شرح تطهير الاعتقاد 23

الدرس في شرح تطهير الاعتقاد 23، ألقاها

تحذير الإمام الصنعاني من القباب والمشاهد

يتناول التحذير من القباب والمشاهد التي تؤدي إلى الشرك، ويستشهد بأحاديث النبي وتحذيره من البناء على القبور. هذا التحذير يبين خطورة هذه الممارسات على التوحيد.

النهي عن الممارسات الشركية حول القبور

يتناول النهي عن إسراج القبور وكتابة شيء عليها وبناء القباب، ويعتبرها من البدع والمحدثات التي نهى عنها النبي. هذه الأفعال أدت إلى الوقوع في الشرك كما حدث مع قوم نوح.

الرد على استدلالات البناء على قبر النبي

يناقش حكم البناء على القبور واتخاذ القباب، ويبين أنها من وسائل الوقوع في الشرك. يجيب عن استدلال البعض بقبر النبي، موضحا أن هذا البناء ليس من أمر النبي ولا صحابته.

خاتمة حول انتشار المنكر وإعراض الناس عن الإنكار

يعبر عن الأسف لانتشار المنكر واتباع الأهواء وإعراض الناس عن الإنكار. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معربا عن عدم وجود من ينهى عن هذه الممارسات.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام محمد بن الأمير الصنعاني رحمه الله في كتابه "تطهير الاعتقاد": "فإن هذه القباب أو المشاهد التي صارت أعظم ذريعة إلى الشرك والإلحاد"، وهو كما قال: "أن هذه القباب والمشاهد صارت ذريعة عظيمة للوقوع في الشرك والإلحاد في دين الله جل وعلا". ولهذا حذر النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الكثيرة عن البناء على القبور، واتخاذها عيدا، والغلو في أصحابها من الصالحين. كل هذا يوقع العبد في الشرك بالله جل وعلا، ويصير هذه الأوثان - هذه القبور يعني - أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا. قال: "غال من يعمرها"، بل كل من يعمرها الملوك والسلاطين، إما على قريب لهم أو على من يحسنون الظن فيه من فاضل أو عالم. يعني أن الملوك والسلاطين والأمراء هم الذين يقومون على الاعتناء بهذه القبور والمشاهد، ببنائها والإنفاق عليها، وحماية من يقوم عليها. فإذا كان هذا حال السلطان أن يقوم على مثل هذه المظاهر الشركية، فلا شك أن هذا من الأسباب العظيمة التي تجعل كثيرا من الناس من الجهلة - يعني - يقعون في حبال الشرك بالله جل وعلا، والقيام بزيارة هذه القباب والخبور وتعظيمها. ذكر هنا المحقق مثالا لذلك من قيام بعض الملوك بالعناية بهذه القباب والمشاهد، قال: "انظر قطاب الإمام عبد الله بن حمزة السفاح المتوفى سنة 614 الهجرة، الذي وجهه إلى أهل قرية لصف من نهم، يهددهم بنقل رفاة أخيه إبراهيم حمزة من عندهم ما داموا لم يجعلوا قبره مزارا لهم". ومما جاء في القطاب أنه قال: "فهل رحمكم الله استشفيتم بتراب مصرعه من الأدواء، وسألتم بتربة مضجعه رفع الأسواء، واستمطرتم ببركة قبره من رحمة ربكم طوالع الأنواء، وعظمتم حاله كما يعظم حال الشهداء، وأوجبتم من حقه ما ضيع الأعداء، وعمرتم على قبره مشهدا، وجعلتموه للاستغفار مثابة ومقصدا، ونذرتم له النذور تقربا، وزرتموه توددا إلى الله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلينا تحببا". نقرأ هذا الخطاب من كتاب "هجر العلم". انظر إلى هذا الخطاب الذي فيه دعوة إلى الشرك بالله جل وعلا، ودعاء هذا الميت، وأن يسأل ويطلب منه الشفاء وقضاء الحاجات، وكذلك أيضا إنزال المطر، وكذلك بذل النذور له، إلى غير ذلك من أمور الشرك بالله جل وعلا. قال: "ويزوره الناس الذين يعرفونه زيارة الأموات من دون توسل به ولا هدف باسمه، بل يدعون له ويستغفرون، حتى ينقرض من يعرفه أو أكثرهم، فيأتي من بعدهم فيجد قبرا قد شيد عليه البناء، وسرجت عليه الشموع، وفرش بالفراش الفاخر، فيعتقد أن ذلك لنفع أو دفع ضرر". وتأتيه السدنة يكذبون على الميت بأنه فعل وفعل، وأنزل بفلان الضرر وبفلان النفع، حتى يغرسوا في جبلته كل باطل. وهذا كان مثله في أول شرك وقع في هذه الأرض في قوم نوح، حين غلوا في أولئك الصالحين: ود، سواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، كانوا رجالا صالحين من قوم نوح. لما ماتوا اتخذ بعض من كان يعتقد فيهم الصلاح أن صور صورهم - أوحى إليهم الشيطان بذلك - حتى يتذكروا عبادتهم وطاعتهم فينشطوا للعبادة. فلما هلكوا وجاء من بعدهم أوحى إليهم الشيطان بأنهم بهم كانوا - يعني - يستشفعون ويستمطرون، فعبدوهم من دون الله جل وعلا. قال: "والأمر ما ثبت بلا أحاديث نبوية من اللعن على من أسرج على القبور وكتب عليها". اللعن على من أسرج على القبور لم يصح ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك حديث صحيح - يعني - ذكر ذلك أو النهي عن الإصراج أو لعن من فعل ذلك. لكن النهي عن ذلك يؤخذ من عموم الأدلة، من عموم الأدلة كقوله عليه الصلاة والسلام: "إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". وهكذا النهي عن تشبه بالكفار: "من تشبه بقوم فهو منهم"، لأن إصراج السرج وإيقاد النار هذا من عبادة المجوس. وهكذا أيضا إذا كان النهي عن البناء على القبور محرما، فإيقاد السرج من باب أولى، لأنه إيقاد السرج لا يكون إلا بعد البناء - إلا بعد البناء القبور وبناء القباب - فهو أيضا يدخل في التحريم، لكن بدليل - يعني - ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت ذلك بحديث خاص. وهكذا الكتابة عليها كذلك لم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن الكتابة على القبر. ورد في ذلك - يعني - زيادة في حديث جابر الذي في صحيح الإمام مسلم، وجاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يبنى على القبر، وأن يجصص، وأن يقعد عليه. الحديث صحيح بهذا اللفظ. جاء في زيادة: "وأن يكتب على القبر". هذه الزيادة لا تصح، هذه الزيادة لا تصح. لكن الكتابة على القبر تعتبر من البدع، تعتبر من البدع والمحدثات، لأنها لم تكن على عهد النبي عليه الصلاة والسلام ولا على الصحابة، فهي من البدع والمحدثات. قال: "وبنى عليها أيضا". البناء على القبور لم يأت فيه اللعن، لكن جاء فيه النهي، كما في حديث جابر، ونهى أن يبنى على القبر، وغيره من الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على القبر. قالوا: "حديث ذلك واسع معروفة". فإن ذلك في نفسه منهي عنه، ثم هو ذريعة إلى مفسدة عظيمة - يعني - البناء لاتخاذ المشاهد والقباب وإيقاد السرج، هذا كله من الذريعة إلى الوقوع في الشرك. ولهذا لما كانت هذه وسائل الوقوع في الشرك نهى عنها الشرع، نهى عن البناء على القبر، وأن يزاد - يعني - فوق الشبر بما أخرج منه، لأجل ماذا؟ حتى ما يغتر - يعني - هذا القبر بصاحبه، كما يحصل لكثير من الجهلة، يرى قبرا قد بني وجصص، وربما جعل عليه قبة، وغطي بالفرش الفاخرة. فلما يرى مثل ذلك يغتر فيدعوه ويستغيث به، ويصرف له العبادات من دون الله جل وعلا. فلما كان فعل ذلك ذريعة إلى الوقوع في الشرك نهى عنه الشرع سدا لذريعة الشرك. قال: "فإن قلت: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة، أنفقت فيها الأموال". يعني إذا اعترض: هذا القبور بأن أنتم تنهون عن البناء على القبور وبناء القباب والمشاهد، فهذا قبر النبي عليه الصلاة والسلام بنيت عليه قبة، ولو كان هذا منهى عنه لم يفعل هذا في قبره عليه الصلاة والسلام. فالجواب: قلت: هذا جهل عظيم، فإن هذه القبة ليست بناؤها منه صلى الله عليه وسلم، ولا من صحابته - يعني - ما بناها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر بذلك، ولا فعلها الصحابة رضوان الله عليهم. قال: "ولا من علماء أمته، بل هذه القبة المعمورة على قبر سيد الأنبياء صلى الله عليه وسلم من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالح المعروف بالملك المنصور، واسمه سيف الدين قلاوون بن عبد الله، متوفى سنة ستمائة وتسعة وثمانين للهجرة". قال: "في سنة ثمان وسبعين وستمائة". ذكره في "تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة"، وهو للعلامة زين الدين أبي بكر بن الحسين بن عمر أبي الفخر المراغي، المتوفى سنة ثمانمائة وستة عشر للهجرة. وهذا ذكره شيخ الإسلام أنصاري رحمه الله كما ذكره المحقق. قال: "فهذه أمور دنيوية لا دينية، يتبع فيها الآخر الأول". إذا ليس بناؤها بأمر شرعي، وإنما هو بأمر - يعني - دولي، فعله بعض الملوك، فليس الاستدلال به - ماذا؟ - استدلال بدليل شرعي، وليس المسألة كما قال مسألة دليلية، وإنما هي من الأمور الدنيوية. وقد أنكر - يعني - العلماء هذه القبة كما أنكروا غيرها، وألف العلماء في ذلك المؤلفات، ومنهم شيخنا الوادعي رحمه الله، له رسالة في القبة المبنية على قبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "وهذا آخر ما أردناه مما أوردناه لما عمت به البلوى، لما عمت به البلوى، واتبعت الأهواء، وأعرض عن الإنكار الذي يجب عليه، ومال إلى ما مالت العامة إليه، وصار المنكر معروفا والمعروف منكرا، ولم نجد من الأعيان ناهيا عن ذلك ولا زاجرا". صلى الله عليه وسلم على أبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على