كلمة الأخ الفاضل خالد مرجح

الدرس في كلمة الأخ الفاضل خالد مرجح، الأربعاء 6 شوال 1431هـ بمسجد الحبش بالديس الشرقية . ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

المحبة في الله والأخوة الإيمانية

يؤكد الخطيب أن المحبة والأخوة في الله كشجرة مثمرة تحتاج قلوباً صادقة، مستدلاً بآيات وأحاديث تحث على التحابب والتحذير من المحبة المبنية على المصالح الدنيوية. وتظل محبة المتقين ثابتة يوم القيامة بعكس المحبة الدنيوية الزائلة.

أثر التقوى والطاعة في تقوية المحبة الأخوية

تتقوى محبة المؤمنين بملازمة تقوى الله وأداء الفرائض والنوافل، كما يبين الحديث القدسي أن محبة الله للعبد توجب محبة الملائكة والناس له. وعلى العكس، تؤدي الذنوب والمعاصي إلى البغضاء والشحناء وتفريق المتحابين.

خطر الذنوب والمعاصي على وحدة القلوب والألفة

تحذر الآيات وأقوال السلف من أن المعاصي تفرّق القلوب وتورث العداوة والبغضاء بين المسلمين. ولا يتحقق النجاة والائتلاف إلا بالتوبة والرجوع إلى طاعة الله ورسوله.

الحفاظ على الأخوة الإسلامية بطاعة الله واجتناب المعاصي

يدعو المتحدث المسلمين إلى السعي الحثيث لطاعة الله والابتعاد عن الذنوب لحفظ الأخوة بينهم. ويشير إلى أنه سيترك المجال لإخوانه الزائرين لمواصلة الحديث.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فكلمات يسيرات قلائل بين يدي إخواننا حفظهم الله، ونترك المجال لهم فهم ضيوفنا وهم زوارنا، حفظهم الله ووفقهم إلى مراضيه. أيها المسلمون، إن المحبة في الله والأخوة في الله شجرةٌ مثمرة، ولكنها لا تنبت إلا في القلوب الصادقة، وإن لها أسبابًا تنميها، ولها أسبابٌ تضعفها أو تزيلها. ولقد حث شرعنا الكريم على التحابب في الله والتآخي فيه، قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ولقد أثنى ربنا عز وجل في كتابه الكريم على المتحابين فيه والمتباذلين فيه والمتآخين فيه، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. وأخبر ربنا عز وجل في كتابه الكريم بأن المحبة التي تكون لله عز وجل هي التي تبقى وتدوم، وأما المحبة القائمة على المصالح الدنيوية أو على التعصبات المذهبية أو على التكتلات الحزبية فإنها تضمحل وتزول ولا تبقى لها باقية، قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾. ولقد أشاد نبينا عليه الصلاة والسلام بهذا الأصل العظيم أيما إشادة، فقد ثبت عن النبي المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «إنكم لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». وهكذا يقول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا». وكما تقدم في أوائل هذه الكلمة بأن المحبة في الله لها أسباب تنميها، ولها أسباب تضعفها أو تزيلها، وإن من أعظم الأسباب التي تنمي الأخوة وتقوي من روابطها ملازمة تقوى الله عز وجل والعمل بطاعة الله تبارك وتعالى والمحافظة على النوافل. فلا يخفى عليكم حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري في صحيحه أن الله عز وجل يقول: «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه». ومتى ما كان العبد محبوبًا عند الله فإنه يجعل في قلوب العباد المحبة له، قال ربنا سبحانه في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَانُ وُدًّا﴾ أي محبة في قلوب العباد. وكما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله إذا أحب عبدًا نادى جبريل: إني أحب فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماوات: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماوات، ثم يوضع له القبول في الأرض». وبالعكس من ذلك، الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب في حصول الشحناء والبغضاء، قال عليه الصلاة والسلام: «وإن الله إذا أبغض عبدًا نادى جبريل: إني أبغض فلانًا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي جبريل في أهل السماوات: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، فيبغضه أهل السماوات، ثم توضع له البغضاء في الأرض». وهكذا يقول عليه الصلاة والسلام كما روى البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: «ما افترق اثنان بعد تواد كانا عليه إلا بذنب يحدثه أحدهما». وهكذا يقول ربنا سبحانه في شأن النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. فحذار حذار معاشر أهل الحق من الذنوب والمعاصي، فإنها من أعظم الأسباب التي تنافر بين القلوب، ومن أعظم الأسباب التي تعصف بالقلوب وتذهب بها شذر مذر. قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. وهكذا يقول ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾. وهكذا يقول ربنا سبحانه في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾. ثم أخبر ربنا عز وجل بعاقبة من خالف أمر الله عز وجل وخالف أمر رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. يا لها من مصيبة عظيمة يوم أن يحال بين المرء وقلبه، فيرى المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ولا ينشرح صدره للخير ولا يكون منطلقًا في الخير. بل يروى عن مجاهد بن جبر أنه قال في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، قال: حتى يتركه لا يعقل. فمتى لم تحصل الاستجابة لأوامر الله عز وجل ولأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام انتشرت الشحناء والبغضاء بين المسلمين، ولا خلاص لهم ولا نجاة لهم من هذه الشحناء والبغضاء ولا مفر لهم منها إلا متى ما رجعوا إلى ربهم سبحانه، فإن الذنوب والمعاصي هي أساس كل شر وبلاء. لذلك علينا إذا أردنا أن تجتمع كلمتنا على الحق وأن نكون متآخين فيه ومتحابين فيه أن نبتعد عن الذنوب والمعاصي، فذنبك ومعصيتك هو الذي يسبب القطيعة بينك وبين أخيك. بل يروى عن بعض السلف أنه قال: «إني لأعمل المعصية ثم أجد شؤمها في خلق دابتي وامرأتي». فهذا فقه عظيم من السلف الصالح رضي الله عنهم، أنهم يعلمون بأن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي تعكر صفو المحبة وصفو الألفة. فلذلك علينا أيها المسلمون إذا أردنا أن نحافظ على هذه الأخوة فيما بيننا أن نسعى سعيًا حثيثًا إلى طاعة الله سبحانه، وأن نبتعد عن الذنوب والمعاصي بشتى أشكالها وأنواعها. وأترك المجال لإخواني، وإلا فالكلام له بقية، ولكن أترك المجال لمن زارنا من الإخوان، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى.