الدرس في شرح كتاب الزكاة 4، ألقاها
يناقش المقطع أقسام الزكاة ويتناول حكم زكاة الذهب والفضة مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وإجماع أهل العلم. يبين أن الزكاة تجب في الذهب والفضة لورود النصوص الشرعية في ذلك.
يحدد المقطع نصاب الذهب والفضة ومقدار الزكاة الواجب فيهما، حيث يبين أن نصاب الذهب خمسة وثمانون جرامًا ونصاب الفضة خمسمائة وخمسة وتسعون جرامًا. يوضح أن الواجب في الزكاة ربع العشر ويمكن حسابه بتقسيم المبلغ على أربعين.
يشترط لوجوب الزكاة في الذهب والفضة بلوغ النصاب وحولان الحول، كما يشترط الملك التام والإسلام والحرية. يحذر من التحايل على الزكاة بتصرفات غير جائزة شرعًا لتحاشي أداء الزكاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف -وفقه الله-: المسألة السابعة في أقسامها. قال: الزكاة قسمان. أولا: زكاة الأموال، وهي التي تتعلق بالمال، وهي أكثر أنواع الزكاة. أكثر أنواع الزكاة تتعلق بالمال: زكاة الذهب والفضة، والبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض. قال: ثانيا: زكاة الأبدان، وهي التي تتعلق بالبدن، وهي زكاة الفطر. زكاة الفطر تتعلق بالبدن؛ لأنها تخرج طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمًا للمساكين. وزكاة الأموال -كما سيأتي- لا تجب إلا على من ملك هذه الأموال التي تجب فيها الزكاة، وقد بلغت نصابًا، وحال عليها الحول. وأما زكاة البدن، فتجب على كل من ملك ما زاد عن حاجته في يوم العيد وليلة العيد. من ملك صاعًا زائدًا عن حاجته في يوم العيد وليلة العيد، تجب عليه زكاة الفطر -كما سيأتي بإذن الله- فيما يتعلق بزكاة الفطر. قال: المسألة الثامنة: زكاة الدين. قال: الدين إذا كان على معسر، فإن صاحب الدين يزكيه إذا قبضه لعام واحد في سنة قبضه. وإن كان على مليء قادر، فإنه يزكيه لكل عام؛ لأنه في حكم الموجود عنده. هذا القول ذكره المؤلف، وهو مذهب الإمام مالك -رحمه الله-، وهو الصحيح في هذه المسألة. الدين كيف يزكيه الإنسان؟ إذا لك مال عند شخص استدان منك شخص مالا، فهل تزكيه أم لا؟ يقال: ينظر في حال هذا المدين. إن كان معسرًا -إن كان معسرًا يعني ما عنده، إذا قلت له أين الدين؟ يقول: ما عندي- إذا كان معسرًا فإنه لا يزكيه، لا زكاة عليه فيه؛ لماذا؟ لأنه في حكم المعدوم؛ لأنه في حكم المعدوم. فإذا قبضه -يعني بعد سنتين مثلا أو ثلاث سنين- أتى بالدين، قال: «خذ هذا دينك الذي أخذته». فإذا قبضه يزكيه عن سنة واحدة، يزكيه عن سنة واحدة؛ يعني في السنة الذي يقبض فيها الدين يزكيه. وإن كان الذي أخذ الدين موسرًا، متى ما قلت له: هات الدين؟ قال: «على طول موجود». فمثل هذا يعتبر الدين، وهذا المال يعتبر في قبضتك، يعتبر في قبضتك، فلا فرق بين أن يكون عندك، وبين أن يكون عند هذا المدين الذي أخذ الدين. فهذا تزكيه لكل سنة، تزكيه لكل سنة. واضح؟ أخذ منك فلان من الناس مئة ألف. طيب مرت سنة، هل تزكي عن هذه المئة؟ نقول: ننظر، ينظر في هذا الذي أخذ الدين. إن كان موسرًا، قلت: يا فلان أين المئة الألف؟ قال: هذه موجودة، هذه تزكيها، تزكيها كل سنة. وإذا قال: ما عندي، أنا الآن معسر، ما عندي هذا المال، فلا زكاة عليك في هذه المئة حتى تقبضها. هذا معنى هذا القول، وهذا فيه تخفيف عن صاحب المال؛ فلا يزكي مالا وهو غير موجود عنده، ولا منتفع به. وأيضًا فيه إنظار للمعسر، فيه إنظار للمعسر. والله عز وجل يقول: ﴿فَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال: الباب الثاني: في زكاة الذهب والفضة، وفيه مسائل. المسألة الأولى: حكم الزكاة فيهما، وأدلة ذلك. قال: تجب الزكاة في الذهب والفضة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ولا يتوعد بهذه العقوبة إلا على ترك واجب. ولقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت عليه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي الله بين العباد». والحديث في صحيح إمام مسلم. قال: ولإجماع أهل العلم على أن في مئتي درهم خمسة دراهم، وعلى أن المذهب إذا كان عشرين مثقالا وقيمته مئة درهم، تجب الزكاة فيه. فالزكاة في الذهب والفضة واجبة؛ بدليل هذه الآية والحديث: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. يكنزونها؛ يعني يخبئونها ويجمعونها، ولا يزكونها، ولا ينفقونها في سبيل الله، فالله عز وجل توعدهم بهذا الوعيد يوم يحمى عليها في نار جهنم، فتقوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. وكما جاء في الآثار: «ما أخرج زكاته فليس بكنز»، ما أخرج زكاته فليس بكنز، مهما بلغ ولو كان شيئًا كثيرًا، إذا كان يزكى فليس بكنز. وإذا لم يزكى فهو المكنوز، والمراد به في هذا الوعيد إذا كان قد بلغ نصابًا. ولا يتوعد لمثل هذا الوعيد إلا على ترك واجب. لو كان زكاتهما أمرًا مستحبًا لما كان يتوعد به بهذا الوعيد الشديد. وهكذا أيضًا في حديث أبي هريرة: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها». وما هو حقها؟ الزكاة، حق حقهما هو الزكاة. ثم ذكر عليه الصلاة والسلام هذا الوعيد: «أنه يقوى بكنزه وذهبه وفضته، تصف له صفائح من نار، فيقوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت عليه»؛ يعني كلما برد جلده أعيد عليه الكي مرة أخرى، «في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي الله بين العباد». أيضًا من دليل وجوب الزكاة في الذهب والفضة الإجماع؛ إجماع أهل العلم على أن في مئتي درهم خمسة دراهم. ونقل الإجماع غير واحد من أهل العلم: شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن قدامة، وغيرهم: «أن في مئتي درهم خمسة دراهم» -سيأتي معنا في نصاب الفضة- قالوا: «وعلى أن المذهب إذا كان عشرين مثقالا -يعني من الذهب- وقيمته مئتا درهم، تجب الزكاة فيه». وهذا سيأتي الكلام عليه في بيان مقدار الزكاة. قال: المسألة الثانية: مقدارها. مقدار الزكاة الواجب في الذهب والفضة ربع العشر؛ أي واحد من أربعين. واحد من أربعين؛ أي في كل عشرين دينارًا من الذهب نصف دينار، وما زاد فبحسابه قل أو كثر؛ يعني ما زاد على العشرين دينار، فيخرج منه الزكاة، يخرج منه الزكاة كل بحسابه. فإذا بلغت الدنانير عشرين دينارًا ففيها الزكاة، فإذا زادت العشرين: ثلاثين، أربعين، إذا كان مثلا عنده أربعون دينارًا، ففيها دينار، وهكذا كلما زادت أخرج الزكاة عن الجميع، ربع العشر من الجميع. قال: وما زاد فبحسابه قل أو كثر. وفي كل مئتي درهم من الفضة خمسة دراهم. وفي كل مئتي درهم من الفضة خمسة دراهم. فنصاب الذهب عشرون دينار، ونصاب الفضة مئتي درهم. مئتي درهم، والذهب عشرون دينار. الدينار الإسلامي زنة مثقال، زنة مثقال. والمثقال أربع غرامات وربع؛ أربع غرامات وربع. فإذا ضربنا أربع وربع في عشرين سيكون الناتج خمسة وثمانون غرامًا، وهو نصاب الذهب. نصاب الذهب خمسة وثمانون جرام. ونصاب الفضة بالوزن خمسمائة وخمسة وتسعون جرام، وبالدراهم مئتي درهم. قال: وما زاد فبحساب ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في كتاب الصدقة: «وفي الرقة كل مئتي درهم ربع العشر». الرقة هي الفضة، الفضة الخالصة، مضروبة أو غير مضروبة. وقيل: الرقة أصلها ورق، أصلها الورق، وحدبت الواو وعوض عنها بالهاء فصارت رقة. فالمهم أنها الفضة الخالصة. في كل مئتي درهم ربع العشر؛ ربع العشر خمسة دراهم. قال: ولحديث: «ليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليه الحول، ففيها نصف مثقال». الحديث رواه أبو داود من حديث علي رضي الله عنه. وهذا فيه بيان نصاب الذهب. قال: «ليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليه الحول، ففيها نصف مثقال»؛ يعني نصف دينار. وتعلمون أول كانوا -يعني يتبايعون- كان الثمن الذي يحصل به البيع والشراء الذهب والفضة، أو الذهب والفضة، كانت الدنانير من الذهب والدراهم من الفضة. قال: ولما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنه كان يأخذ من كل عشرين مثقالا نصف مثقال. حديث رواه ابن ماجه والدارقطني، وصححه علام الألباني -رحمه الله-. إذا نصاب الذهب عشرون دينار، وهو ما يساوي خمسة وثمانون جرام من الذهب. ونصاب الفضة مئة درهم، وهو ما يساوي خمسمائة وخمسة وتسعون جرام. والواجب في الزكاة ربع العشر. فإذا أردت أن تخرج الزكاة بأسهل طريقة، تقسم ما معك على أربعين، فالناتج هو الواجب من الزكاة. مثلا معك مئة ألف تقسمها على أربعين، فالناتج ألفان وخمسمائة. طيب معك مليون تقسمها على أربعين، فالناتج خمسة وعشرون ألف. معك أربعون مليون تقسمها على أربعين، فالناتج مليون وهكذا. قال: مسألة الثالثة: شروطها. قال: يشترط لوجوب الزكاة في الذهب والفضة الشروط التالية: أولا: بلوغ النصاب، وهو عشرون مثقالا من الذهب؛ لحديث علي: «ليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليه الحول، ففيها نصف مثقال». ويساوي بالجرامات خمسة وثمانون جرامًا. وهذا كما قلنا؛ لأن المثقال يساوي أربع جرامات ربع، إذا ضربناها في العشرين فالناتج خمسة وثمانون. هذا نصاب الذهب. إذا بلغ الذهب خمسة وثمانين جرامًا فيكون قد بلغ النصاب الذي تجب فيه الزكاة. وإن كان أقل من ذلك فليس فيه زكاة؛ ليس فيه زكاة. إذا كان عند الإنسان أربع وثمانين جرامًا مثلا لم تبلغ خمسة وثمانين، فليس فيها زكاة. قال: ونصاب الفضة مئة درهم من الفضة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». والأوقية أربعون درهمًا، فخمس أواق تساوي مئتي درهم. والحديث في الصحيحين. قال عليه الصلاة والسلام: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». خمس أواق، الأوقية أربعون درهمًا، أربعون في خمسة بمئتين. هذا نصاب الفضة: مئتين، مئتا درهم. وإذا كان أقل من خمس أواق فليس فيها زكاة؛ إذا كانت أقل من مئتي درهم فليس فيها زكاة. قال: فخمس أواق تساوي مئتي درهم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها». هذا حديث أنس، عن أبي بكر في كتاب الزكاة. والحديث في البخاري: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومئة فليس فيها شيء»؛ يعني إذا كانت أقل من المئتين فليس فيها زكاة. والنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «إن لم تكن إلا تسعين ومئة»، من باب إسقاط الكسور؛ من باب إسقاط الكسور؛ يعني بدل من يقول: «فإن لم تكن إلا مثلا تسع وتسعون ومئة»، أسقط هذا الكسر وقال: «إلا تسعين ومئة». المقصود أنها دون المئتين، دون المئتين فليس فيها شيء؛ يعني ليس فيها زكاة، ليس فيها زكاة. قال: «إلا أن يشاء ربها»؛ يعني مالكها، إذا شاء أراد أن يخرج الزكاة من نفسه وأن يزكيها فله ذلك، لكن ليس على سبيل الوجوب. ما تجب عليه إلا إذا بلغت هذا النصاب، أن تبلغ مئتي درهم. فإن كانت أقل من المئتي درهم فليس فيها زكاة، فإذا أراد مالكها أن يزكيها فله ذلك، لكن ليس بواجب عليه. قال: وقد أجمع العلماء على أن نصاب الفضة خمس أواق، ونصاب الذهب عشرون مثقالا. ونصاب الذهب عشرون مثقالا. قال: ثانيا: بقية الشروط العامة التي سبقت فيمن تجب عليه الزكاة، وهي الإسلام والحرية والملك التام وحولان الحول. وقد سبق الكلام عليها؛ يعني تجب بقية الشروط للزكاة التي مرت: بأن يكون مالك الذهب والفضة مسلمًا؛ فإن كان كافرًا فلا تجب عليه الزكاة؛ لا تجب عليه، وإن كان يخاطب بالوجوب ويعذب على تركها، لكن ما تجب عليه؛ لأنه ما تصح منه إلا بالإسلام. والحرية؛ لأنه إن كان رقيقًا فما ملكه من ذهب وفضة فهو لسيد؛ ليس له. والملك التام؛ بأن لا يكون معرضًا للتلف، كما مر معنا: أن يكون ملكه ملكًا مستقرًا. وحولان الحول؛ يعني دوران السنة، أن تدور على هذا الذهب والفضة الذي بلغ النصاب السنة قمرية كاملة. فإذا دارت، فحينئذ تجب فيه الزكاة. وأما إن لم يبلغ السنة فليس فيه زكاة؛ فلأن إنسان ملك عشرين دينارًا من الذهب، ودار عليه -دارت عليه- إحدى عشر شهرًا، إحدى عشر شهرًا، ثم أنفقه، فما جاء الشهر الثاني عشر إلا وقد نقص النصاب، صار عنده مثلا ثمانية عشر دينارًا، فليس فيه زكاة؛ لأن من شروط وجوب الزكاة حولان الحول، وهذا لم تدور عليه السنة؛ لم تدور عليه السنة، فليس فيه زكاة. فمن شروط وجوب الزكاة في الذهب والفضة حولان الحول. لكن لا يفعل ذلك تحايلًا على إسقاط الزكاة؛ إذا فعل ذلك تحايلًا فهو آثم؛ يعني يجعل المال قد بلغ النصاب، فإذا قربت السنة من الاكتمال أخرج شيء من المال حتى ينقص النصاب هروبًا من الزكاة، هذا يعتبر آثمًا، ولا يجوز، ولا يجوز له فعل مثل هذا الفعل؛ بل هو آثم على إخراج الزكاة، ويآثم على هذا التحايل لإسقاط هذا الواجب. لكن إن حصل من غير تحايل: أنفق هذا المال، احتاج منه فأنفقه، فليس شيء عليه. أما أن يفعله تحايلًا وهروبًا من الزكاة، فهذا لا يجوز. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.