الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 3، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يشرح هذا المحور المنهج السليم في أسماء الله وصفاته القائم على الإثبات بلا تمثيل والتنزيه بلا تعطيل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ويبين أن الجمع بين النفي والإثبات يحقق الكمال المطلق لله ويمنع ضلالة المشبهة والمعطلين.
يقرر المحور أن نفي المثلية عن الله يستلزم كمال صفاته المطلقة، ويبطل منهج أهل التمثيل الذين شبهوا الخالق بالمخلوق، كما يثبت الأسماء والصفات بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ويرد على أهل التعطيل والتحريف. ويوضح أنواع التحريف: اللفظي بتغيير ألفاظ القرآن، والمعنوي بتأويل الصفات على غير حقيقتها، مبيناً أن كلاهما من زيغ القلوب واتباع المتشابه.
يعلن المتحدث في هذا المحور عن شرح قادم لعبارة «ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل» لتوضيح معانيها الدقيقة في العقيدة. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه مع الإشارة إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل: الأصل الأول في الصفات. قال: وهو أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، كما جمع الله تعالى بينهما في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نفي متضمن لكمال صفاته، مبطل لمنهج أهل التمثيل. وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات لأسمائه وصفاته، وإبطال لمنهج أهل التحريف والتعطيل. فنثبت ما أثبته الله لنفسه، وننفي ما نفى الله عن نفسه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهذا هو المنهج السليم الواجب، المبني على العلم والحكمة والسداد في القول والاعتقاد. وله دليلان: أثري ونظري، وإن شئت فقل: سمعي وعقلي. أما الأثري السمعي: فمنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. ذكروا -أي: المؤلف رحمه الله تعالى- في هذا الفصل هذا الأصل الأول الذي يتعلق بالصفات، وهو أن يوصف الرب جل وعلا بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله عليه الصلاة والسلام، إثباتاً بلا تمثيل. فيثبت ما أثبت الله لنفسه، وأثبت له رسوله عليه الصلاة والسلام. هذا الإثبات من غير تمثيل، فحين تثبت الأسماء والصفات لا تمثل أسماء الله جل وعلا، ولا صفات الرب سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأنه جل وعلا ليس كمثله شيء. فأثبت لنفسه الأسماء والصفات، ونفى عن نفسه المثلية لأسمائه وصفاته. فهذا هو الواجب: ما جاء إثباته في كتاب الله، أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الصحيحة، وجب إثباته. يثبت من غير تمثيل. لماذا؟ لأن الله جل وعلا حين أثبت، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام حين أثبت لربه جل وعلا هذه الأسماء والصفات، كذلك جاء النفي عن المثلية. أخبر الله جل وعلا أنه ليس لأسمائه وصفاته مثيل يماثلها. فلذلك تثبت بلا تمثيل، وتنزه بلا تعطيل. الله جل وعلا نزه نفسه عن أمور، ونزه النبي عليه الصلاة والسلام ربه كذلك بوحي الله جل وعلا. فالواجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عن النقائص والعيوب، وعما نزه الرب جل وعلا نفسه. هذا التنزيه من غير تعطيل، تنزيه من غير تعطيل. فلا ينزه الإنسان فيقع في الغلو في التنزيه، ولا كذلك يغلو في الإثبات. لا يغلو في الإثبات فيقع في التمثيل، فيمثل أسماء الرب جل وعلا وصفات الرب جل وعلا بالمخلوقين، ولا يقع في الغلو في التنزيه فيعطل الرب جل وعلا عن أسمائه وصفاته، أو كذلك يقع في التحريف كما وقع في ذلك أهل التعطيل. أهل التعطيل بزعمهم أنهم نزهوا الرب سبحانه وتعالى، ولكن هل هم في الحقيقة نزهوا الله جل وعلا؟ لا، لم ينزهوا الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ لأن تنزيههم معه تعطيل، معه تعطيل لما أثبت الله جل وعلا لنفسه. فكيف ينزه الرب جل وعلا عن شيء أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام؟ فإذا كل من أهل التعطيل وأهل التمثيل ضلوا في هذا الباب، وسيأتي الكلام عنهم فيما سيأتي، وبيان ضلالهم في هذا الباب. فذكر المؤلف أن هذا هو الواجب فيما يتعلق بإثبات لله من أسماء وصفات، وما نفي عنه من أسماء وصفات. فما أثبت يثبت من غير تمثيل، وما نفي ينفى من غير تعطيل، ومن غير كذلك تحريف. ثم ذكر رحمه الله تعالى أن هذا هو الذي جاء به الدليل. فالله جل وعلا جمع بين هذين الأمرين في كتابه، أي: بين إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى، ونفي النقائص والعيوب والمثلية كذلك. فقال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، هذا النفي نفي يتضمن كمال صفات الرب جل وعلا. فالله جل وعلا نفى عن نفسه المثلية؛ لأنه جل وعلا له الكمال المطلق، له الكمال المطلق من كل الوجوه. فذلك لا مثيل له؛ لأن الذي تفرد وتوحد بالكمال المطلق، معنى ذلك أنه لا يماثله أحد. لا يمكن أن يماثل أحد من تفرد بالكمال المطلق من كل الوجوه. فالكمال المطلق من كل الوجوه إنما هو ثابت لله جل وعلا وحده، لا يشاركه في ذلك أحد. ولذلك لا يماثله أحد، لا في صفاته، ولا في أسمائه، ولا في أفعاله، ولا في ربوبيته وألوهيته. فهو المتفرد جل وعلا بالكمال المطلق من كل الوجوه. ولذلك كان لا مثيل له، كان لا مثيل له؛ لأنه لا وجود لمثيل لله جل وعلا، ولا مثيل لله جل وعلا يستحق الكمال المطلق من كل الوجوه، وإنما ذلك ثابت لله سبحانه وتعالى وحده. فنفي المثلية عنه جل وعلا، هذا النفي متضمن لكمال صفاته؛ لأنه الذي كمل في صفاته، وما دام أنه كمل في صفاته، وذلك الكمال ليس لأحد إلا له جل وعلا، فلذلك كان لا مثيل له سبحانه وتعالى. وفي هذا إبطال لمنهج أهل التمثيل الذين مثلوا صفات الخالق بصفات المخلوقين. فكيف جعلوا المخلوق الناقص من كل الوجوه كالكامل الذي له الكمال المطلق من كل الوجوه؟ مثلوا العاجز بالقادر، ومثلوا الضعيف بالقوي، ومثلوا الناقص بالكامل. وهذا كله باطل، وقع فيه أهل التمثيل الذين لم يقدروا الله جل وعلا حق قدره. ففي قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ إبطال لهذا المنهج الباطل، منهج أهل التمثيل. قال: وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات لأسمائه وصفاته، وإبطال لمنهج أهل التحريف والتعطيل. فالله أثبت لنفسه الأسماء الحسنة، ومنها السميع البصير. وهذا فيه رد على أهل التعطيل وأهل التحريف. لأن أهل التعطيل لم يثبتوا لله جل وعلا، لم يثبتوا لله جل وعلا أسماء وصفات، كالجهمية الذين هم غلو هذا الباب، غلو باب التعطيل. فلم يثبتوا لله جل وعلا الأسماء والصفات، عطلوا الله جل وعلا عن أسمائه وصفاته. وكالمعتزلة الذين عطلوا الله جل وعلا عن صفاته، ومنهم كذلك من عطل الله جل وعلا عن أسمائه. فهذه الآية فيها رد على هاتين الطائفتين: طائفة أهل التمثيل، وطائفة أهل التعطيل. وفيه رد كذلك على أهل التحريف. فالذين حرفوا كذلك وقعوا في التعطيل، وإن كان تحريفهم جزئياً، لكنهم وقعوا في التعطيل. كالأشاعرة والماتريدية وغيرهم الذين حرفوا معاني النصوص عن مدلولاتها الصحيحة، عن مدلولاتها الصحيحة التي تدل عليها النصوص، وأثبتوا معاني أخرى لا دليل عليها، فوقعوا في تحريف. فوقعوا في تحريف معاني هذه النصوص الصحيحة، ولذلك وقعوا في التعطيل. وكذلك لعدم ثبوتهم الصفات الكثيرة، فهم لم يثبتوا إلا سبع صفات بزعمهم أن العقل دل عليها، وأما غالب الصفات فلم يثبتها الأشاعرة. فهذا إذن تعطيل منهم، تعطيل منهم لكثير من صفات الرب سبحانه وتعالى الثابتة في الكتاب والسنة. ففي قوله جل وعلا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات لأسمائه وصفاته؛ لأن الاسم يتضمن الصفة. فكل اسم يتضمن الصفة. فالسميع يتضمن صفة السمع، والبصير يتضمن صفة البصر. فهذا فيه إثبات هذه الأسماء، وإثبات كذلك الصفات التي تضمنتها هذه الأسماء. وفي هذا إبطال لمنهج أهل التحريف الذين هم من الأشاعرة والماتريدية وغيرهم، والتعطيل من الجهمية والمعتزلة الذين هم غلو في هذا الباب؛ لأنهم عطلوا الأسماء والصفات. الجهمية والمعتزلة، غالبهم عطلوا كذلك الصفات، أو كلهم عطلوا الصفات، ومنهم كذلك من عطل الأسماء. قال رحمه الله تعالى: «فنثبت ما أثبته الله لنفسه، وننفي ما نفى الله عن نفسه، من غير تحريف». من غير تحريف: التحريف والتغيير، التغيير والتبديل، تغيير الألفاظ. فـ«حرف» يعني: غير. والتحريف ذمه ربنا عز وجل في كتابه الكريم، وبين أنه إنما هو من صفات اليهود. قال جل وعلا عنهم: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾. وقال جل وعلا: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾. وقال جل وعلا عنهم: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ في آية، ﴿مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. فهذه النصوص فيها ذم للتحريف، لمن حرف النصوص، ووقع في هذا اليهود. وقعوا في التحريف اللفظي، وقعوا في التحريف اللفظي. لأن التحريف على نوعين: تحريف لفظي، وتحريف معنوي. تحريف لفظي، وتحريف معنوي. التحريف اللفظي: هو التغيير، التغيير في اللفظ، بزيادة، كان يزيد حرفاً في اللفظ. وقع في هذا اليهود، ووقع كذلك في هذا الجهمية. سواء كان هذا التحريف في الأسماء أو في الصفات، يعني تغيير اللفظ. مثلاً: اسم الله جل وعلا جاء في قوله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. لفظ الجلال هنا مرفوع. لفظ الجلال هنا مرفوع. فالله جل وعلا هو المتكلم، هو الذي كلم موسى. المعتزلة، لأنهم لا يثبتون الصفات، ولا يثبتون صفة الكلام، حرفوا هنا، حرفوا وغيروا اللفظ. غيروا لفظ الجلال، كيف غيروه؟ غيروه: بدل من أن يثبتوه مرفوعاً، أثبتوه منصوباً. فقالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. فجعلوا المتكلم موسى، وليس هو الله. وساعدهم في هذا عدم ظهور حركة الإعراب في «موسى»؛ لأنها ضمة مقدرة. يعني: إذا كان الفاعل هو، وهو هنا في هذه الآية منصوب، هنا منصوب بفتحة مقدرة، منع من ظهورها التعذر. فهم قالوا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى﴾، فجعلوا موسى هو المتكلم. لا تظهر حركة الإعراب، حركة الرفع فيه. فماذا؟ أعانهم ذلك. لكن هذا، وإن وجد في كتاب الله، ففي كتاب الله سبحانه وتعالى ما يرد ذلك. والله جل وعلا ما جعل من آياته محكم يزيل هذا المتشابه. ولذلك لما قرأ أحد المعتزلة على عمر بن العلاء، وهو أحد القراء من أهل السنة، قرأ قول الله... لما سمع عمر بن العلاء يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، قال: «قل: وَكَلَّمَ اللَّهُ، لا تقرأ: وَكَلَّمَ اللَّهَ، اقرأ: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى». فتفطن لمقصده؛ لأنه لا يثبت صفة الكلام لله جل وعلا، فجعل المتكلم هو موسى. فقال له: «هب أنني قرأت ذلك، يعني: قلت: وَكَلَّمَ اللَّهَ مُوسَى، أين أنت من قول الله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟ أين أنت من قوله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾؟» يعني: ماذا تفعل بهذه الآية؟ تلك الآية وجدت فيها مدخلاً، نعم. فأخذت هذا المتشابه، وهذا من الزيغ الذي أخبر الله جل وعلا عنه في كتابه الكريم. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. فذمه بهذا، وأسكته بهذا. فالشاهد أن هذا من التحريف، هذا من التحريف اللفظي. ومن ذلك تحريف اليهود، تحريف اليهود بزيادة حرف النون، بزيادة حرف النون في قوله جل وعلا: ﴿حِطَّةٌ﴾. قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. فاليهود زادوا الحرف هنا، فقالوا: «حنطة». وهذا تحريف؛ لأنه تغيير للفظ. اللفظ الذي جاء في كتاب الله، والذي جاء عن الله جل وعلا: «حطة». ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾. والمعنى: اطلبوا من ربكم جل وعلا أن يحط عنكم ذنوبكم. فهم قالوا: «حنطة»، طلبوا الحنطة، حباً في شعير. وهذا من السخرية منهم بكلام الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك الجهمية أيضاً وقعوا في هذا التحريف، وقعوا في التحريف اللفظي، حيث قالوا في «استوى»: «استولى». قالوا في «استوى»: «استولى». والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. فهم قالوا: «استولى». فزادوا حرف اللام، كما زاد الجهمية، كما زاد اليهود حرف النون. ولذلك قالوا -يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً هذا في نونيته-: «أمر اليهود بأن يقول: حطة، فأبوا وقالوا: حنطة، لهوان. وكذلك الجهمي قيل له: استوى، فأبى وزاد الحرف للنكران. نون اليهود، ولا مجهمي، هما في وحي رب العرش زائدتان، ما أنزل الله به من سلطان». فهذا من التحريف اللفظي. فهذا من التحريف اللفظي. والنوع الثاني من نوع التحريف: هو التحريف المعنوي. التحريف المعنوي. وهذا الذي وقع فيه الأشاعرة، وقع فيه الأشاعرة ومن نحاهم، حيث حرفوا معاني النصوص، حرفوا معاني النصوص. مثلاً: في نزول الرب جل وعلا، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر». فهذا الحديث فيه إثبات صفة النزول لله جل وعلا على ما يليق بالله سبحانه وتعالى. ماذا فعل الأشاعرة وغيرهم في هذا الحديث؟ هل أثبتوا صفة النزول لله جل وعلا على ما يليق؟ أو حرفوا؟ الجواب: حرفوا. حرفوا الجواب. حرفوا. كيف حرفوا؟ ماذا قالوا؟ قالوا: «لا، المراد نزول أمره». ليس نزوله جل وعلا، وإنما ينزل ربنا، أي: ينزل أمر ربنا. أو قالوا: «تنزل رحمته». أو قالوا: «ينزل ملك من ملائكته». وكل هذا تحريف. وكل هذا تحريف. وإن أبقوا اللفظ على ما هم عليه، لم يحرفوه، لم يحرفوه، ولم يجعلوا بدل «ينزل ربنا» «ينزل ملك من الملائكة» وكتبوا ذلك وذكروه، لا. لكن المعنى: إذا سألتهم عن هذا، قالوا: المراد «ينزل أمر ربنا»، «تنزل رحمة ربنا»، «ينزل ملك من ملائكته» جل وعلا. وهكذا كذلك في مثلاً صفة الإنعام، في صفة الرحمة، وصفة كذلك الغضب. هذه صفات ثابتة لله جل وعلا. صفة كذلك الغضب، صفة الانتقام. هل أثبتها الأشاعرة أم حرفوها؟ الجواب: حرفوها. حرفوها. قالوا: ماذا في صفة الغضب الثابت لله عز وجل؟ المراد به إرادة، إرادة الانتقام. الغضب: إرادة الانتقام. الرضا: قالوا إرادة الإحسان، إرادة الإحسان. وهكذا في الرحمة. فلم يثبتوا هذه الصفات على حقيقتها. ما قالوا: لله جل وعلا صفة رحمة ثابت له تليق بجلاله. ولله جل وعلا صفة غضب تليق بجلاله جل وعلا، وأنه جل وعلا يغضب. وهكذا في الصفات الأخرى الفعلية، مثل الإتيان أو المجيء. فكل هذه الصفات لم يثبتوها على ما أراد الله جل وعلا، بل حرفوها. حرفوها لفظاً أو معنى. حرفوها معنى، حيث أثبتوا لهذه الصفات معاني باطلة لا دليل عليها. فقالوا: إرادة كذا، إرادة الإنعام، إرادة الإحسان. وكل هذا من التحريف المعنوي. فهذا ما يتعلق بالتحريف. قال رحمه الله: «من غير تحريف ولا تعطيل». وأيضاً نتكلم إن شاء الله في تفسير قوله: «ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل» في الدروس اللاحقة إن شاء الله تعالى. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر.