التعليق على كتاب الداء والدواء 112

التعليق على كتاب الداء والدواء 112

الدرس في التعليق على كتاب الداء والدواء 112، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

مراتب المحبة والفرق بين العشق والشوق

يشرح المقطع مراتب المحبة عند ابن القيم من العلقة إلى الشوق، مبيناً أن العشق لا يطلق على الله لاختلاطه بالشهوة بينما الشوق مشروع ودليل عليه دعاء النبي ﷺ. ويؤكد أن حياة المحبين لله هي الحياة الطيبة الحقيقية التي تفوق ملذات الدنيا.

مفهوم الحياة الطيبة والسعادة بالإيمان

يبيّن المقطع أن الحياة الطيبة في القرآن ليست مادية بل سعادة روحية وطمأنينة قلبية ينالها المؤمن بالإيمان واليقين والتوكل حتى في الشدائد. ويضرب أمثلة من سيرة النبي ﷺ وعلماء الأمة كابن تيمية على أن جنة الدنيا هي لذة الطاعة والأنس بالله.

نعيم العبادة وطمأنينة القلب بقرب الله

يصف المقطع الراحة الروحية العظيمة في ذكر الله ومجالس العلم التي تفوق ملذات الدنيا، ويشرح حديثاً قدسياً عن محبة الله للعبد بالفرائض والنوافل. ويختم ببشارة الملائكة للمؤمن عند الموت بالجنة وزوال الخوف والحزن مما يجعله يشتاق للقاء الله.

الدعاء الختامي والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله النفع بالموعظة ومحبته ورفعة الدرجات في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين. ويصلي على النبي محمد ﷺ ويحمده.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمةً للعالمين بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، مواصلةً أيها الأحبة في الله مع الداء والدواء، وهو الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لشيخ الإسلام الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم، ويقال ابن قيم الجوزية، رحمه الله تعالى، وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين. وقد ذكر رحمه الله تعالى -ذكر في آخر ما تكلمنا عليه- ذكر فصلاً، هذا الفصل يتعلق ببيان أن خاصية التعبد هو الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، وهذا يعتبر من أخص العبادة التي يتقرب بها العبد لربه تبارك وتعالى. قال: «فمن أحب شيئًا وخضع له وذل في طلبه، فقد تعبد قلبه له». قال: «بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له: التتيم». وذكر رحمه الله تعالى فيما ذكر مراتب المحبة، وذكر أن أول هذه المراتب هي «العلاقة»، وهي تعلق القلب بالمحبوب، يتعلق القلب بالمحبوب، وإذا تعلق القلب بالمحبوب أكثر من ذكره، أكثر من ذكره. وكذلك أيضًا المرتبة الثانية التي ذكرها رحمه الله تعالى، ذكر «الصبابة»، قال: «وسميت بذلك لانصباب القلب إلى المحبوب، إلى المحبوب». وفي غير هذا الموضع ذكر بين العلاقة وبين الصبابة مرتبة، وهي مرتبة «الإرادة»، والإرادة هي ميل القلب إلى محبوبه وطلبه له، وطلبه له. وبعد الصبابة ذكر رحمه الله تعالى ذكر «العشق»، قال: «وهو إفراط المحبة»، العشق إفراط في المحبة، قال: «ولهذا لا يوصف به الرب تعالى، ولا يطلق في حقه، ولا يطلق في حقه». ولما لا يطلق في حقه؟ ذكر العلماء أوجهًا عديدة في ذلك، من أظهرها: أنه لا يجوز إطلاق العشق في حق الله عز وجل. قلنا: لماذا يا أبا صابر؟ يا أبا طاهر، أحسنت. لأن العشق عبارة عن محبة مخلوطة بشهوة، وهذا لا يجوز في حق الله تبارك وتعالى. وفي غير هذا الموضع ذكر رحمه الله تعالى، أو هنا ذكر قبل العشق، ذكر مرتبة «الغرام»، والغرام قالوا: هو الحب اللازم للقلب، ومنه الغريم، وقال فلان: غريم فلان، أي ملازمه يطالبه بأمر، يطالبه بأمر. ومنه قول الله عز وجل عن النار: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾، فـ «غرامًا» أي أنه ماذا؟ أن عذابها يعتبر ماذا؟ ملازمًا، ملازمًا لأهلها، ملازمًا لأهلها. وذكر رحمه الله تعالى ذكر المرتبة التي بعد العشق، هي مرتبة «الشوق»، هي مرتبة الشوق. قال رحمه الله تعالى: «ثم الشوق»، قال: «وهو سفر القلب إلى المحب»، الشوق سفر القلب إلى المحب، قال: «يقطع العلائق منه، أحث سفر يكون». قال: «وقد جاء إطلاقه في حق الرب تعالى، كما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر، أنه صلى صلاة فأوجز فيها، يعني اختصرها، قال: فأوجز فيها، فقيل له في ذلك، فقال: أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن». ما هي هذه الدعوات؟ قال: «اللهم إني أسألك بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي، اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفذ، أي لا ينتهي، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الممات، وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، وأسألك الشوق إلى لقائك». وهذا هو الشاهد، قوله في هذا الدعاء: «وأسألك الشوق إلى لقائك، في غير ضر مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زيننا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين». وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله تعالى كما ذكر المصنف، وهكذا هو عند النسائي وابن حبان، وصححه العلامة الألباني رحمه الله كما في كتابه «صحيح الجامع» وغيره من كتبه. قال: «وفي أثر آخر: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقًا، أشد شوقًا». وهذا الأثر ضعفه جماعة من أهل العلم، بل ضعفه شديد جدًا، فهو في إسناده محمد بن الحسن النقاش، محمد بن الحسن النقاش، هذا محمد بن الحسن النقاش، قالوا فيه: متهم بالكذب، وضاع للحديث، متهم بالكذب، وواضع للحديث، وهذا يعتبر علامة على الضعف الشديد الذي هو لهذا الأثر، الذي هو لهذا، الذي هو لهذا الأثر. قال: «وهذا هو المعنى الذي عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه». وهذا في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، وجاء عن غيره. قال: «وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى...». البصائر جمع، فما مفرده عندك يا فاروق؟ البصائر جمع، فما مفرده؟ بصائر، بصيرة، أحسنت. والبصيرة هي العلم والفهم، إلى غير ذلك. قال: «وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾، قال: لما علم، لما علم، لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلًا وموعدًا للقاء، تسكن نفوسهم به، تسكن لنفوس، تسكن نفوسهم به، ويطيب لهم به العيش، فإن أطيب العيش وألذه على الإطلاق عيش المحبين لله، المشتاقين، المستأنسين به، فحياتهم هي الحياة الطيبة، فحياتهم، فحياتهم هي الحياة الطيبة على الحقيقة، الحياة الطيبة على الحقيقة». قال: «قال: ولا، قال: ولا حياة للعبد أطيبة، ولا أنعم، ولا أهنأ منها، وليس المراد بها الحياة المشتركة بين الخلق من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنكح، قال: فإن هذه الحياة حياة البهائم، بل ربما زادت البهائم والكفار وغيرهم في هذه الحياة على أولياء الله أضعافًا مضاعفة، قال: وقد يكون حظ المؤمن فيها ناقصًا عن حظ كلب». وهذا يا إخوان معناه: أن الحياة الطيبة والحياة السعيدة ليست هي الحياة التي يضمن فيها العبد الأكل والشرب والملبس والمسكن، لا، هذه يشترك فيها المؤمن والكافر، بل ربما، ربما يعطي ربنا عز وجل الكفار أكثر مما يعطي المؤمنين، بل هذه الأشياء حتى في البهائم موجودة، البهائم تأكل وتشرب، وهكذا لها مسكن ومأوى، مسكن ومأوى، فليس طيب الحياة مقتصرًا على هذه الجوانب المادية، وإنما هناك شيء أعظم، هناك شيء أكبر يعود على العبد بالسعادة والحياة الطيبة. قال الله عز وجل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، لاحظ قال: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه: قال: الحياة الطيبة هي الحياة السعيدة، سعادة يا إخوان يجدها العبد بالإيمان، وهكذا باليقين، وهكذا بالتوكل على الله عز وجل، راحة وطمأنينة يجدها مع الله عز وجل في الأعمال الصالحات، في ذكر الله عز وجل، في ذكر الله عز وجل، فيأنس يا إخوان، يأنس إذا وقف بين يدي الله، أو أخذ يناجي الله بتلاوة القرآن، أو بذكر الرحمن تبارك وتعالى وتعالى. قال رحمه الله تعالى: «فإن الله يجيع عبده المؤمن مع نفاسته، ويشبع الكلب مع خساسته». وهذا حاصل، جاع خير البرية وأزكى البشرية صلى الله عليه وسلم مرات، كان يربط الحجر أو الحجرين على بطنه من شدة الجوع، خرج ذات ليلة في ساعة متأخرة، فوجد صاحبيه ووزيريه، فمن هما صاحبيه ووزيريه يا أبا إبراهيم؟ نعم، وجد أبا بكر الصديق وعمر الفاروق، فسألهما سؤالًا، قال: «ما أخرجكما في هذه الساعة، في هذه الساعة؟». فقالا: يا رسول الله، أخرجنا الجوع، أخرجنا الجوع. فقال عليه الصلاة والسلام: «وأنا والذي نفسي بيده، ما أخرجني إلا هو، ما أخرجني إلا هو». ما هو يا أبا رمزي؟ ما أخرجني إلا هو، الجوع، جوع. يا إخوان، لا يجعل الإنسان أحيانًا ينام حين أن تضيق المعدة، وهكذا الأمعاء، الأمعاء التي تكون في البطن، فماذا؟ ما يستطيع أن ينام، يتألم الشخص من شدة الجوع. قال: «وأنا والذي نفسي بيده، ما أخرجني إلا هو». في غزوة الخندق، كان يحفر الخندق مع أصحابه، وقد ربط حجرًا أو حجرين على بطنه، لما رأى ذلك جابر بن عبد الله ذهل، فذهب عند زوجته ينظر هل هناك طعام يأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يجد إلا شاه، ولم يجد إلا نحو صاع من الشعير، فأمر زوجته أن تذبح الشاه، وأن تخبز الشعير، وذهب يدعو النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه عدد يسير من أصحابه، فلما أخبر جابر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «يا أهل الخندق، إن جابرًا قد صنع لكم طعامًا». فأتى جابر، ومعه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعه ما، أهل الخندق، جيش يأتون على شاه وصاع من الشعير، لما رأت زوجة جابر أهل الخندق قد قدموا، عاتبت زوجها: «أنا قلت لك تكلم النبي صلى الله عليه وسلم، ويأتي معه رجلان، ثلاثة، أربعة، قليل». فأخبرها أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر بذلك، وقصتهم معروفة، حيث أنه نهاهم أن يخرجوا اللحمة من البرمة، وهكذا الخبز من التنور حتى يأتي هو، فجلس عند التنور، وعند البرمة التي يطبخ فيها اللحم، فكان يأخذ من اللحم، ويخرج من الخبز، ويدخل الصحابة عشرة عشرة، عشرة عشرة، يأكلوا، يشبعوا، فيخرجوا، يدخل غيرهم، حتى أكلوا كلهم، أكلوا كلهم، وبقي طعام لجابر وزوجته، ولرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا إخوان، هل هذا عيب في حق النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: جاع، ولم يوقد في بيته لمدة شهرين نار، كان طعامهم على الأسودين، على التمر والماء، خلال شهرين، كما في حديث عروة بن الزبير عن خالته عائشة رضي الله تعالى عنها، بينما كلب قد يشبع، وخنزير يأكل، وأسد يشبع، وغيرها، فهذا ليس معيارًا، وليس مقياسًا للحياة الطيبة التي هي الحياة السعيدة. وقد ذكر، ذكر أهل العلم أن الله تبارك وتعالى قد، قد يجعل عباده المؤمنين الصالحين، يجعل في قلوبهم من طيب العيش وراحة القلب مع ما يعانونه من ماذا؟ من ضيق المعيشة وفقر، ولربما سجن. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عن شيخه، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال: «ومع ما كان عليه من ضيق السجن، سجن في سجن القلعة بدمشق، قال: ومع ما كان عليه من ضيق الصدر، قال: تعرف في وجهه ماذا؟ نظرة النعيم وراحة القلب، إلى غير ذلك». قال: «وكنا إذا ضاقت بنا الأرض بما رحبت، وشد بنا الكرب، أتيناه»، لاحظ: هم خارج السجن، إذا ضاقت بهم الأرض، واشتد بهم الكرب، أن يذهبون، يذهبون لزيارة شيخ الإسلام ابن تيمية وهو في السجن، قال: «فما هو إلا أن نجلس معه ونسمع كلامه، قال: فيتبدل ما بنا إلى راحة وطمأنينة، وطمأنينة». هذا يا إخوان هي جنة الدنيا، لهذا قال بعض العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، قالوا: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». ما هي هذه الجنة الموجودة في الدنيا؟ قالوا: «إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة». نعم، ما هي، ما هي هذه الجنة؟ أهي جنة المعاصي؟ خمور وزنا وأغاني وسلسلات وحشيش ومخدرات؟ أهي هذا؟ لا، وإنما ماذا؟ طيب، أحسنت. نعم، يا أخانا محمد بن زكي، ما هي هذه الجنة التي يعيشها أهل الإيمان في الدنيا، ومن لم يدخلها في الدنيا لن يدخل جنة الآخرة؟ أحسنت، هي جنة الطاعة، هي لذة العبادة، أذه هي جنة أهل الإيمان في الدنيا. قد يكون فقيرًا، وقد يكون مريضًا، وقد يكون ضعيفًا، قد يكون مسجونًا، جائعًا، إلى غيرها، لكنه يجد راحة، ويجد أنسًا بالله تبارك وتعالى، يشعر براحة عظيمة جدًا. كان بعض السلف رحمة الله عليهم يقولون، كما جاء عن إبراهيم بن أدهم وغيره، قالوا: «إنا لفي راحة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف». راحة يجدها طلاب العلم في مجالس العلم، وحلق الذكر، وحلق الذكر، مع أنه قد يكون فقيرًا، ما عنده مال، لكنه مرتاح وسعيد، قد يكون جائعًا، ينتظر متى يذق الباب إذانًا بوقت العشاء، لكنه سعيد، لكنه سعيد، سعيد، وهكذا يشعر براحة، يشعر براحة. قال رحمه الله تعالى: «قال: وإنما هي حياة قلبية روحية، لا تشبه هذه الحياة المذكورة في شيء، بل هذه الحياة المتقدمة، كلا شيء عندها، يعني: ما مر من المآكل والمشارب والملابس والمساكن، أمام لذة الطاعة ونعيم العبادة والطمأنينة التي يجدها العبد في ذكر الله عز وجل، في مجالس العلم». والله يا إخوان، لذة العلم لذة عظيمة جدًا، لذة عظيمة جدًا، طالب العلم الذي قلبه تعلق بالعلم، شغف بالعلم، ما يشعر بي ساعة بين مغرب وعشاء، ما يدري كيف مرت، ما يدري كيف مرت، يود أنها لو طالت، يود أنها لو طالت، لماذا؟ لأن القلب يشعر براحة، ويشعر بنعيم، ويشعر بطمأنينة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. قال: «وهي المذكور في قوله: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾». قال: «وهو سبحانه صادق الوعد، وهو سبحانه صادق الوعد». قال: «وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها، وصارت همًّا واحدًا، وهو، وهو الله، وفي مرضاته، ولما شعب قلبه بالإقبال على الله، واجتمعت، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت منقسمة، بكل وادٍ منها شعبة، على الله، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والأنس بقربه، هو المستولي عليه ظاهرًا وباطنًا، وعليه تدور همومه وإراداته وقصوده، بل خطرات قلبه، أي تدور على ماذا؟ على المحبوب الأعلى». من هو المحبوب الأعلى يا أبا نظم؟ الله عز وجل، الله عز وجل، لا يفكر في متاعب هذه الحياة، تعلق قلبه بالله عز وجل. قال: «فإن سكت، سكت بالله، وإن نطق، نطق به، وإن سمع، فبه يسمع، وإن أبصر، فبه يبصر، وإن بطش، فبه يبطش، وإن مشى، فبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث». كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «وهذا الحديث عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أنه قال: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، وأوله: من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». ما هي النوافل؟ ما هي النوافل؟ نعم، ما هي النوافل عندك؟ ما هي النوافل عندنا؟ فرائض ونوافل، النوافل ما هي؟ أحسنت، السنن المستحبات. قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، أي: مع وبعد أداء الفرائض، قال: حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي». قال العلماء يا إخوان في تفسير هذا: أي أن الله عز وجل يوفقه لفعل الخير، فلا ينظر بعينه إلا إلى خير، ولا يسمع بأذنه إلا خيرًا، ويده لا يبطش بها إلا في خير، ورجله لا تمشي بها إلا إلى خير، وليس معناه ما يقوله أهل البدع والأهواء، وأهل الزندقة، من أهل الحلول والاتحاد، أو وحدة الوجود، أن الخالق يحل في المخلوق، لا، هذه عقيدة كفرية، ليس هذا المقصود. كنت سمعه الذي يسمع به، أي: أن الله يوفق سمعه، فلا يسمع به إلا خيرًا، وهكذا غيرها. قال: «ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن قبض نفس عبد المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه». أي: لا بد له من الموت، المؤمن يا إخوان قد يخاف من الموت، لكن عند الموت تأتي الملائكة وتبشره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، متى؟ عند الموت، ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. قال: «قبر، لا تخاف من القبر، قال: نار، أجنة، لا تخاف من النار، أبشر بالجنة، ألا تخافوا ولا تحزنوا». زوجتي، لا تحزن عليها، الله عز وجل سيخلفك بخير فيها، أولادي صغار، لا تحزن، الله لن يضيعهم. ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، حفظ الله لهذين اليتيمين هذا الكنز بسبب صلاح الآباء، ولهذا كان بعض السلف كابن المسيب وغيره، كان يقول لأولاده: «إني لأجتهد في الطاعة رجاء أن أحفظ فيكم، رجاء أن أحفظ فيكم». ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾. لاحظ هنا يطمئن، هنا يهدأ، هنا يشتاق إلى الله عز وجل، ويحب لقاءه، وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». المؤمن يا إخوان إذا بشر، فإنه يحب أن يلاقي الله عز وجل، الكافر والمنافق إذا بشر بغضب الله وعذاب الله ونار الله، هنا لا يحب، وإنما يكره لقاء الله، فيكره الله لقاءه. قال: «فتضمن الإله يا أبا... قال: فتضمن هذا الحديث، يعني: القدسي، يعني: القدسي، وهناك الحديث النبوي الذي هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث القدسي». قال: «قال: الذي حرام على غليظ الطبع، كثيف القلب، فهم معناه، والمراد به حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل، وسيأتي ويذكر رحمه الله تعالى، يذكر معنى التقرب إلى الله عز وجل بهذه الفرائض وهذه النوافل، ويذكر شيئًا يتعلق بهذا في هذا الفصل الماتع العظيم، الذي يتعلق بمراتب محبة، محبة الله تبارك وتعالى». أسأل المولى عز وجل أن ينفعني وإياكم جميعًا بما نقول أو نسمع، وأن يرزقنا محبته تبارك وتعالى، أن يجعلنا ممن يحبهم ويحبونه، وأن يرفع درجاتنا في الجنة، وأن يسكننا الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، نحن ووالدينا وأزواجنا وأبنائنا وإخواننا وعلمائنا وطلابنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وحسن أولئك، وحسن أولئك.