الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 14، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الدرس بتوضيح الفرق بين التكييف والتمثيل في إثبات صفات الله تعالى، حيث يبين أن التكييف هو اعتقاد كيفية معينة لصفة من صفات الله أو السؤال عنها، بينما التمثيل هو اعتقاد أن صفات الله مثل صفات المخلوقين. يوضح أن أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الله من غير تمثيل ولا تكيف.
يناقش المقطع أنواع التمثيل بين الخالق والمخلوق، ويشرح كيف يقع الناس في التمثيل إما بتمثيل المخلوق بالخالق أو العكس، ويوضح مراد السلف من نفي التكيف ويثبت أنهم يثبتون معاني نصوص الصفات. كما يبين أهمية فهم هذه المفاهيم في إطار العقيدة الصحيحة.
يشرح معنى آية "ليس كمثله شيء" ويبين أهميتها في الرد على أهل التمثيل والتعطيل، حيث جمعت بين النفي والإثبات، نفي المثلية عن الله وإثبات صفاته. كما يتناول آراء مختلفة في إعراب الآية وشرح معانيها، مما يدل على أهمية هذه الآية في فهم العقيدة.
يختتم الدرس بعرض آراء مختلفة حول مسألة معينة، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يعكس أهمية الختام بالذكر والصلاة على النبي في إنهاء الدروس والمجالس.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم بارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نعم، أخرى، بسم الله الرحمن الرحيم. وقالت: عليه الحمد لله. أما قوله: "ومن غير تأويل ولا تنفيذ"، فالفرق بينهما أن التأويل أن يسند أن صفاته تعمل على كيفية كذا، ويسأل أنها بكيف، أو يسأل أنها بكيف. وأما التنفيذ فهو اعتقاد أنها من صفات مخلوقين. وليس مراد مقالته "من غير تأويل" أنهم ينفون الكيف مطلقا، فإن كل شيء لم ينقض على كيفية جمع، ولكن مراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته إلا هو سبحانه. حسنه ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، قال: "ومن غير تكيف ولا تمثيل". وذكر الشارح الهراس رحمه الله تعالى، قال: "أما قوله: ومن غير تكيف ولا تمثيل، فالفرق بينهما أن التكيف أن يعتقد أن صفاته تعالى على كيفية كذا، "أو يسأل عنها بكيف". أفادنا أن التكيف هو أن يعتقد الشخص أن صفات الرب جل وعلا على كيفية معينة، يتخيلها في دهنه. أهل السنة والجماعة يثبتون صفات الرب جل وعلا من غير تمثيل ومن غير تكيف. حين يثبتون الصفات لله جل وعلا، الوجه واليدين وغير ذلك من الصفات، فإنهم لا يتخيلون لهذه الصفات كيفية في أدهانهم. بل يقطعون كل تخيل لعلمهم بأن هذا غير معلوم، ولا يمكن للذهن أن يصل إلى معرفة كيفية صفة من صفات الله جل وعلا، مهما تخيل ومهما تراءى على ذهنه، لأن الله جل وعلا ليس كمثله شيء، والعقول قاصرة وضعيفة، لا يمكن أن تصل إلى حال تتخيل فيه كيفية صفة من صفات الله جل وعلا. والله أعظم وأعظم وأعظم من أن يتخيل الذهن كيفية لصفة من صفاته، فلا يكيفون. إذن، من تخيل كيفية صفة من صفات الله جل وعلا في ذهن على كيفية معينة، فهذا كيف وخالف منهج السلف، وتخيله باطل لا شك ولا ريب. قال: "أو يسأل عنها بكيف". هل أيضا التكييف؟ التكييف نوعان: أن يعتقد كيفية ويتخيل كيفية الصفة في ذهنه، أو يسأل عنها بكيف، مثل الشخص يقول: "كيف وجه الله؟ كيف نزول الرب؟ كيف يدي الرب جل وعلا؟" السؤال عن كيفية كيفيات الصفات هذا تكييف. وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين. يعني الممثل يعتقد أن صفات الرب جل وعلا مثل صفات المخلوقين، يقول: "وجه الله كوجه المخلوق، نزول الرب جل وعلا مثل نزول المخلوق، استواء الرب جل وعلا مثل استواء المخلوق". هذا ممثل. فالذي يعتقد أن صفات الرب جل وعلا مثل صفات المخلوقين، فهذا ممثل، وهذا تمثيل. فعندنا تكيف وعندنا تمثيل، الفرق بينهما أن التكيف تخيل لصفة من غير تقييدها بمماثل، والتمثيل أن يجعل صفات الخالق جل وعلا مثل صفات المخلوقين. كل ممثل مكيف، وليس كل مكيف ممثلا، لأن التكيف أعم من التمثيل. التكيف لا يلزم منه أن يكيف بتمثيل، بخلاف التمثيل فإنه لابد أن يكيف بتمثيل حتى يقال له: "ممثل". وإنما قيل له "ممثل" لأنه كيف بتمثيل. وأما الآخر فهو مكيف، لا يلزم من تكيفه أن يكيف بمثيل وبممثل، لا يلزم. فإذا هو أعم. فالذي يلزم من تمثيله يكون أخص من الذي لا يلزم من تكيفه. ومن لا يلزمه شيء أعم من من لزمه شيء. فالتمثيل الذي وقع فيه الناس أنواع: النوع الأول تمثيل المخلوق بالخالق، والنوع الثاني تمثيل الخالق بالمخلوق. تمثيل المخلوق بالخالق في أفعاله كمن أشرك في الربوبية وجعل للمخلوقين أفعالا كأفعال الله، كالخلق والتدبير والإحياء. وهذه أفعال الله جل وعلا لا يشاركه فيها أحد، فمن جعل المخلوق يخلق أو يدبر أو يحيي، فهذا قد مثله بالخالق. وهذا يقع فيه كل من أشرك في الربوبية من نسب التدبير إلى غير الله أو الخلق إلى غير الله. ويكون التمثيل أيضا في الحقوق، وهذا يقع فيه من أشرك في الألوهية، لأن الله جل وعلا له على عباده حقوق العبادة من دعاء واستغاثة وذبح ونذر وصلاة وغير ذلك. فمن صرف شيئا من هذه الحقوق للمخلوق، فقد مثل المخلوق بالخالق. ويكون التمثيل في الأوصاف، وهذا يقع فيه الغالون الذين غلوا في الأنبياء أو في الأولياء أو في الصالحين، حين أثبتوا لهم من الأوصاف التي إنما هي لله، مثل علم اللوح والقلم. فمن جعل هذه الأوصاف للمخلوقين، فقد مثل هؤلاء المخلوقين بالله جل وعلا في شيء من أوصافه. وهذا وقع فيه الرافضة الذين يجعلون في علي الأوصاف، وفي الأئمة الاثني عشر كذا وكذا، يجمعون في التمثيل بين التمثيل في الأفعال حين ينسبون لهم تدبير الكون وإحياء الخلق. تمثيل الخالق بالمخلوق، وهذا يقع فيه أهل التمثيل الممثلة كالرافضة، فإنه يمثلون الخالق بالمخلوق، فيجعلون صفات الخالق كصفات المخلوق، يقولون: "الله على صورة شاب أمرد". وهذا تمثيل تمثيل الخالق بالمخلوق. فيجعل الرب جل وعلا العظيم الكبير على هيئة المخلوق، على تشبيه. فهذا من تمثيل الخالق بالمخلوق، يقع فيه أهل التمثيل، ويقع فيه كذلك من مثل الخالق بالمخلوق بشيء من أفعاله أو صفاته سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "وليس المراد من قوله: من غير تكيف، أنهم ينفون الكيف مطلقا". يعني حين يقول السلف: "من غير تكيف"، ليس معناه أنه لا كيفية لصفات الله، لا، لأن صفات الرب جل وعلا لها كيفيات، لأنه ما من شيء واقع وموجود إلا ولا بد أن تكون له كيفية. ولكن مراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، يعني المنفي العلم، تفويض الكيفية، العلم بالكيفية لا يعلمه أحد. المعنى معلوم، أما الكيف غير معلوم. قال: "إذا لا يعلم كيفية ذات صفات إلا هو سبحانه". وما جاء عن بعض السلف يقول: "من غير تفسير". أهل التفويض ربما يستدلون بمثل هذا، لما جاء عن بعض السلف "من غير تفسير"، فيظن أن السلف لا يثبتون معاني نصوص الصفات، لا يثبتون المعاني، لأنهم يقولون: "من غير تفسير". وهذا ليس بصواب. السلف يثبتون معاني نصوص الصفات كما تقدم، في كلام إمام مالك: "الاستواء معلوم". فالنصوص صفات معلومة المعاني، لكن المراد بقولهم "من غير تفسير" أي تفسير المعطلة الجهمية وغيرهم، تفسير أهل التعطيل. تفسير أهل البدع الذين فسروا الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الرحمة، وهكذا، هذه التفاسير الباطلة التي فسر بها أهل البدع نصوص الصفات، هذا باطل. كانهم يقولون: "من غير تفسير"، أي الذي فسره أهل البدع وأهل التعطيل. قال صلى الله عليه وسلم: وَلْيُؤْمِنُوا بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. وقال شارح: قوله: "ليس كمثله شيء" هذه الآية المحكمة في كتاب الله جل وعلا. ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فقد جمعت بين النفي والإثبات، بين النفي والإثبات. ليس كمثله شيء نفي للمثلية لصفاته، وهو السميع البصير هذا إثبات للصفات. وهي آية محكمة فيها رد على أهل التمثيل وأهل التعطيل بشتى فرقهم من عطل ومن مثل. قال: "قد جمع فيها بين النفي والإثبات، فنفى عن نفسه المثلية وأثبت نفسه سمعا وبصرا". فدل هذا على أن المذهب الحق ليس هو نفي الصفات مطلقا، لأن الله عز وجل أثبتها. أهل التمثيل أثبتوها مطلقا، وأهل التعطيل نفوها، وأهل السنة والجماعة أثبتوها من غير تمثيل، أثبتوها لكن من غير تمثيل. قال: "بل إثباتها بلا تمثيل، وهكذا تنزيها بلا تعطيل". وقد اختلف في إعراب "ليس كمثله شيء" على وجوه، أصحها أن الكاف صلة زيدت لتحقيق كما في قول الشاهد: "ليس كمثل فتاة حياري خلق وزيني في القضاء حسن". قال الشيخ صلى الله عليه وسلم: "من غير تكييف ولا تمثيل". بل يؤمنوا بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هذه الآية آية محكمة في كتاب الله جل وعلا. فقد جمعت بين النفي والإثبات، ليس كمثله شيء نفي للمثلية لصفاته، وهو السميع البصير هذا إثبات للصفات. وهي آية محكمة فيها رد على أهل التمثيل وأهل التعطيل بشتى فرقهم. قال: "وهي دستور أهل السنة والجماعة". كلمة "دستور" هذه كلمة معربة، ليست كلمة عربية، وإنما كل كلمة محدثة دخيلة على اللغة العربية. قال: "دستور أهل السنة والجماعة يعني مرجع أهل السنة والجماعة في باب الصفات، الإثبات من غير تمثيل، تنزيه من غير تعطيل". قال: "وقد اختلف في إعراب ليس كمثله شيء على وجوه، أصحها أن الكاف صلة زيدت للتأكيد". كما في قول الشاعر: "ليس كمثل الفتاة زهير خلق نوازيه في الفضائل اختله". في إعراب الكاف في قوله جل وعلا: "ليس كمثله شيء". فمنهم من قال: "صلة"، ومعنى صلة: هو ما يتوصل به إلى غيره. وقالوا: "صلة والحرف هذا الصلة له معان يقال زائد، يقال صلة، يقال توكيد". ومنهم من قال: "فيه لغو"، وهذا الثابت لا يجوز أن يقال: "لغو ليس في القرآن لغو حاشا وكلا". دليل على أن الكاف هنا حرف زائد، قال: "لأنه عطف عليها أشد". لأنه قال: "ثم قسط قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة". أشد الآن عطف على كالحجارة، على الكاف. تمام وأشد اسم ولا حرف، والاسم يعطف على الاسم. فلما عطف الاسم على الكاف، فلما عطف أشد على الكاف، وأشد اسم دليل على أن الكاف اسم، إذن إيش معناها؟ مثل، معناها مثل. فيكون المعنى: "ليس مثل مثله شيء". ومن المعاني: كذلك أم الأقوال في المثل بمعنى الوصف، كما قال جل وعلا: "مثل الجنة التي وعد المتقون". مثل الجنة يعني وصفها. ويأتي المثل بمعنى الذات من الأقوال، ذات "ليس كمثله شيء" يعني ليس كذاته شيء. قال جل وعلا: "فإن آمنوا بمثلي ما آمنتم به فقد اهتدوا". يعني بذات ما آمنتم به. فهذه أقوال وأقوال في الكاف، وانتهى لهم بزيادة خمس دقائق. سهل، طيب، نقف. صلى الله عليه وسلم مبارك عن محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.