماذا فعلنا في يومنا، وفي شهرنا، وفي سنتنا؟ هل عرضنا الأعمال واستذكرناها؟ هل سأل أحدنا نفسه: كيف حالك أخي المسلم مع كتاب الله في هذه السنة المنصرمة؟ كم ختمت من القرآن؟ هل حاسب أحدنا نفسه: كيف أنت مع أرحامك، مع والديك، مع جيرانك، مع أصدقائك، مع أولادك، مع زوجتك؟ هل أدينا حقوق الله فوفيناها؟ هل أدينا حقوق العباد فأديناها؟ ليسأل كل واحد نفسه، وليحاسب نفسه، وليحاسب نفسه: كم حفظ في سنته من القرآن؟ وكم كذلك جمع في معلوماته من علوم؟ وكم درس من دروس؟ وكم راجع من محفوظات؟ هل حاسبنا أنفسنا أيها المسلمون؟ وهل راجعنا أعمالنا التي مضت أيها المسلمون؟ عباد الله، إن في عامنا المنصرم تفشت الأمراض، وكثرت الحروب، وسالت الدماء، فإن الموتى أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. ففي العام المنصرم كم فقدنا من أحبة وخلان، ومن أحباب وجيران؟ كم كنا نعرف في العام المنصرم من أناس أصبحوا اليوم تحت الثرى، مرهونين بأعمالهم؟ ألا فلنعلم أن مصيرنا كمصيرهم. ألا فليردعنا هاذم اللذات ومفرق الجماعات عن غينا، وعن عصياننا، وعن تمردنا، وعن غفلتنا. ألا فلنحاسب أنفسنا، عباد الله، ولنتقِ ربنا سبحانه وتعالى، ولنرجع إلى الله عز وجل. أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى. اللهم اغفر لنا وارحمنا وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.