شرح حائية ابن أبي داود 20

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 20، الدرس العشرون:من( ولا تنكرن جهلاً نكيرا ومنكرا ... وإن رسول الله للخلق شافع ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

إثبات سؤال القبر والحوض والميزان والشفاعة في العقيدة السنية

يشرح المقطع الأبيات المثبتة لسؤال الملكين منكر ونكير في القبر، ويؤكد وجود الحوض والميزان يوم القيامة مستدلاً بالأحاديث المتواترة. كما يصف صفات الحوض وفضله محذراً من إنكار المبتدعة، ومبيناً أن أهل السنة أحق الناس بالشرب منه.

الميزان والشفاعة يوم القيامة: حقيقتهما وحكمتهما

يبيّن المقطع حقيقة الميزان يوم القيامة حيث توزن الأعمال والصحف والأجساد، ويرد على المعطلة من المعتزلة الذين أولوه بالعدل. ثم ينتقل لذكر الشفاعة العظمى لله تعالى في إخراج الموحدين من أهل الكبائر من النار وإحيائهم في نهر الحياة بدار النعيم.

شفاعة النبي ﷺ: أنواعها وأدلتها من الكتاب والسنة

يستعرض المقطع شفاعة النبي محمد ﷺ الخاصة كالمقام المحمود وفتح أبواب الجنة وتخفيف عذاب عمه أبي طالب. ويبين شفاعته العامة لأهل الكبائر من أمته مستدلاً بالأحاديث الصحيحة وآيات القرآن رداً على الخوارج والمعتزلة.

حكم مرتكب الكبيرة غير الشرك في العقيدة السنية

يقرر المقطع أن مرتكب كبيرة ليست شركاً لا يكفر بذلك، بل أمره موكول إلى مشيئة الله تعالى. إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وَلَا تَنْكِرَنَّ جَهْلًا نَكِيرًا مُنْكَرًا وَلِلْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ إِنَّكَ تَنْصَحُ وَقُلْ يُخْرِجُ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ مِنَ النَّارِ أَجْسَادًا مِنَ الْفَحْمِ تُطْرَحُ عَلَى النَّهْرِ فِي الْفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ كَحَبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ إِذَا جَاءَ يَطْفَحُ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ شَافِعٌ وَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ بِالْحَقِّ مُوبَحُ» ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الأبيات شيئًا مما يتعلق باليوم الآخر، منبهًا على غيرها من الأمور التي لم يتطرق إليها. لكن تطرق إلى هذه الأمور التي تتعلق باليوم الآخر، وما يكون فيه من سؤال الملكين في القبر، وهكذا الحوض والميزان، والشفاعة يوم القيامة، وعذاب القبر ونعيم القبر. فهذه الأمور تتعلق باليوم الآخر، فذكرها رحمه الله مبينًا ومنبهًا على غيرها؛ لاختصار هذه المنظومة لم يتطرق إلى تلك الأمور الأخرى. ومع اختصارها إلا أنه رحمه الله قد ذكر فيها أمورًا كثيرة وأشياء كثيرة تتعلق بمعتقد أهل السنة والجماعة. فقوله رحمه الله: «وَلَا تَنْكِرَنَّ جَهْلًا نَكِيرًا مُنْكَرًا»؛ هذا فيه إثبات سؤال الملكين في القبر، وهما المنكر والنكير. قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، بعضها من علم ووحيد بهريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «يَأْتِيَانِهِ مَلَكَانِ، فَيَقُولُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَالْآخَرُ: النَّكِيرُ». قد جاء في وصفهما أنهما: «أَسْوَدَانِ، أَعْيُنُهُمَا زُرْقٌ». وسُمِّيَا بالمنكر والنكير لأن صورتهما منكرة لم يعهدها الشخص، وأيضًا هي صورة ليس معها أنس، فلذلك جاء في تسميتهما بالمنكر والنكير. وجاء في الصحيحين في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنهما ملكان، أي من غير ذكر التسمية بالمنكر والنكير. ولكن جاء خارج الصحيحين في حديث أبي هريرة كما سمعتم. ولذلك لما قيل للإمام أحمد رحمه الله: «نقول: المنكر والنكير؟» قال: «نعم، منكر ونكير، هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم». خلافًا لأهل الضلال الذين قالوا: لا يجوز تسمية هذين الملكين بالمنكر والنكير. وهذا بسبب إدخال عقولهم، فاستبعدوا أشياء أقرها الشرع بسبب عقولهم الفاسدة. ولا شيء في ذلك؛ لماذا يمنعون تسمية هذين الملكين بهذين الاسمين؟ لا شيء عندهم يجعلهم ينكرون هذين الاسمين. فالشرع أثبت هذين الاسمين لهذين الملكين، فأهل السنة والجماعة يثبتون ذلك، يثبتون تسمية هذين الملكين بالمنكر والنكير. أي من صحح هذا الحديث، حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه. وقال رحمه الله: «وَلَا تَنْكِرَنَّ جَهْلًا»؛ أي بسبب جهلك، بسبب جهلك تنكر سؤال الملكين في القبر. «وَلِلْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ»؛ أي ولا تنكر الحوض ولا الميزان. فالحوض ثبتت نصوصه في الكتاب والسنة. قال جل وعلا: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾. والكوثر فُسِّر بأنه نهر يصب في الجنة، وفسِّر بأنه الحوض، وفسِّر بأنه الحوض كما جاء عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فإذن الحوض جاء ذكره في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أحاديث الحوض أحاديث متواترة، كما قال القائل في منظومته: «وَمِمَّا تَواتَرَ أَحَادِيثُ مَنْ كَذَبَ وَمَنْ بَنَى لِلَّهِ بَيْتًا وَاحْتَسَبَ وَشَفَاعَةٌ وَالْحَوْضُ وَمَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَهَذِهِ بَعْضٌ» فأحاديث الحوض أحاديث متواترة. قد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ»، وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي لَأَدُودُ عَصَايَا عَنْ حَوْضِي لِيَشْرَبَ أَهْلُ الْيَمَنِ، لِيَشْرَبَ أَهْلُ الْيَمَنِ». هذا فيه منقبة لأهل اليمن. فالنبي عليه الصلاة والسلام يبعد الناس عن الحوض ليشرب أهل اليمن، وذلك بسبب نصرتهم لهذا الدين. المراد بأهل اليمن: المستقيمين على شرع الله، الموافقين لكتاب الله ولسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فالأمر ليس جنسية؛ فمن كانت جنسيته يمنية فإنه يشرب من الحوض، لا. وإنما يمني على كتاب الله وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإلا فإنه يُدَادُ عن الحوض أقوام، وهم أهل البدع والضلال، فيؤخذ بهم إلى النار. فيقول نبي عليه السلام: «أُمَّتِي، أُمَّتِي»، فيقال له: «إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ». فقال عليه الصلاة والسلام: «سُحْقًا، سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ وَبَدَّلَ». والعجب أن الخوارج الضلال أو الروافض يحملون هذا الحديث على أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، يغفلون هم الذين يُدَادُونَ عن الحوض. وهذا باطل؛ أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أولى الناس بالشرب من هذا الحوض. وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله: «وَقَرَّ بِالْمِيزَانِ وَالْحَوْضِ الَّذِي أَرْجُو بِأَنِّي مِنْهُ رِيًّا أَنْهَلُ فَأَوْلَى فَأَوْلَى» فأولى الناس بالشرب من هذا الحوض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم أفضل الخلق، أفضل الخلق بعد الأنبياء. قد زكاهم الله عز وجل في كتابه، وزكاهم رسول الله عليه الصلاة والسلام في سنته. فالحوض ثابت في كتاب ربنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وهل لكل نبي حوض، أو أن هذا الحوض فقط للنبي عليه الصلاة والسلام؟ جاء في بعض الأحاديث: «أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا». لكن ضعف هذا الحديث، ومن صححه قال: «هُمْ لَهُمْ حَوَاضُ، لَكِنْ لَيْسَتْ كَحَوْضِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ» فيما يتعلق بوصفه، أي وصف هذا الحوض الثابت للنبي عليه الصلاة والسلام وسعته. فقد جاء في أوصاف هذا الحوض: «أَنَّ مَاءَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْيَضَ مِنَ اللَّبَنِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَأَنَّ آنِيَتَهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ». ومن وصفه: «أَنَّ زَوَايَاهُ سَوَاءٌ، طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ»، إلى آخر ذلك من الأوصاف التي ثبتت في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام في حوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فالإنسان يصبر في هذه الدنيا على الاستقامة وعلى الطاعة حتى يلحق بالنبي عليه الصلاة والسلام عند ذلك الحوض. كما قال عليه الصلاة والسلام: «اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ». وقال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ»، أي قد سبقتكم. فالإنسان من كان في هذه الدنيا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، على منهج السلف الصالح، يشرب في هذه الدنيا من مشكات النبوة: العلم النافع والعمل الصالح، فإنه يشرب من حوض النبي عليه الصلاة والسلام. وبقدر أخذه من ميراث النبوة بقدر شربه من حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن يرد ذلك الحوض، وأن يجعلنا من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا. وذكر رحمه الله الميزان أيضًا، ما يكون يوم القيامة: الموازين. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ السَّمِينِ الْعَظِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾». وهكذا حديث الصحيحين: «كَلِمََتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ». وواقع الحديث صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة وتسعون سجلًا كلها ذنوب ومعاصي، فتوضع هذه السجلات في كفة، وتوضع البطاقة الأخرى التي مكتوب عليها شهادة: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في الكفة الأخرى، فترجح بتلك السجلات. وهكذا كذلك ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في قوله في عبد الله بن مسعود لما صعد يومًا وكشفت الريح عن ساقيه فضحك الصحابة من دقة ساقي ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال: «وَاللَّهِ إِنَّهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، إِنَّهُمَا فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ». فهذه النصوص دلتنا على الميزان يوم القيامة، وأن الذي يوزن هو الأعمال، وأيضًا توزن الأجساد، وتوزن كذلك الصحف. هذا هو الصحيح. بعض أهل العلم جعل الذي يوزن هو الأعمال فقط، والصحيح أن الأدلة دلت على أن الأعمال توزن، والصحف توزن، وهكذا العباد يوزنون. هل هو ميزان واحد أو موازين متعددة؟ من أهل العلم من قال: هو ميزان واحد، ولكن جاء بلفظ الجمع ليتعدد الموزونات. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لتعدد الموزونات؛ لأن الذي يوزن العباد وهم كثر، وهكذا الأعمال، وهكذا الصحف. ومن أهل العلم من قال: هي موازين. لكن الذي يظهر - والله أعلم - أنه ميزان واحد. المعتزلة ينكرون الميزان يوم القيامة، ويفسرونه بالعدل. أي: ليست موازين حقيقية تكون يوم القيامة، ميزان حقيقي توزن فيه الأعمال والصحف، وإنما يقولون: العدل، العدل؛ لأنهم اتبعوا عقولهم. يقولون: ما فائدة الموازين يوم القيامة؟ أليس الله عز وجل قد علم ما عمل العباد؟ الله عز وجل قد علم ما عمل العباد، من الذي قد عمل الحسنات ومن الذي قد عمل السيئات؟ أيش فائدة الموازين؟ أيش فائدة الميزان؟ هاكذا دخلوا بعقولهم، فلذلك عطلوا هذه النصوص، أنكروا الحوض، وأنكروا الموازين، وأنكروا عذاب القبر، إلى آخر ذلك، لسبب عقولهم. مع أن العقول لا تستنكر، لا تستنكر هذا. نعم، فائدة الميزان يوم القيامة: هل ترى يا عبد الله أعمالك أمامك؟ ما ظلمك الله. هذه أعمالك في الدنيا، وهذه صحائف أعمالك أمامك. هذه كفة للحسنات وضعت فيها حسناتك، وهذه كفة للسيئات وضعت فيها سيئاتك. ما ظلمك الله. ترى عدل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة: حسناتك في كفة، وسيئاتك في الكفة الأخرى، ما ظلمك الله سبحانه وتعالى من شيء. تكفي هذه الحكمة في أن جعل الله سبحانه وتعالى هذه الموازين يوم القيامة. لكن هؤلاء الذين يدعون أنهم أهل الحكمة هم في الحقيقة ليسوا أهل حكمة، وليسوا أصحاب عقول صحيحة، وإنما عقولهم فاسدة. فالمؤلف رحمه الله ذكر في هذا البيت ما يتعلق باليوم الآخر: الموازين يوم القيامة التي توزن فيها الحسنات والسيئات، والصحف، وهكذا الأعمال. فقال رحمه الله: «وَلِلْحَوْضِ وَالْمِيزَانِ إِنَّكَ تَنْصَحُ». وقال: «وَقُلْ يُخْرِجُ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِفَضْلِهِ مِنَ النَّارِ أَجْسَادًا مِنَ الْفَحْمِ تُطْرَحُ»... وأضَمُّ ما يتعلق باليوم الآخر: الشفاعة. شفاعة رب العالمين جل وعلا، كما جاء في أحاديث كثيرة عن النبي سعيد وغيره من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، أن الله سبحانه وتعالى يقول: «شَفَّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَّعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَّعَ الصَّالِحُونَ، وَبَقِيَتْ شَفَاعَةُ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ». فيخرج من النار أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط. في بعض الأحاديث: «أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ، مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ». نعم، فيخرجهم الله عز وجل بفضله سبحانه وتعالى بعد أن يكرم الشفعاء الذين شفعوا: الملائكة، النبيون، والصالحون، كلهم شفعوا. فتبقى شفاعة أرحم الراحمين جل وعلا، فيشفع في إخراج هؤلاء الذين يُسَمَّوْنَ بِالْجَهَنَّمِيِّينَ، كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحين: «يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ». يخرجون من نار جهنم وقد ماذا؟ أخلت النار أجسادهم إلا موضع السجود؛ لأن النار لا تأكل موضع السجود. وهؤلاء لأنهم أهل إسلام، أهل توحيد، لكن دخلوا النار بسبب ذنوبهم مما ارتكبوه من الذنوب والمعاصي. دخلوا نار جهنم، لم يكفروا، ما وقعوا في الكفر؛ لأن الكافر لا يخرج من النار ولا شفاعة له. لكن هؤلاء وقعوا في الذنوب والمعاصي، ووقعوا في الكبائر، فدخلوا نار جهنم، ثم خرجوا منها. فالله سبحانه وتعالى يخرجهم من نار جهنم فيجعلون على... ما فيحيون كما تحيى الحبة في حميل السيل. الحبة التي تكون على جانب السيل إذا مر بها السيل كانت ميتة فتحيى. وهكذا هؤلاء يلقون في هذا النهر، في هذا الماء، فيحيون. كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: «عَلَى النَّهْرِ فِي الْفِرْدَوْسِ تَحْيَا بِمَائِهِ كَحَبِّ حَمِيلِ السَّيْلِ إِذَا جَاءَ يَطْفَحُ». فهذا من رحمة رب العالمين جل وعلا بعباده، أن ماذا؟ أنه يخرجهم من نار جهنم. وهذا فيه بيان أن مرتكب الكبيرة، وإن دخل النار، فإنه ماذا؟ سيخرج منها إذا كانت كبيرته دون الشرك؛ ليست كبيرته من الشرك. لأن الكبائر منها ما هو الشرك، ومنها ما هو دون الشرك. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». فمن الكبائر ما هو الشرك، ومن الكبائر ما هو دون الشرك. فمن كانت كبيرته دون الشرك، دخل نار جهنم، فإنه لا بد أن يخرج منها، أن يخرج منها إما بشفاعة الملائكة، وإما بشفاعة الأنبياء، وإما بشفاعة الصالحين، وإما بشفاعة أرحم الراحمين جل وعلا. لأن أهل التوحيد لا يخلدون في نار جهنم، وإنما يُعَذَّبُونَ فِيهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ، ثُمَّ يُخْرَجُونَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ. جل وعلا، والمسلم يحرص في هذه الدنيا على أن يلتزم الطاعات، ويستقيم على شرع الله، وأن يبتعد عما يكون سببًا في دخوله نار جهنم. ويحرص على أن يكون من الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويحرص أن يكون من السابقين والمسارعين في الخيرات في هذه الدنيا، الذين يتنعمون يوم القيامة في قبورهم، وفي كذلك جنات النعيم يوم القيامة. قال رحمه الله: «وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ شَافِعٌ، وَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ بِالْحَقِّ مُوبَحُ». وهي بيان شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكما سمعتم: الأنبياء يشفعون، ورسول الله عليه الصلاة والسلام هو أعظم من يشفع، كذلك من الخلق أعظم من يشفع يوم القيامة: رسول الله عليه الصلاة والسلام. فله الشفاعة العظمى. فله الشفاعة العظمى التي قال عنها ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾. والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى يوم القيامة. هذه الشفاعة التي يتأخر عنها كل الأنبياء والرسل، يتأخرون عنها فلا يشفعون. يأتي الناس إلى آدم، ويطلبون منه أن يشفع لهم عند الله عز وجل في فصل القضاء، فيعتذر آدم. فيأتون إلى نوح، فيأتون إلى إبراهيم، يأتون إلى موسى، يأتون إلى عيسى، يأتون إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول النبي عليه السلام: «أَنَا لَهَا، أَنَا لَهَا». فيأتي ويسجد لرب العالمين سبحانه وتعالى، ويلهمه الله جل وعلا بمحامد لم يكن ألهمها إياه من قبل. فيقول الله عز وجل لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام: «يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ». فيقول النبي عليه السلام: «يَا رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي». فيقول الله عز وجل: «أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مِنْ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ فِي سَوَاءِ هَذَا الْبَابِ كَسَائِرِ النَّاسِ». فهكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن له هذا المقام المحمود، وهي الشفاعة العظمى التي جاء ذكرها في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء من حديث أبي سعيد الخدري، وعن جمع من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. والشفاعة خاصة للنبي عليه الصلاة والسلام، لا يشاركه فيها أحد من الأنبياء والرسل. وكذلك من شفاعة الخاصة عليه الصلاة والسلام: أنه هو أول من يشفع لدخول أهل الجنة الجنة، كما جاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه في صحيح الإمام مسلم: «فَإِنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فَيَجِدُونَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُغْلَقَةً، فَيُرِيدُونَ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ لَكِنْ يَرَوْنَ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ مُغْلَقَةً، فَيَشْفَعُ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي فَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ». وهذا جاء ذكره في كتاب الله جل وعلا في قول سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾. ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: جاءوا أبواب الجنة، ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي: فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ. وَ«فُتِحَتْ» هُنَا فِيهِ تَقْدِيرٌ مَحْذُوفٌ، وَهُوَ: حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنَ الشَّفَاعَةِ. وَشَفَاعَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ فِي دُخُولِ أَهْلِ الْإِيمَانِ الْجَنَّةَ. يَأْتِي النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَابَ الْجَنَّةِ فَيَقْرَعُ بَابَ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ خَازِنُ الْجَنَّةِ: مَنْ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ خَازِنُ الْجَنَّةِ: نَعَمْ، أُمِرْتُ أَنْ أَفْتَحَ لَكَ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ. وَمَرَّةً: أُمِرْتُ أَنْ أَفْتَحَ لَكَ، لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ. فَيَدْخُلُ أَهْلُ الْإِيمَانِ جَنَّةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. هَذَا أَيْضًا مِنَ الشَّفَاعَةِ الْخَاصَّةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ. وَمِنَ الشَّفَاعَةِ الْخَاصَّةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ: شَفَاعَتُهُ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. شَفَاعَتُهُ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. أَبُو طَالِبٍ عَمُّ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ كَانَتْ لَهُ نَصْرَةٌ لِهَذَا الدِّينِ وَلِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ، لَكِنْ هَذِهِ النَّصْرَةُ لَمْ تَكُنْ لأَجْلِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ بِهَذَا الدِّينِ، وَإِنَّمَا عَنِ الْحَمِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ الطَّبْعِيَّةِ، حُبِّ الطَّبْعِ لِابْنِ أَخِيهِ. فَأَجْلَ هَذِهِ النَّصْرَةِ الَّتِي كَانَتْ مِنْهُ، قَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَرَى مَا كَانَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ مِنْ نَصْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؟» فَكَأَنَّ الْعَبَّاسَ أَرَادَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ أَنْ يَشْفَعَ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ فِي شَيْءٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «نَعَمْ». كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «نَعَمْ، أَخْرَجْتُهُ مِنْ قَعْرِ النَّارِ إِلَى ضَحْضَاحِهَا، فَعَلَيْهِ جَمْرَتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، وَهُوَ أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا». فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَهُ يَشْفَعُ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، مَعَ أَنَّهُ كَافِرٌ. لَكِنْ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ لَيْسَتْ شَفَاعَةً كَامِلَةً، حَتَّى تَكُونَ فِيهَا إِخْرَاجٌ مِنَ النَّارِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا إِخْرَاجٌ مِنْ أَصْلِ النَّارِ وَقَعْرِ النَّارِ إِلَى ضَحْضَاحِهَا، يَعْنِي: نَخْفَضُ مَكَانًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ. وَهَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾، فَكَيْفَ نَفَعَتْ أَبِي طَالِبٍ شَفَاعَةُ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟ نَقُولُ: هَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ. هَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ الْعُثَيْمِينُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ: «هَذِهِ الشَّفَاعَةُ مُسْتَثْنَاةٌ، شَفَاعَةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ لِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾؛ لِأَنَّ أَبَا طَالِبٍ انْتَفَعَ بِهَذِهِ الشَّفَاعَةِ، لَكِنْ كَمَا سَمِعْتُمْ هَذَا الِانْتِفَاعُ إِنَّمَا هُوَ انْتِفَاعٌ قَلِيلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَإِنَّمَا هِيَ شَفَاعَةٌ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ، فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْهُ». جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. طَيِّبٌ. فَهَذَا أَيْضًا مِنَ الشَّفَاعَةِ الْخَاصَّةِ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ. وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعَامَّةُ، فَأَيْضًا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ. هَذَا فِي رَدِّهِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ الْخَوَارِجَ وَالْمُعْتَزِلَةَ يَجْعَلُونَ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا، مُخَلَّدًا لَا يَخْرُجُ مِنْهَا. فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ صَرِيحٌ صَحِيحٌ فِي أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ يَتَحَصَّلُونَ عَلَى شَفَاعَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي». فَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ. فَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ مَنْهَجُهُمْ بَاطِلٌ، يُكَفِّرُونَ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ وَيَجْعَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا: الْخَوَارِجُ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا، وَالْمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، لَا هُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا هُوَ كَافِرٌ. لَكِنِ اتَّفَقُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا. وَصَحِيحٌ أَنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ: وَإِنْ دَخَلُوا النَّارَ فَإِنَّهُمْ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَلَهُمْ شَفَاعَةٌ يَشْفَعُ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهَكَذَا الْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَحَصَلَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْقِتَالُ مِنَ الْكَبَائِرِ. ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فَالْقِتَالُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَمَعَ هَذَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَّا مُؤْمِنِينَ. فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الشَّخْصَ إِذَا وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْكَبِيرَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّهُ مَاذَا؟ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. وَنُوَاصِلُ إِن