الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 24، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يتميز أهل الحديث بأخذ دينهم كاملاً من الكتاب والسنة، ويعتمدون الإجماع وسنة الخلفاء الراشدين المهديين كمصادر تشريع، مستشهدين بتأييد الوحي لرأي عمر بن الخطاب في أسارى بدر.
يأخذ أهل السنة والجماعة دينهم من الكتاب والسنة على فهم الصحابة والتابعين لنزول الوحي بينهم، واتباع سبيل المؤمنين يورث الائتلاف بينما تركه يورث الفرقة، وقد شهد الإمام أحمد بخيرية أصحاب الحديث لزهدهم واهتمامهم بالعلم.
تتميز مجالس أهل الحديث بذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وزهدهم في الدنيا حيث مدادهم طيبهم وسهرهم نومهم، ويتحملون مشقة الرحلة طلباً للأسانيد العالية، وقلوبهم عامرة بحب السنة معادين لأهل البدع.
وصف الإمام أحمد صفات أهل السنة والجماعة بناءً على ملاحظته لأصحاب الحديث المهتمين بالعلم النافع، واختتم بدعاء ختامي تقليدي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف حفظه الله: قال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الصابوني: «أهل الحديث أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل، فأوردتهم الاتفاق والإتلاف». يعني: من علامات أهل السنة، أهل الحديث، أنهم يأخذون دينهم من الكتاب والسنة، هذان المصدران الأساسيان لأخذهم دينهم. وغيرهم يترك الأخذ من الكتاب والسنة، أو يأخذ شيئًا على ما يوافق هواه ويترك ما يوافق هواه، يعني: كل الأمر عند ذلك الشخص هو الهوى. وأما أهل السنة فإنهم يأخذون الدين كاملًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، أخذوا الدين من جميع جوانبه. فالمصدر الأساسي للدين هما الكتاب والسنة. وأيضًا من مصادر التشريع: الإجماع، ما أجمع عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». فإذا اجتمعوا فإن هذا الأمر مأخوذ، والإجماع أيضًا من الأدلة التي يؤخذ بها. وما سنه كذلك الخلفاء الراشدون الذين أمرنا نبينا صلى الله عليه وعليه وسلم بالأخذ بما سنوه، لأنهم على علم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ». إذن أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نتمسك بسنته، وأيضًا أن نأخذ بسنة الخلفاء الراشدين، فسماهم عليه الصلاة والسلام خلفاء راشدين مهديين، هم مؤيدون أيضًا من الله سبحانه وتعالى. فإن كان كما قال عليه الصلاة والسلام: «في هذه الأمة مُحَدَّث أو نبي، فهو عمر». مُحدَّث، ملهم، عمر رضي الله تعالى عنه، وقد وافق ما أخذ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أمور، وثلاثة أشياء نزل الوحي بتأييد عمر فيها: في أسارى بدر، جاء القرآن بتأييد عمر رضي الله تعالى عنه في أن لا يأخذ الفداء من الأسارى، بل يأمر فلانًا وفلانًا كما قال عمر أن يقتل قريبه، ونزل قول الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾. فيأتي القرآن يؤيد كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يؤيد كلام بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كعمر رضي الله تعالى عنه. فإذن: أهل السنة والجماعة يأخذون دينهم من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمع عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه عليه وسلم كما سبق قال: «لا تجتمع أمتي على ضلالة». وهكذا أيضًا ما سنه خلفاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فيأخذون الكتاب والسنة على فهمهم، يأخذون الكتاب والسنة على فهمهم، لأنهم نزل الوحي وهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلموا مواضع التنزيل، وفقهوا الكتاب والسنة، فيعملون بالكتاب والسنة، ويتركون أشياء لعلمهم أن هذا ليس العمل فيه يكون على ذلك النحو. فأنت تتبع هؤلاء: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾. غير سبيل المؤمنين، المراد بهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، يدخلون دخولًا أوليًا في هذه الآية الكريمة، كما قال ابن القيم رحمه الله: هم الذين فقهوا الكتاب والسنة وعملوا بهما، وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وطريق النقل: طريق النقل يعني يتبع الآثار، ما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يتتبع، يتتبع السنة الصحيحة لا الضعيفة، ما يتتبع الأحاديث الضعيفة، إنما يتتبع طريقة، طريقة النُّظَل، طريقة المحدثين. فإذا أخذ أهل السنة والجماعة بهذين الأصلين، وما كان عليه السلف الصالح، فإنهم يأتلفون ولا يختلفون، لا يمكن أبدًا يحصل بينهم الاختلاف، وإنما يتفقون ويأتلفون. فإذا لم يأخذوا بذلك حصل بينهم الخلاف، كما هو حاصل في هذه الأمة لما تركوا العمل، تركوا العمل بالكتاب والسنة، حصل بينهم الخلاف، وحصلت الفرقة، حصلت الفرقة. فهناك الآن فرق، وهناك جماعات كثيرة، كل هذا بسبب عدم العمل بالكتاب والسنة على فهم السلف الصالح وعهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم. يشهد لهم بالائتلاف، يشهد لهم بالائتلاف، وهم مجتمعون ومجمعون على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا من بعدهم من التابعين وأتباعهم. ثم قال: قال أبو عبد الله أحمد، من هو أبو عبد الله أحمد؟ ابن حنبل، الإمام المشهور، إمام أهل السنة والجماعة. قال: «أصحاب الحديث خير الناس». وكيف لا يكونون كذلك، وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة. هذه شهادة عظيمة لأهل السنة والجماعة أنهم خير الناس، أفضل الناس. وكيف لا يكونون كذلك؟ يقول: لأنهم أولًا نبذوا الدنيا وراء ظهورهم، يعني ما يهتمون بها اهتمامًا عظيمًا، وإنما يأخذون من الدنيا ما يبلغهم للدار الآخرة، ما يبلغهم للدار الآخرة. وجعلوا غذاءهم الكتابة، أن يهتمون بالعلم فيكتبون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وسمرهم المعارضة، يعني العرض، يعرض بعضهم على بعض، ويتذاكرون الحديث. واسترواحهم المذاكرة، أن يتذاكرون أيضًا، فهم يفرحون من استرواح النفس وفرحها وطيبها عندما يذكر حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فغالب مجالسهم فيها خير، حتى لو جلسوا مجالس عادية غير المسجد، فإنهم يتذاكرون أيضًا شيئًا من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيرتاحون بذلك. قال: «وخلوقهم المداد»، يعني طيبهم المداد، مداد الكتابة. «ونومهم السهاد»، السهر وعدم الرقود والنوم الكثير. «واصطلاءهم الضياء»، يعني الضياء كانوا على الشمع، وعلى السرج، سرج الزيت، فهذا الذي كانوا يصطلون به ويصطلعون به. «وتوسدهم الحصى». وهذه صفات كانت موجودة فيهم، رحمهم الله، بذاك الزمان الذي ليس فيه كما عندنا الحين من الكهرباء، ومن الفرش والوسائد، وإنما كان حالتهم صعبة، كان ذاك الزمان حالتهم صعبة، أهل الحديث صبروا، والله سبحانه وتعالى آتاهم من فضله، فشاهد لهم من بعدهم، شاهد لهم بالخير والسنة والتمسك فيها والعمل بها. قال: «فالشدائد مع وجود الأسانيد العالية عندهم رخاء». يعني الرخاء عندهم ليس عن كثرة المال، وإنما الرخاء عندهم إذا كثرت الأسانيد العالية، يعني قلة الرجال في الإسناد إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع ما يتحملون ويعانون ويتكبدون من المصاعب والشدائد، لكن كله يهون في طلب الحديث إذا كان الإسناد قصيرًا، يعني رجلين أو ثلاثة، أو رجل واحد، سواء كان من التابعين، أو أتباع التابعين، أو أتباع أتباع التابعين. فكانوا يطلبون الأسانيد العالية، وإلا لما سمعنا بالرحلة، وجدت الرحلة منهم، فكانوا يرحلون. لما محمد وابن معين رحلوا إلى عبد الرزاق الصنعاني، محمد أين كان؟ في بغداد، رحل من بغداد إلى اليمن، على ماذا رحل؟ رحل مشيًا على الأقدام، مشيًا، وربما ركب بغلًا أو حمارًا أو فرسًا أو بعيرًا أو نحو ذلك من المركوبات. فهذه أيضًا بطيئة، ما يسرعون عليها، تمشي كمشي الإنسان مشيًا، الراكب، فيقطعونها في أشهر، يظلون شهرًا. هذا يرحل إلى الشام، من اليمن إلى الشام، وذاك صاحب الشام يرحل إلى العراق، ويرحلون إلى مصر، ويرحلون إلى بلاد شتى. الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى ألف في هذا، وغيرهم من العلماء ألفوا في هذا، في الرحلة، لشرف أصحاب الحديث. قال: «ووجود الرخاء مع فقد ما طلبوه عندهم بؤس». يعني لو وجد الرخاء، وجد العيش الطيب، وتوفرت وسائل الراحة، فهو ليس برخاء عندهم، بل بؤس، إذا لم يكن فيه الأسانيد العالية. قال: «فعقولهم بلذاذة السنة غامرة، قلوبهم بالرضاء في الأحوال عامرة، تعلموا السنة سرورهم، ومجالس العلم حبورهم، وأهل السنة قاطبة إخوانهم، وأهل الإلحاد والبدع بأسرها أعداؤهم». هذه صفات أهل السنة والجماعة، ذكرها الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لما رأى في أصحاب الحديث الذين يعتنون ويهتمون بالعلم النافع. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.