الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 3، ألقاها
يشرح أهمية الرسل في توضيح الحقائق الدينية التي يعجز العقل عن إدراكها تفصيلا، بينما يمكن للعقل إدراكها إجمالا. بعثة الرسل هي رحمة من الله للعالمين.
يدعو الرسل إلى معرفة الله بأسمائه وصفاته، وهذه المعرفة أساس رسالتهم ومفتاح دعوتهم. معرفة الله تؤدي إلى انقياد العباد وإخلاص العبادة لله وحده.
المعرفة الحقيقية لله تكون بمعرفة شرعه الذي أنزله على رسوله، ويجب الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. معرفة تفاصيل ما جاء به الرسول فرض كفاية.
يؤكد على أهمية العلم لبعض الناس، ويختم بذكر الله والاستغفار. يشير إلى أن الله تعالى أعلى وأعلم، ويعبر عن التوبة والاستغفار والدعاء.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم منذرين، وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وفعاله، إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها. بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قول رحمه الله تعالى: ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل، أي بمعرفة معبودها وخالقها وبارئها، ومعرفة أسمائه وصفاته على التفصيل. وقوله رحمه الله تعالى: على التفصيل، إشعار إلى أنها قد تدرك جملة، أما على التفصيل فإنها لا تستطيع أن تدركه ولا أن تحيط به. فإذن هي بحاجة إلى طريق يعرفها بربها جل وعلا ومعبودها جل وعلا، وتعرفها كذلك بأسمائه وصفاته على التفصيل، وهذا لا يكون ولا يتأتى إلا بطريق الرسل. فإذن نستفيد من هذا الأمر فائدتين: الفائدة الأولى أن العقل يدرك ما جاء به الشرع إجمالا، الفائدة الثانية أن العقل يقصر عن معرفة وفهم وإدراك تفاصيل الشرائع وتفاصيل أسماء الله جل وعلا وصفاته. وهذه لا تكون ولا تتأتى إلا بالشرع، أي بمجيء الرسل. ونحن بحمد الله جل وعلا حديث عهد في التدمورية، لمن درس معنا في التدمورية في القاعدة السابعة من القاعدة التدمورية، ذكرها شيخ الإسلام، وذكر فيها أن العقل يدل على ما دل عليه النقل، إلا أنه يكون ماذا؟ كما مر معنا، يكون إدراكه جملة، والشرع يأتي بالتفصيل. والعقل يوافق ويقر ويعقل ويدرك ما جاء به الشرع بعد التفصيل، تفصيلا أن يقره بأنه الحق وأنه لا تناقض فيه ولا اضطراب، بل هو الحق الذي يجب المصير إليه، والذي تعجز العقول عن مخالفته. وأن من خالفه إنما كانت طريقته باطلة منقطعة محالة لا تكون أبدا صحيحة. وخلاصة هذا في هذه العبارة إشعار من الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى إلى أن العقل يدرك ما أدركه النقل إجمالا. نعم، في بعض المواطن قد يدرك بعض الأشياء أحد الأشياء تفصيلا، لكن ليس كل الأشياء، وليست من الأمور التي هي في باب أسماء الله وصفاته، أو في باب شرع الله جل وعلا، أو في باب ما عده الله جل وعلا لعباده من الثواب والعقاب المخصوص، يدرك ذلك ماذا؟ إجمالا. قوله رحمه الله: فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرفين وإليه داعين إلى آخر كلامه. وفي هذا الكلام تلطف ولطيفة في قوله رحمه الله: فاقتضت رحمة العزيز الرحيم، فيه تلطف من الشيخ من الإمام ابن أبي العز رحمه الله تعالى في السلوك في بيان ما بعث الله جل وعلا به الرسل. وفيه لطيفة، وهي أن بعثة الرسل رحمة من الله، وفضل من الله، وإنعام من الله جل وعلا. قال الله جل وعلا في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وبذا الأسلوب الذي يفيد الإختصاص والحصر، قال: للعالمين، إذن مبنى بعثة الرسل على الرحمة. وفي هذا كذلك إشعار، ونحن في بدء هذا الكتاب، وفي بدء هذا الدرس، إلى أن العلم مبناه على الرحمة، وكذا العلم رحمة في نفسه، فهو رحمة، وهو كذلك يدل على الرحمة. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. فإذا العلم مبنى على الرحمة، وعلى العفو، وعلى الصفح، وعلى اللطف. قوله رحمه الله تعالى: فاقتضت رحمة العزيز الرحيم، وهذه من المناسبة أن يقول: العزيز الرحيم، فهو يرحم مع عزه، وعزته كذلك مع رحمته. وهذه من فوائد المجيء بالإسمين المزدوجين، فأسماء الله جل وعلا حسن بانفرادها، باعتبار انفرادها، وازداد حسنها حسنا إلى حسن إذا ضم الإسم إلى الإسم الآخر. قال رحمه الله: أن بعث الرسل به معرفين، أن يعرفوا العبادة بربهم جل وعلا. هل هذه المعرفة التي أشار إليها وذكرها الإمام ابن أبي العز، المعرفة بأن الله جل وعلا موجود، بأن الله جل وعلا هو الخالق، بأن الله جل وعلا هو الرازق؟ الجواب: أن هذه المعرفة كما هو معلوم مقرر عند أهل السنة والجماعة، هذه معرفة فطرية. فإذا ما هي المعرفة التي جاءت بها الرسل؟ جاءت بالمعرفة التفصيلية، معرفة الرب جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، ومعرفة الرب جل وعلا بما أنعم به ربنا جل وعلا من أنواع النعم على خلقه. قال رحمه الله: «وإليه داعين»، أي إلى الله الرسل داعين إلى الله. قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ النَّبِيُّ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾. وقال الله جل وعلا عن الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فالرسل يدعون إلى إيش؟ إلى الله رب العالمين وحده لا شريك له. قال رحمه الله: «ولمن أجابهم مبشرين»، أي من أجاب الرسل بشرهم الرسل بما أعد الله جل وعلا لأهل الطاعة من النعيم المقيم في جنات النعيم. قال: «ولمن خالفهم منذرين»، أي ولمن خالف الرسل منذرين من عذاب الله جل وعلا، وسخطه، وأليم عقابه. قال: «وجعل مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله»، جعل مفتاح دعوتهم معرفة المعبود سبحانه. بمعنى أن الله جل وعلا أخبر الأمم بواسطة الأنبياء أن الله جل وعلا هو الذي خلقهم، وهو الذي رزقهم، وأنه هو السميع العليم، وأنه هو العزيز الحكيم، إلى غير ذلك من الأسماء الحسنى والصفات العلا. قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالله جل وعلا يستدل بتوحيد الربوبية على إيش؟ على توحيد الألوهية. بمعنى أن من كان خالقا رازقا مدبرا بيده الأمر، فإن هو الذي يستحق أن يكون إلها واحدا لا شريك له. قال رحمه الله: إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها. بمعنى أن من علم أن ربه جل وعلا هو المالك النافع الذي بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، والذي لا يملك أحد النفع المطلق ولا الضر المطلق إلا هو، إذا علم العباد ذلك، كان ذلك سببا لانقيادهم ورجوعهم وإخلاصهم العبادة لله وحده لا شريك له. ثم يتبع ذلك أصلا عظيمان، أحدهما تعريف الطريق الموصل إليه، وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه، والثاني تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم. قال رحمه الله: فأعرف الناس بالله عز وجل أتبعهم للطريق الموصل إليه. أعرف الناس بالله جل وعلا من كان يعرف الطريق الصحيح القويم الموصل إلى الله جل وعلا وحده لا شريك له. قال الله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. أي صراط الله جل وعلا الذي نصبه لعباده يسلكونه ليصلوا به إليه سبحانه وتعالى، والمراد به شرعه. قال رحمه الله: ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحا لتوقف الحياة الحقيقية عليه، ونورا لتوقف الهداية عليه. قال الله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. قال رحمه الله: وسماه الشفاء، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾. فهو وإن كان هدى وشفاء مطلقا، لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنين، خصوا بالذكر. قال الله عز وجل: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾. قال رحمه الله: والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فلا هدى إلا فيما جاء به، ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا. قوله رحمه الله تعالى: ولا ريب، أي لا شك ولا ارتياب في ذلك أنه يجب على كل أحد. وقوله: على كل أحد، ها هنا المراد به على واقعه وظاهره، أن على كل أحد يجب الإيمان. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كان نبي بعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة». وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار». وهذا أمر مجمع عليه، لا خلاف بين أهل العلم أنه يجب على كل أحد أن يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. قال رحمه الله: ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية. هذا الإيمان العام المجمل هو الذي يدخل الإنسان في الإسلام. ثم قال رحمه الله: ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية، أي قد يقول: وعلى التفصيل، فقال الشيخ: على التفصيل، هذا من فروض الكفايات. إذا قام به البعض سقط عن البعض الآخر. لأن الفرض إما أن يكون فرض عين، وهذا واجب على كل واحد بعينه، وإما أن يكون فرض كفاية، فإنه واجب على بعض الناس دون بعض. قال رحمه الله: وأما ما يجب على أعيانهم، فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم. وما أمر به أعيانهم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم، ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه، ما يجب على القادر على ذلك. فروض الأعيان متعلقة بقدرة كل عبد واستطاعته. قال الله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. فالحاصل من هذا أن فروض الأعيان متعلقة بقدرة كل عبد واستطاعته. قال رحمه الله: ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها. ويجب على المفتي والمحدث والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك. لأن هؤلاء بحاجة إلى العلم ما ليس بحاجة إليه غيرهم. والله تعالى أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.