المحاضرة بعنوان التعليق على وصية الإمام أحمد لولده انو الخير، ألقاها
يبدأ الدرس بالحديث عن أهمية وصايا العلماء الصالحين، مع التركيز على وصية الإمام أحمد بن حنبل لولده عبد الله بنية الخير. هذه الوصية تعتبر من الوصايا العظيمة التي تحمل معاني كثيرة لمن يتدبرها.
يناقش الدرس أهمية النية الصالحة وأثرها على الأعمال والثواب، حيث أن النية الصالحة أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، وهي محبوبة لله ورسوله، ويثاب عليها، وتؤثر على مضاعفة الأجر.
يتناول الدرس أهمية نية الخير وخطورة نية الشر، حيث أن نية الخير تجلب الخير والتوفيق، بينما نية الشر تؤدي إلى الحرمان من العصمة الإلهية والخذلان. يشدد على ضرورة نية الخير في حياة المسلم.
ينتهي الدرس بالدعاء للنبي بالصلاة والسلام والبركة، ويشمل ذلك أهل بيته وصحابته، معبرًا عن التقدير والاحترام للنبي محمد، ويعتبر هذا الدعاء جزءًا من التقاليد الإسلامية.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فنحن في هذه الليلة بإذن الله تبارك وتعالى مع وصية أخرى من وصايا الأئمة الصالحين المصلحين، رحمهم الله تعالى وغفر الله لهم. وفي قراءة مثل هذه الوصايا النافعة الطيبة ما فيها من العون على الثبات على الخير أولًا، وكذلك ما فيها من مواصلة الخير ثانيًا، وفيها كذلك ما يحتاجه الإنسان من معرفة ربه جل وعلا، ومعرفة شرع الله جل وعلا، وكذلك فيها ما فيها من تجديد العبد عهده بالله جل وعلا، والنظر كذلك في قلبه ونواياه، والنظر كذلك في أعماله الصالحة في كيفية تلك الأعمال، في وصفها، في هيئتها، في صحتها، في كمالها، وفي الحرص على أن يتقبلها ربنا تبارك وتعالى. فوصايا العلماء رحمهم الله تعالى - ولا إما رحمهم الله تعالى - تعد في المرتبة الثالثة بعد وصية الله جل وعلا، وبعد وصية رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقد كان العلماء رحمهم الله تعالى - وما زالوا - يسألون الوصية من أهل الخير، يسألون الوصية من أهل الخير. لو قرأنا في تراجم الصحابة، في تراجم التابعين، في تراجم تابعي التابعين، الأئمة إلى زمننا هذا، تجد الأئمة بعضهم لبعض، الرجل منهم يرى في من قبله من أئمة الخير، ومن أراد الهدى الخير فيقول لو أوصني، فيوصيه بكلمات موجزات مختصرات، ولكنها نافعات معينات. وهذه هي وظيفة الوصاية، أنها كلمات يسيرات، ولكنها متضمنة لمعاني كثيرات لمن تأملها وتدبرها، ثم وفقه الله جل وعلا للعمل بمقتضاها. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا جميعًا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل ربنا تبارك وتعالى ما علمنا حجة لنا لا علينا، وأن يجعله نافعًا لنا في ديننا ودنيانا ويوم لقاء ربنا تبارك وتعالى. اليوم أو هذه الليلة بإذن الله جل وعلا نتكلم على وصية هي من الوصايا العظيمة، وصية من الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى لولده بنية الخير. والإمام أحمد رحمه الله تعالى هو من تعرفونه، إمام أهل السنة والجماعة في زمنه، وهو إمام قد فتح الله جل وعلا عليه من أبواب الخيرات والبركات والثبات والصدق والسير على سنة محمد صلى الله عليه وسلم ما هو معلوم مشهور عنه. قال عبد الله: الوصية أولًا ذكرها الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى في كتاب الآداب الشرعية، وعنونا عليها بقوله: «فصل: وصية الإمام أحمد لولده بنية الخير». انظر إلى هذا العنوان: «وصية الإمام أحمد لولده بنية الخير». قال عبد الله بن الإمام أحمد لأبيه يومًا: أوصني يا أبتي. فقال: يا بني، أنوي الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. هذه الوصية هي الوصية. قال عبد الله بن أحمد: عبد الله بن أحمد الإمام بن أحمد، إمام رضي الله عنهم ورحمهم الله. عبد الله بن أحمد من حرصه على الخير، من حرصه على الانتفاع، من حرصه على التعلم والتعليم، سأل أباه الإمام بهذا السؤال: يا أبتي أوصني. قال لأبيه: أوصني يا أبتي. وتعلمون أن وصية الأب لولده تكون لها مكانة ومنزلة واهتمام. ولكن انظر إلى عمق فهم السلف، وكذلك انظر إلى عباراتهم. ماذا قال لهم؟ يا بني، أنوي الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. وصدق من قال: إن كلام السلف قليل كثير البركة. كلام السلف قليل كثير البركة، وكلام الخلف كثير قليل البركة. يعني هذه العبارة من إمام أحمد رحمه الله تعالى لو وقف إنسان عندها يشرحها ويبينها ويعلق عليها ويذكر ما يدخل تحتها وما هو مقتضياتها ولوازمها لخرجت بماذا؟ بشرح طويل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن النية أصلها حب الله ورسوله، النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، وهذا هو بنفسه محبوب لله ورسوله مرضي لله ورسوله. هذا تعليق على ماذا؟ على النية: أنوي الخير. انظر هذا معنى من المعاني الذي تضمنته هذه الوصية. قال شيخ الإسلام: فإن النية أصلها حب الله ورسوله وإرادة وجهه، هذا هو أصل ماذا؟ النية. فمعنى أنوي الخير أي يا بني أصل ذلك أن تحب الله ورسوله، وأن يكون عملك لوجه الله تبارك وتعالى. فإنك إن فعلت هذا فإن هذا الفعل الذي هو من عمل القلب هذا العمل هو ماذا؟ محبوب لله، محبوب لرسول الله، مرضي لله، مرضي لرسول الله. قال الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى: وهذه وصية عظيمة سهلة على المسؤول. انظر إلى هذا الكلام. يقول: وهذه وصية عظيمة، الوصف الأول بأنها ماذا؟ عظيمة، أي جليلة. ثم قال ماذا؟ سهلة على المسؤول. سهلة على ماذا؟ على المسؤول، سهلة، ما هي صعبة، ما فيها تكلف. لماذا؟ لأنها وصايا السلف، ما فيها كلفة ولا فيها ماذا؟ شيء من التشدق، ولا شيء، إنما هي ماذا؟ وصايا سهلة ونافعة وعظيمة. قال: وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها. انظر: وفاعلها أي فاعل ماذا؟ هذه الوصية، ناوي الخير دائمًا. قال: فاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها. لذا قال الإمام أحمد ماذا؟ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. قال: وهي صادقة على جميع أعمال القلوب المطلوبة شرعًا. صادقة على جميع أعمال القلوب المطلوبة شرعًا. فكل عمل من أعمال القلوب لابد له من ماذا؟ من نية بالخير التي هي معناها ماذا؟ أصلها ماذا؟ حب الله وحب رسوله وإرادة وجه الله تبارك وتعالى. فكل عمل صالح مفتقر إليها، كل عمل صالح مفتقر إليها. قال: وأنها يثاب عليها. ثم قال: ولا أجد في الثواب عليها خلافًا، أي محل إجماع. أن النية الصالحة يثاب عليها من نواها، وهذا محل إجماع. لذا يقول إمام أحمد رحمه الله تعالى: فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير. ومصداق ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». قال الإمام ابن مفلح رحمه الله: قال الشيخ تقي الدين - أي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله - في كتاب الإيمان المشهور لكتاب الإيمان: ما هم به من القول الحسن والعمل الحسن، فإنما يكتب له به حسنة واحدة. يعني إذا هم الإنسان بحسنة ولم يعملها كتبت له ماذا؟ حسنة واحدة. قال: وإذا صار قولًا وعملًا كتب له به عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف. إلى هنا انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. قال الإمام ابن مفلح: وذلك للحديث المشهور في الهم. يشير رحمه الله تعالى إلى حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة حسنة إلى أضعاف كثيرة». قال: ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة. ومعنى هم بسيئة ثم تركها لوجه الله، تركها لوجه الله، هذا ماذا؟ كتبت له ماذا؟ حسنة. قال: ومن هم بسيئة فعملها كتبت عليه ماذا؟ سيئة واحدة. انظر إلى فضل الله تبارك وتعالى في باب الحسنات، إذا نوى أجر حسنة. في باب السيئة إذا نوى ولم يعمل لم تكتب له شيء، كتبت له ماذا؟ حسنة. قال: علماء هذه المضاعفة تكون بحسب ما يقوم في القلب من العمل، من محبة، من نية، من إخلاص. يعني فرب إنسان ينال عشر حسنات، وآخر سبعين، سبعمائة، أكثر، أضعاف ضعف، كل ذلك بما يقوم في قلب العبد من المحبة والإقبال على الله تبارك وتعالى في العمل بذلك العمل. قال: ويلزم من العمل بهذه الوصية ترك أعمال القلوب المذمومة شرعًا. مثل ماذا؟ مثل الحسد، مثل البغضاء، الشحناء، مثل كراهية الخير للغير، سواء كان للجيران، للأصحاب، للمسلمين، هذه كلها من أعمال القلوب المذمومة شرعًا، نهى عنها الشرع: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا»، نهى عنها ماذا؟ الشرع. قال: وأن من عملها لم يبق في حرز من الله وعصمته. نعوذ بالله، نسأل الله تبارك وتعالى العفو والعافية. لماذا هذه العبارة؟ ما مقصد الإمام ابن مفلح رحمه الله تعالى بهذه العبارة؟ معناها ومقصده رحمه الله تعالى أن من لم ينو الخير ونوى الشر، فإنه لم يوفق، لم يوفقه الله جل وعلا، بل وكله إلى نفسه الأمارة له بالسوء، فرفع الله تبارك وتعالى عنه ماذا؟ حرزه وعصمته وحفظه وتوفيقه، ووكله إلى نفسه، فصار ماذا؟ فصار مخذولًا والعياذ بالله. قال: قيل لإمام أحمد رحمه الله تعالى: يا أبا عبد الله، قيل: العافية عشرة أجزاء، العافية أي سلامة الصدر، عافية الصدر والقلب من الهم، من الغم، من الشحناء، من البغضاء، من نية الشر للغير. يا أبا عبد الله، قيل: العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التجاوز، تسعة منها في ماذا؟ في التجاوز، في التجاوز عن ماذا؟ عن أخطاء الغير، عن إساءات الغير، عن زلات الغير، إلى غير ذلك. قال إمام أحمد رحمه الله: بل العافية عشرة أجزاء كلها في التجاوز. الإمام الشافعي رحمه الله تعالى له أبيات أو له بيت عظيم أيضًا بهذا المعنى. قال: «لما عفوت ولم أحقد على أحد أرحت نفسي من هم العداوات». ما أحسنها من كلمات، كلمات مختصرات، كلمات مريحات. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها كما في الصحيحين: «من تقمص رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط، وما ضرب خادمًا، قالت: ولا ضرب أحدًا بيده، لا امرأة ولا خادمًا إلا أن يكون ضربًا في سبيل الله». هذه حلما، حال الكرماء من الرجال، الكرماء من الرجال لا يقابلون، لا ينتقمون لأنفسهم، بل يترفعون. قال: ودل هذا النص على المعاقبة على أعمال القلوب المذمومة. أي النص المذكور، ذكر الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أي في قوله: «يا بني، أنوي الخير، فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير». مفهومه: يا بني، إذا لم تنو الخير، فإنك لا تزال بشر ما لم تنو ماذا؟ أو ما نويت الشر. قال: وأما إن لم ينو خيرًا ولا شرًا، فهذا يبعد خلو عاقل منه. لماذا؟ لأن هذا معناه خلو عن النقيضين، واضح. وهذا مستحيل، كما أن الاجتماع النقيضين ماذا؟ مستحيل. قال: فهذا يبعد خلو عاقل من أي جدار يمكن أن يوصف بهذا: لا خير ولا شر، واضح. جماد يقال: لا خير ولا شر، لكن هل يقال في إنسان؟ لا ينوي الخير ولا شر، هذا مستحيل لغير موجود، إلا أن يكون مجنونًا. قال: ثم نية الخير منها ما يجب بلا شك. يعني ثم نية الخير منها ما يجب بلا شك، ومن تركها فقد فعل محرمًا. هذه عبارة فيها شيء من القلق، لكن قد توجّه بأن يقال: ثم نية الخير منها ما يجب بلا شك إلى ها هنا جملة، أي أن من الأعمال أو من النيات ما هو واجب، مثل نيات الصلوات، مثل نيات الصيام، إلى غير ذلك، هذه نية ماذا؟ واجبة بلا شك. قال: فيا لها من وصية ما أشد وقعها وما أعظم نفعها. فنسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين العمل بها والتوفيق لها ولما يحبه ويرضاه آمين. ثم قال: فبمثل هذا تكون وصايا أئمة المسلمين، وصايا ماذا؟ مختصرة، مفيدة. قال: وقد قيل: نية المؤمن خير من عمله وأشرف من عمله لاعتبارها فيه. لاعتبارها فيه، بخلاف العكس. أي أن النية المجردة من العمل يثاب عليها كما في الحديث: «من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له ماذا؟ حسنة كاملة». والعمل المجرد عن النية فإنه ماذا؟ فإنه لا يثاب عليه، واضح. قال: وقيل أيضًا: النية سبقت العمل. وهذا واضح صحيح. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.