الدرس في كتاب الطهارة 1، ألقاها
كتاب عمدة الأحكام هو كتاب فقهي حديثي جمعه الحافظ عبد الغني المقدسي، ويتميز بسرد الأحاديث النبوية المتفق عليها من قبل البخاري ومسلم. يعتبر المقدسي من أوائل من رتب الأحاديث تحت الأبواب الفقهية.
نشأ الحافظ عبد الغني المقدسي في دمشق وتتلمذ على يد علمائها، ثم قام برحلات إلى بغداد وأصبهان لطلب العلم. واجه المقدسي محاولات من الحاقدين للتشويش عليه في دروسه.
الطهارة هي شرط أساسي لصحة الصلاة ولها أهمية كبيرة في الشريعة الإسلامية. تشمل الطهارة رفع الحدث وإزالة النجاسة، وتتضمن أيضًا التيمم والأغسال المسنونة.
وعلى آله وصحبه، وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا. وبعد، نبدأ في هذا اليوم بإذن الله عز وجل بهذا الكتاب الذي هو "عمدة الأحكام" للحافظ الكبير والعالم الشهير تقي الدين أبي محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى. وسنقرأ بإذن الله عز وجل ترجمة مختصرة ذكرها محقق الكتاب لهذا العالم الكبير مؤلف هذا الكتاب رحمه الله تعالى. وقبل الكلام على المؤلف، ترجمة وكذلك على الكتاب، نحب أن نبين أن كتاب "عمدة الأحكام" من الكتب الفقهية الحديثية، بمعنى أن الحافظ عبد الغني بن مقدسي رحمه الله تعالى من علماء الحديث، وألف هذا الكتاب على طريقة المحدثين. والمحدثون يذكرون المسائل الفقهية التي تضمنتها الأحاديث الأحكام، فبعضهم أو كثير منهم يبوّبون، يذكرون أبوابًا فقهية، ثم يذكرون تحت تلك الأبواب الأحاديث المناسبة للمسائل المراد ذكرها. والحافظ عبد الغني المقدسي من هؤلاء رحمه الله تعالى، فإن بعض أهل العلم يؤلف في مسائل فقهية بكلام منسوب بكلام منسوب من كلام ذلك المؤلف، ومن أهل العلم يسير على طريقة المحدثين، على طريقة المحدثين من سرد الأحاديث تحت الأبواب تحت الأبواب، فتكون في تلك الأحاديث مسائل تلك أو ذكر أزلة تلك المسائل مراد ذكرها. وهي كما سمعتم طريقة المحدثين رحمهم الله تعالى، والحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى سار على هذه الطريقة المبتكرة، بمعنى أنه كما قال بعضهم إنه أول من ألف على هذه الطريقة، أي أنه جمع الأحاديث النبوية التي اتفق عليها الشيخان البخاري ومسلم مجردًا عن الأسانيد، مجردًا عن الأسانيد. فيقولون أول من ابتكر هذه الطريقة، طريقة حذف الأسانيد والاكتفاء بذكر المتن فحسب، بذكر المتن أي متن الحديث فحسب، مع ذكر الصحابي، وأحيانًا ربما ذكر معه التابعي لفائدة كما سيأتي في تنوير الكتاب. وهو رحمه الله تعالى كما سمعتم من علماء الحديث الذين يقال إنه أول من ابتكر هذه الطريقة، وأيضًا كما يقال الشيء بالشيء يذكر، يقال أيضًا هو أول من ابتكر جمع رجال الكتب الستة في كتابه "الكمال" في كتابه "الكمال" الذي هذبه فيما بعد ذلك الحافظ المزي بكتابه المشهور "تهذيب الكمال"، ثم هذبه بعد ذلك الحافظ بن حجر في كتابه "تهذيب التهذيب"، ثم قربه في كتابه "تقريب التهذيب". فالرجل رحمه الله تعالى آتاه الله عز وجل فهمًا وصدقًا، وكذلك علمًا واسعًا، استطاع رحمه الله تعالى أن يبتكر هذه الطرق المفيدة النافعة التي انتفع بها من بعده، وصار عليها من بعده الذين ألفوا في أبواب الأحاديث في مسائل الأحاديث على الذين ألفوا في المسائل الفقهية على الأحاديث النبوية. ساروا على هذا السير، ساروا على هذا السير بمعنى أنهم ساروا على سير الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى، إلا أن بعضهم توسع في ذكر أحاديث الأحكام، فذكر المتفق عليه وغير المتفق عليه، سواء كانت صحيحين أو كان خارج الصحيحين. قال المحقق: هو الإمام المحدث المحقق المؤرخ حافظ عصره تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن السرور بن رافع بن حسن بن جعفر الجماعي المقدسي ثم الدمشقي، ولد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وكان قدومه مع أسرته من بيت المقدس إلى مسجد أبي صالح خارج الباب الشرقي لمدينة دمشق أولًا، ثم انتقلت أسرتهم إلى سفح جبل قاسيون، بنوا دارًا تحتوي على عدد كبير من الحجرات دعيت بدار الحنابلة. ثم شرعوا في بناء أول مدرسة في جبل قاسيون، وهي المعروفة بالمدرسة العمرية، وقد عرفت تلك الضاحية التي سكنوها بالصالحية فيما بعد، نسبة إليهم لأنهم كانوا من أهل العلم والصلاح. وهذا يدل على أن هؤلاء ومنهم عبد الغني المقدسي، وكذلك موفق الدين ابن قدامة رحمهم الله تعالى جميعًا، والعائلة بشكل عام عائلة المقادسة كانت فيهم العلم والصلاح، لذا نشر الله عز وجل على أيديهم الخير الكثير في بلاد الشام وفي بلاد مصر فيما بعد ذلك. قالوا: وقد نشرت هذه الأسرة الجليلة المذهب الحنبلي في الشام، فانتشرت مدارس المذهب لا في الصالحية فحسب، بل في دمشق ذاتها، وكثرت مدارسه في ضواحيها كدومة والرحيبة والضمير وبعلبك. وأثرت هجرة في مذهب الإمام أحمد، فقد استطاعوا بدراستهم وتآليفهم الفقهية أن يوجدوا كتبًا قيّمة في مذهب هذا الإمام، أصبحت عمدة المذهب الحنبلي إلى أيامنا، وأثروا أيضًا في علم الحديث. قال: وتتلمذ الحافظ عبد الغني في صغره على عميد أسرته، العلامة الفاضل الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، ثم تتلمذ على شيخ دمشق وعلمائها، فأخذ عنهم الفقه وغيره من العلوم. ثم قصد بغداد سنة خمسمائة وستين، ونزل عند الإمام الشيخ عبد القادر الجيلاني، فقرأ عليه شيئًا من الفقه والحديث، وأقام عنده نحو أربعين يومًا، بعدها مات الشيخ الجيلاني، فأخذ عن الشيخ أبي الفتح بن المني الفقه والخلاف. ثم رحل إلى أصبهان، فمكث فيها وقتًا طويلًا يدرس ويدرس، إلى أن عاد إلى بغداد مرة ثانية سنة خمسمائة وثمانية وسبعين، فحدث بها، وانت، وانتقل من ثم إلى دمشق، فأخذ يقرأ الحديث في رواق الحنابلة من مسجد دمشق الأموي. فاجتمع الناس إليه، وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس عظيم، فحسده بنو الزكي وبنو الدولعي، وجهز الناصح بن الحنبري فتكلم تحت قبة الناصر في المسجد الأموي، وأمروه أن يجهر بصوته ما أمكنه حتى يشوش على الحافظ عبد الغني. وعند ذلك حول الحافظ ميعاد درسه إلى ما بعد العصر، فذكر يومًا عقيدته، فثار عليه القاضي ابن زكي الدين، وضياء الدين الدولعي، فعقدوا له مجلسًا في قلعة دمشق يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة 595، وتكلموا في مسألة العقيدة ومسألة النزول ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام، فظهر عليهم الحافظ عبد الغني بالحجة. فقام له الصارم برغش وهو في القلعة، فقال: كل هؤلاء على ضلال وأنت على حق. فقال: نعم. فقال: ماذا قال نعم؟ قال: نعم. فأرسلوا من كسر منبره في الجامع، ومنع من الجلوس فيه، فضاق درعًا ورحل إلى بعلبك، ومنها إلى مصر، فنزل عند الطحانين، وصار يقرأ الحديث، فنفق به سوقه، وصار له حظ من أصحاب. فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إلى الوزير صفي الدين بن شكر، فأقر نفيه إلى المغرب، غير أن الحافظ عبد الغني مات قبل وصول كتاب النفي إليه. قال المحقق: عبادته وتضرعه كان لا يضيع شيئًا من وقته، يصلي الفجر، ويقرأ القرآن أو الحديث، ثم يتوضأ ويصلي الكثير من النفل إلى قبيل الظهر، ثم ينام سويعة، ثم يصلي الظهر، ويقبل على التسميع والتسبيح إلى صلاة العصر، فيصليها، ويتابع ما كان عليه إلى الغرب، فيفطر إن كان صائمًا، ويصلي المغرب، وينتقل إلى العشاء، فيصليها، وينام إلى نصف الليل، ثم يستيقظ فيتوضأ ويصلي قبيل الفجر، فينام قليلًا ثم يستيقظ لصلاة الفجر. قال شيخه: أخذ العلم عن الشيخ أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، وأبي المكارم بن هلال، وغيرهما في الشام، وعن الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأبي الفتح بن المن، وهبة الله بن هلال، وابن البطي ببغداد، وأبي طاهر السلف في الأسكندرية، وقام عليه ثلاثة أعوام، وكتب عنه كثير، وعن أبي محمد بن بر النحو في مصر، وأبي الفضل الطوس بالموصل، وعبد الرزاق الإسماعيلي القومسي بهمذان، والحافظ أبي موسى المديني، وأقرانه بأصبهان، وغيرهم من الأعلام مشهود لهم بالعلم والفضل. قال: وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء، فهي رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما، وعلى صورتهما. وقولنا: في معناهما أردنا به التيمم والأغسال المسنونة، كالجمعة وتجديد الوضوء، والغسلة الثانية والثالثة في حدث، والنجس ونحوها. قال: وبدأ المصنف رحمه الله تعالى بكتاب الطهارة؛ لأن أشرف أركان الدين بعد الشهادتين الصلاة، ولابد لها من طهارة، فاستحقت التقديم. قال الحافظ تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى: الحمد لله الملك الجبار الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب السماوات والأرض وما بينهما والعزيز الغفار، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المصطفى المختار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأخيار. أما بعد، فإن بعض إخواني سألني اختصار جملة في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الإمامان أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، ومسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، فأجبته إلى سؤاله رجاء المنفعة به. وأسأل الله أن ينفعنا به، ومن كتبه أو سمعه أو قرأه أو حفظه أو نظر فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه في جنات النعيم، فإنه حسبنا ونعم الوكيل. كتاب الطهارة. والطهارة لغة: النظافة والنزاهة عن الأدناس. ويقال: طهر بفتح الهاء وطهر بضمها. والفتح أفصح. والاسم: الطهور أو الطهور. والطهور بالفتح: اسم لما يتطهر به، سواء كان من ماء أو نحوه. وبالضم: اسم للفعل. وأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء، فهي رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما، وعلى صورتهما. وقولنا: في معناهما أردنا به التيمم والأغسال المسنونة.