شرح تطهير الإعتقاد 33

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 33، ألقاها

الرد على شبهات القبورية حول النذر لغير الله

يتناول هذا الفصل الرد على شبهة القبورية في نذر النذور لغير الله، ويبين بطلان هذا الدليل وعدم صلاحيته لإثبات جواز النذر لغير الله. كما يقارن بين اعتقادهم واعتقاد المشركين في الأصنام.

دور إبليس وجنوده في إضلال الناس

يشرح هذا الفصل دور إبليس وجنوده في إضلال الناس، ويبين أن إبليس أقسم على إغواء بني آدم وأنه يرسل جنوده لإضلالهم بارتكاب المعاصي والشرك بالله. كما يشير إلى تأثير إبليس على الناس.

التحذير من تلبيسات الشيطان وطلب العلم النافع

يحذر هذا الفصل من أبواب الشياطين وتلبيساتهم، ويسأل الله العلي القدير أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. كما يشير إلى أهمية طلب العلم النافع للنجاة من تلبيسات الشيطان.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل بن الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: قال: «إن قلت: إن الناذر قد يدرك النفع ودفع الضر بسبب إخراجه للنذر وبذله». هذه شبهة من الشبه التي يتعلق بها القبورية في نذرهم النذور وتقريبهم القرابين لغير الله جل وعلا. وهذه الشبهة حقيقتها أن هؤلاء يستدلون على جواز النذر لغير الله جل وعلا بأن النذر الذي ينذرونه لجلب نفع أو لدفع ضر يجدون أثره، ويجدون أن ذلك النذر الذي بذلوه وفعلوه لأجل جلب نفع أو دفع ضر أن ذلك الأمر قد حصل، وكونه قد حصل مطلوبهم أولف هذا دليل على صحة النذر. وهذا الدليل إذا وقف عنده العقالة، فضلًا عن العلماء وطلاب العلم، لعلموا أنه دليل سامج تمجه العقول والفطر السليمة، بل وتنبو عنه الأسماع. إذ كيف يقول قائل ويستدل مستدل على جواز شيء حرمه الله جل وعلا، بل وهو من أعظم ما نهى الله جل وعلا عنه، ونهى بأنه مشروع وأنه جائز؛ لأن ذلك شيء فعل وجرب فوجد أنه يأتي بالمطلوب. هذا دليل باطل، دليل لا يقوله عاقل، فضلًا عمن شم رائحة الإيمان والعلم. ولكن الأهواء تلعب بأصحابها وتتخطفهم يمينًا وشمالًا. لذا أجاب عن هذه الشبهة الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بقوله: «قلت: كذلك الأصنام كان يدرك منها ما هو أبلغ من هذا، وهو الخطاب من جوفها». أي أن الأصنام ربما خطبت وتكلمت، فظن أولئك الجهال أنها تتكلم وأنها تتحدث معهم، وإنما هي الشياطين التي كانت تتحدث من جوف أولئك الأصنام، فيظنها عباد الأصنام أنها تتحدث معهم وأنها تخبرهم بأمور الغيب والمغيب إلى غير ذلك. فلذا يقول الإمام رحمه الله تعالى: «كذلك الأصنام كان يدرك منها ما هو أبلغ من هذا، وهو الخطاب من جوفها، والإخبار ببعض ما يكتبه الإنسان». فإن كان هذا دليلًا على حقيقة القبور وصحة الاعتقاد فيها - أي صحة اعتقاد جلب النفع ودفع الضر من تلك القبور بذاتها من دون الله جل وعلا استقلالًا - إن كان هذا دعواكم، قال: «فليكن دليلا على حقيقة الأصنام كذلك». وهذا كما قال: هدم للإسلام وتشييد لأركان الأصنام. وهذا الجواب منه رحمه الله تعالى يسمى جوابًا جدليًا. هذا الجواب يسمى منهم - أي من الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى - جوابًا جدليًا؛ إذ أنه تنزل مع الخصوم ومع المخالفين، وحدثهم وأخبرهم بما يلزمهم من مقالتهم، وبيّن لهم أن لازم قولهم الكفر والباطل وإقرار عبادة الأصنام، وهذا باطل. وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم؛ إذ يلزم من ذلك صحة عبادة الأصنام، هم لا يقولون بهذا، فإذن يجب كذلك أن يقولوا بأن صرف النذور وغيرها من العبادات لغير الله جل وعلا أن هذا لا يجوز، بل هو من الشرك بالله جل وعلا. وهذا جواب جدلي، وجواب آخر تحقيقي قال فيه رحمه الله تعالى: «والتحقيق أن لإبليس وجنوده من الجن والإنس أعظم العناية في إضلال العباد؛ إذ أنه أقسم بالله جل وعلا - هذا الخبيث نعوذ بالله - من أنه يضل بني آدم: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ حلف بعزة الله جل وعلا أن يغوي عباد الله جل وعلا أجمعين، ثم استثنى من ذلك المخلصين منهم - أهل الإخلاص - وكذلك أقسم بأن يضلهم: ﴿لَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُذْهِبَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ أغسم كذلك على الإضلال. وهكذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله وغيره: «أن إبليس ينصب عرشه على البحر، ويرسل جنوده، ثم يرجعون إليه فيسألهم ماذا صنعتم؟ فيقول أحدهم: ما زلت بفلان حتى قتل فلانًا، يقول: ما صنعت شيئًا. ويأتي الآخر فيقول: ما زلت بفلان حتى أشرك بالله، يقول: أنت أنت، ويقعده معه على عرشه ويلبسه التاج». الشاهد من هذا أنه يرسل جنوده لإضلال الناس، يرسل جنوده لإضلال الناس، هذا يقتل، هذا يشرك بالله، هذا يطلق امرأته، هذا وهكذا من أنواع البلايا والمعاصي التي يضل بها إبليس من أراد الله جل وعلا إضلاله من الناس. قال رحمه الله تعالى: «أن إبليس وجنوده من الجن والإنس أعظم العناية في إضلال العباد، وقد مكن الله إبليس من الدخول في الأبدان؛ كما هو معلوم أن الله جل وعلا جعل الشيطان في بني آدم، كما جاء في صحيح مسلم: «بل في الصحيحين من حديث صفية رضي الله عنها وأرضاها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يجري في بني آدم مجرى الدم». وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم وهو يذكر حالة وعقوبة آكل الربا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ هذا كذلك من تسلط الشيطان على من تسلط الشيطان على الإنسان في أبدانهم، بل وفي قلوبهم إذا شاء الله تبارك وتعالى ذلك. قال: «والوسوسة في الصدور؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ وقال في السورة الأخرى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ يوسوس في صدور الناس. قال: «والتقام والتقام القلب بخرطومه، فكذلك يدخل أجواف الأصنام ويلقي الكلام في أسماع الأغمار - أي الأغبياء - يلقي كلامًا في أسماعهم، فيظنونه من ذلك السيد ومن ذلك الولي، وإنما هو من صنيع الشيطان ومن فعل الشيطان والعياذ بالله». قالوا: مثلهم يصنع في عقائد القبوريين - أي الشيطان يفعل هذه الأفاعيل وهذه الإضلالات في عقائد القبوريين الذين يعتقدون في غير الله جل وعلا ما يعتقدونه من الأباطيل - قال: «فإن الله تعالى قد أذن لهم - أي إذنًا كونيًا - فإن الله تعالى قد أذن له أن يجلب على بني آدم بخيله ورجله، وأن يشاركهم في الأموال والأولاد؛ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾. قال رحمه الله: «وثبت في الأحاديث أن الشياطين تسترق السمع بالأمر الذي يحدثه الله تعالى فيلقيه إلى الكاهن؛ كما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها». قال: «وهم الذين يخبرون بالمغيبات، ويزيدون فيما يلقيه الشيطان من عند أنفسهم مئة مئة كذبة». قال: «ويقصد شياطين الجن شياطين الإنس من سدنة القبور بذلك الزور والبهتان، فيقولون للقبوريين: إنه فعل الولي، وفعل... يرغبونهم فيه ويحذرونهم منه، ويرون ويرون... ويرون ملوك الأقطار مقرين لذلك، ويولون العمال لقبض النذور». وهذا من شؤم السلاطين الجهلة أنهم يقرون الشرك بالله جل وعلا، بل ويقرون من يدعو إلى ذلك ويعينون من يفعل ذلك، وهذا شر عظيم عليهم أولًا وعلى مجتمعاتهم ثانيًا. قال: «وقد يتولاهم من يحسنون الظن فيه من عالم أو قاض، فيتم التدليس لإبليس؛ إذ الجاهل العام يقول: كيف تقولون بأنه شرك بالله جل وعلا، وهذا القاضي الفلاني قد حضر وفعل مثل فعلتهم؟ كيف تقولون بأنه شرك بالله جل وعلا، وهذا العالم الفلاني قد حضر وفعل وسأل الشيخ ودعا الشيخ وحصل ما حصل؟ هذا من تمام تلبيس وتدليس إبليس اللعين؛ إذ أن الحق يلتبس ولا سيما عند الجهال، ومن أسباب لبسه أن يرى بعض الناس من يحسنون به الظن يفعلون فعلتهم، فيظنون أن ذلك مسوغًا لهم في صحة ما يفعلونه وأنه اعتقاد صحيح وأنه عمل مشروع. والحق على خلاف ذلك؛ إذ العبرة في هذه الأمور كلها بما جاء في كتاب الله جل وعلا، وبما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أرضاهم. الحق يعرف به الرجال، لا يعرف بالرجال، الرجال يعرفون بالحق أتباع الحق. أما أن يقال: ما دام فلان قد قال هذا أو فعل هذا فهذا حق، هذا باطل، هذا باطل. لا أحد معصوم إلى الأنبياء والرسل، هؤلاء هم الذين عصمهم الله جل وعلا. أما غيرهم من أفراد الأمة من أفراد علمائها ليس معصومًا، بل هو معرض للصواب والخطأ كغيره من بني آدم. فليحذر الإنسان غاية الحذر من أبواب الشياطين وتلبيساته. نسأل الله جل وعلا أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على