الدرس في شرح العقيدة الواسطية 11، ألقاها
البعث يعني إخراج الموتى أحياء يوم القيامة، ويجب الإيمان به كما ورد في الكتاب والسنة. منكر البعث الجثماني يعتبر كافرًا.
المسلمون واليهود والنصارى متفقون على البعث الجثماني، لكن النصارى مختلفون في تفاصيله. بعضهم يقول به وبعضهم ينكره أو يختلف في تفاصيله.
الإيمان بالله وصفاته يتطلب الإيمان بما وصف الله به نفسه في القرآن وبما وصفه به رسوله. التحريف في الأسماء والصفات الإلهية خطير ويجب الابتعاد عنه.
الدعاء يتضمن التوسل إلى الله بالحمد والاستغفار والتوبة، مع التأكيد على وحدانيته. يعبر عن الندم على الذنوب والرغبة في التوبة.
بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد. قال رحمه الله تعالى: والبعث في الأصل الإثار والتحريك، والمراد به في لسان الشرع إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة لفصل قضاء بينهم. قوله رحمه الله تعالى: والبعث في الأصل، أي في اللغة، الإثار والتحريك. يقول: أو يقال بعثت البعير، أي أثرته وحركته. قال: والمراد به في لسان الشرع، أي وتعريفه شرعا، إخراج الموتى من قبورهم أحياء يوم القيامة لفصل قضاء بينهم. وذلك حين ينفخ إسرافيل في الصور، على ما سيأتي بإذن الله عز وجل في مسائل البعث. بإذن الله عز وجل، فيخرجون من الأجداث بأجسامهم الأولى، يعيد الله عز وجل الأجسام كما كانت، ثم ينفخ في الصور، فتتطاير الأرواح، فتدخل كل روح في جسدها الذي كانت فيه. قوله رحمه الله تعالى: يوم القيامة لفصل قضاء بينهم، إخراج الموتى من القبور أحياء يوم القيامة لفصل قضاء بينهم. فكما يذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أول ما يكون البعث، والبعث بإخراج الموتى من قبورهم، وإعادة الأرواح إليها. ثم يكون بعد ذلك النشور، وهو انتشار الناس بين يدي الله عز وجل يوم القيامة. يكون البعث، ثم يكون النشور، وهو انتشار الناس. ثم يكون بعد ذلك القضاء. قال رحمه الله تعالى: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، أي أن الناس مجزيون بأعمالهم يوم القيامة، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، كما دلت على ذلك الأدلة الكثيرة من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بينها الله في كتابه، أي على ما أخبر الله عز وجل في كتابه من أن الناس يبعثون حقيقة يوم القيامة. وكذا على ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فيؤمن المؤمن بالبعث كما أخبر الله عز وجل، وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قوله رحمه الله تعالى: ويجب الإيمان بالبعث على الصفة التي بينها الله في كتابه، في إشارة إلى أن هذا الباب توقيفي. إلى أن هذا الباب توقيفي، وهو أنه متوقف على إخبارات الله عز وجل، وكذا على إخبارات رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. فما أخبر به ربنا عز وجل من أمور البعث آمنا به، وما أخبر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من أمور البعث آمنا به. وما عداه توقفنا في تفصيل ذلك. قال رحمه الله تعالى: وهو أنه جمع ما تحلل من أجزاء الأجساد، وهو أنه جمع ما تحلل من أجزاء الأجساد التي كانت في الدنيا. وإن شاؤها، خلقا جديدا. وإعادة الحياة إليها. طيب، هذه بعض صفات البعث، وهو أن الله عز وجل يجمع ما تحلل من أجزاء الأجساد التي كانت في الدنيا، بعد أن تحللت. بعد أن تحللت في الأرض. وكما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب، ومنه تخرجون". أو قالوا: "منه تبعثون". أو كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال رحمه الله تعالى: وإن شاؤها خلقا جديدا، خلقا جديدا على الخلقة الأولى. على الخلقة الأولى، وعلى الأجساد الأولى. فالأجساد بعد أن تبلى يعيدها الله عز وجل كما كانت. قال: وإعادة الحياة إليها، وإعادة الحياة إليها، وذلك بنفخ الأرواح. وبعادة الأرواح إلى أجسادها. قال رحمه الله تعالى: ومنكر البعث الجثماني كالفلاسفة والنصارى كفار. قوله: هو منكر البعث الجثماني، أي أن الله عز وجل يبعث الأجساد حقيقة. كالفلاسفة والنصارى كفار. وهذا فيه إشارة إلى أن بعضهم يقول بإعادة أن الأجساد لا تعاد، وإنما هي الأرواح. وإنما هي الأرواح التي تبقى. وأما الأجساد فلا تعود مرة أخرى. قوله رحمه الله تعالى: ومنكر البعث الجثماني كالفلاسفة والنصارى كفار، هذه الفقرة تعقبها العلامة العثيمين رحمه الله تعالى بقوله: "وهذا فيه نظر". قال: لما ذكره شيخ الإسلام. ما هو الذي ذكره شيخ الإسلام؟ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ذكر في "مجموع الفتاوى" في المجلد الرابع، صفحة 284 ومائتين. قال رحمه الله تعالى: "ومعاد الأبدان متفق عليه عند المسلمين واليهود والنصارى". وهذا كله متفق عليه عند علماء الحديث والسنة. وجه الاستدراك هنا: أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى نقل الاتفاق عن المسلمين واليهود والنصارى أنهم قالوا بماذا؟ أنهم قالوا بالبعث الجثماني. وأن هذا حاصل هو واقع لا محالة. والشيخ الهراس رحمه الله تعالى يقول: "ومنكر البعث الجثماني كالفلاسفة والنصارى كفار". فذكر ممن أنكر البعث النصارى. وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى ينقل الاتفاق على أن النصارى ممن قالوا بأنهم يبعثون حقيقة. الصحيح والله أعلم في هذا: أن المسألة فيها تفصيل. أن المسألة فيها تفصيل. ويتبين هذا التفصيل بالنقل الثاني عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. فقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في "الرسالة القبرصية" صفحة ثلاثين. قال: وهو يتكلم على البعث الجثماني. قال: "لأن عامتهم، وهو يتكلم على النصارى، وإن كانوا يقرون بقيامة الأبدان، لكنهم لا يقرون بما أخبر الله به من الأكل والشرب". إلى أن قال رحمه الله تعالى: "ومنهم متفلسفة ينكرون معاد الأجساد". ومنهم متفلسفة ينكرون معاد الأجساد. وبهذا النقل الثاني عن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يتبين لنا أمور. من هذه الأمور التي تتبين لنا: أولا، أن النقل الأول الذي نقله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في المسألة، ونقل فيها الاتفاق. وذكر ممن قال بهذا القول النصارى. فيكون قوله رحمه الله تعالى، ونقل الاتفاق على أنهم يقولون بالبعث الجثماني، ماذا؟ عموما. ثانيا، أن النصارى وإن كانوا يقولون بالبعث الجثماني عموما، إلا أنهم لا يقولون بما يقول به أهل الحق والسنة وأهل الإسلام. من الأمور التي أخبر بها ربنا عز وجل، أخبر بها نبيه صلى الله عليه وسلم. من أن الناس يوم القيامة في الجنان يأكلون ويشربون ويتزوجون إلى غير ذلك. هذا لا يقولون به. الأمر الثالث: أن من النصارى متفلسفة، أن من النصارى متفلسفة ينكرون معاد الأبدان أصلا ورأسا. الأمر الرابع: يتبين لنا صواب كلام الشيخ العثيمين، وصواب كلام الشيخ الهراس باعتبارين. فيكون كلام الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى صواب باعتبار النقل الأول. وأن النصارى يقولون بماذا؟ بالبعث الجثماني. ولكن على وجه ماذا؟ العموم. وكذلك صواب قول الشيخ الهراس رحمه الله تعالى في قوله: "ومنكر بعث الجثماني كالفلاسفة والنصارى كفار". أي وطائفة من النصارى، وطائفة من النصارى ممن هم من أهل الفلسفة. وبهذا يكون كلا القولين صواب باعتبار. قال رحمه الله تعالى: وأما من أقر به، أي أقر بالبعث الجثماني. ولكنه زعم أن الله يبعث الأرواح في أجسام غير الأجسام التي كانت في الدنيا. فهو مبتدع وفاسق. لأنه أقر بالبعث، فلم ينكر البعث الذي ذكره الله عز وجل، وذكره رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه. ولكنه أنكر جزئية من ذلك. وهو أن قال: أن الأجساد المعادة ليست هي الأجساد الأولى. وإنما هي أجساد أخرى. وهذا قول محدث مبتدع. قال رحمه الله تعالى: وأما القدر، أي الإيمان بالقدر. قال: فهو في الأصل مصدر. تقول: قدرت الشيء بفتح الدال وتخفيفها، أقدره بكسرها قدرا. وقدرا إذا أحطت بمقداره. والمراد به في لسان الشرع: أن الله عز وجل علم مقادير الأشياء وأزمانها أزلا. علم مقادير الأشياء وأوصافها وأحوالها وأزمانها أزلا. ثم أوجدها بقدرته، ثم أوجدها بقدرته ومشيئته على وفق ما علمه منها. وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها. وفي هذا التقرير من الشيخ رحمه الله تعالى إشارة إلى مراتب القضاء والقدر. قال: ثم أوجدها بقدرته ومشيئته، الايجاد يكون بعد المشيئة. فالايجاد، أي كون الأشياء موجودة على ما هي عليه. هذه كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى مرتبة، المرتبة الرابعة. ويعبر عنها العلماء بمرتبة الخلق. قال: وقبلها القدرة والمشيئة. ثم قال: ومشيئته على وفق علمه منها. وأنه كتبها في اللوح قبل إحداثها. وهذا فيه إشارة إلى أن الكتابة سابقة على المشيئة والقدرة. وأن القدرة والمشيئة سابقة على الخلق والايجاد. لذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أن مراتب القضاء والقدر أربع. الأولى العلم، الثانية الكتابة، الثالثة المشيئة، الرابعة الخلق. قال رحمه الله تعالى: وأنه كتب في اللوح قبل إحداثها، كما في الحديث: "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن". وهذا الحديث جاء من حديث عبادة بن الصامت عند الإمام أحمد وغيره. وهو في "الجامع الصحيح في القدر" لشيخنا العلامة الوادعي رحمه الله تعالى. والحديث روي بلفظين، بطول أولا. وفي لفظ آخر: "أول ما خلق الله القلم". أول على الظرفية. وأول على الابتداء. وسيأتي الكلام على هذا بإذن الله عز وجل على الفرق بينهما في بابه. قال رحمه الله تعالى: "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. قال: وما اكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن". وفي هذا أيضا إشارة إلى أن ما هو كائن وما سيكون وما قد كان، فهو كله مكتوب في اللوح المحفوظ. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها}. وهذه أيضا دليل على إثبات الكتابة. وأن كل شيء قد كتبه الله عز وجل في اللوح المحفوظ. قال رحمه الله تعالى: وقوله: "ومن الإيمان بالله"، أي قول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. "ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه، وبما وصف به رسوله". من غير تحريف ولا تعطيل. ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل يؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. قال الشيخ الهراس رحمه الله: وقوله: "ومن الإيمان بالله" إلى آخر كلامه، قال: هذا شروع في التفصيل بعد الإجمال. قال: ومن هنا للتبعيد. والمعنى: ومن جملة إيمان أهل السنة والجماعة بالأصل الأول الذي هو أعظم الأصول وأساسها. وهو الإيمان بالله. أنهم يؤمنون بما وصف به نفسه إلى آخر كلامه. قوله رحمه الله تعالى: هذا شروع في التفصيل، أي في قول شيخ الإسلام رحمه الله: "ومن الإيمان بالله". بعد أن ذكر شيخ الإسلام أركان الإيمان بالله عز وجل. بعد أن ذكر أركان الإيمان الستة. قال: "ومن الإيمان بالله"، ومن الإيمان بالله الذي هو أول أركان الإيمان. وهو أساسها وأصلها. الذي هو الإيمان بالله عز وجل. قال: وقوله: "من هنا للتبعيد". كما ذكر الشيخ الهراس رحمه الله تعالى. لماذا للتبعيد؟ لأن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور. الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. والشيخ رحمه الله تعالى لما قال: "ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه". أراد الكلام على نوع من هذه الأنواع الأربعة. وهو الإيمان بالأسماء والصفات. قوله رحمه الله تعالى: "من غير تحريف" متعلق بالإيمان قبله. يعني أنهم يؤمنون بالصفات الإلهية على هذا الوجه الخالي من كل هذه المعاني الباطلة. إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل. قوله رحمه الله تعالى: والتحريف في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه حرفا. من باب ضربته إذا أملته وغيرته. والتشديد للمبالغة. قوله رحمه الله تعالى: والتحريف لغة إلى آخر كلامه. وذكر غيره من أهل اللغة: أن التحريف حقيقته الميل والعدول. أن التحريف حقيقته لغة الميل والعدول. من إن حرف عنه تحرف. واصطلاحا: هو التغيير لألفاظ الأسماء أو معانيها. التغيير لأسماء أو لألفاظ الأسماء أو معانيها. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: أن التحريف نوعان: تحريف اللفظ، وتحريف المعنى. قال: فتحريف اللفظ العدول به عن جهته إلى غيرها. العدول به أو العدول. إما بزيادة أو نقصان أو بتغيير حركة إعرابية أو غيرها. فهذه أربعة أنواع. قال: وأما تحريف المعنى، فهذا الذي جالوا فيه وصالوا. أي أهل الأهواء والبدع. قال: وسموه تأويلا. وهو صلاح فاسد. وهو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته. وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما. قال رحمه الله تعالى: وتحريف الكلام إمالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح. فلا بد فيه من قرينة تبين أنه المراد. وإلا كان افتراء على الله عز وجل. وهذا الباب كما أشار ابن القيم رحمه الله تعالى: هو الباب الذي صالوا وجالوا فيه. فحرفوا الكلمة عن مواضعها. بحجة أن العقل لا يقبله. وبحجة أنهم ينزهون الله عز وجل عما لا يليق به. والله أعلم. إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.