الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يستعرض المقطع مكانة الحسن بن علي رضي الله عنه كسبط للرسول صلى الله عليه وسلم، ويوضح كيف تحققت فيه البشارة النبوية بإصلاح ذات البين بين فئتين عظيمتين عبر تنازله عن الخلافة لمعاوية. وقد نتج عن هذا التنازل التاريخي اجتماع كلمة المسلمين على أمير واحد، وسمي ذلك العام بعام الجماعة، ليختتم المقطع بذكر حديث «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» كقاعدة لطمأنينة القلب.
يفصل المقطع معنى حديث النبي ﷺ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» بأنه ترك ما يثير الشك والقلق في النفس، ويضرب أمثلة تطبيقية في الصلاة، والأكل والشرب، وبيئة العمل، والذبائح المستوردة. ويؤكد أن الأخذ بالاحتياط في مواطن الشبهات يحقق سلامة الدين وطمأنينة النفس، مستدلاً بحديث النعمان بن بشير في اتقاء الشبهات.
يبيّن المقطع أن من أسباب نيل الحياة الطيبة الابتعاد عن كل ما يجلب الهم والقلق والمشاكل، مستدلاً بحديث «لا يفرك مؤمن مؤمنة» الذي يوجه للتغاضي عن السيئات بتذكر الحسنات في المعاشرة الزوجية والصحبة. ويختم بالتأكيد على أن طالب العلم مطالب بشكل خاص بتجنب الخصومات والمعاتبات المستمرة، والاكتفاء بالتوكل على الله والانشغال بفعل الخير بدلاً من الانشغال بالمنغصات.
الحمد لله، وصلاتنا على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. بعد: قال الشيخ ابن عثيمين: عن أبي محمد الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه، وكلاهما صحابيان جليليان من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام. فعلي بن عم النبي عليه الصلاة والسلام، وزوجة علي بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة، والحسن بن علي رضي الله عنهم جميعًا. قالوا: رضي الله... قالوا: عن أبي محمد الحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه وأمه. صبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، صبت رسول الله يعني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جده من جهة أمه، من جهة أمه، فيقال له صبت. قالا: وهو ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أفضل الحسنين؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليه وقال: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين». فأصلح الله به بين الفئتين المتنازعتين حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، فنال بذلك السيادة. فعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه معه ولدان: الحسن والحسين، وأفضلهما الحسن حين جاءت فيه هذه الفضيلة، فخصه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالسيادة: «إن ابني هذا سيد». وهل الحسن ابن النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا، ابن ابنته، لكن هذا يجوز إطلاقه في اللغة. فلو أن رجلًا زوج ابنته وأتت ابنته بأولاد، فيطلق على هؤلاء الأولاد أنهم أبناء لأبي أمهم، أبناء لأبي أمهم، يجوز هذا في اللغة. فيقول مثلًا الجد: هؤلاء أبنائي، وهم أبناء بنته. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن ابني هذا سيد»، ويريد الحسن، فهذا يجوز الإطلاق، هذا الإطلاق يجوز. وما أشار إليه معروف في الخلافة الذي وقع بين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وبين الحسن بن علي بن أبي طالب بعد موت علي رضي الله تعالى عنه. فإن جماعة بايعوا الحسن بن علي كي يكون خليفة بعد أبيه، وجماعة بايعوا معاوية، فصار المسلمون فريقين وفئتين، وكل واحد منهما انحاز إليه طائفة عظيمة من المسلمين، وكادت أن تنشب بينهم فتنة عظيمة. فالحسن بن علي رضي الله تعالى عنه تنازل بالخلافة، تنازل بالخلافة لمعاوية، لأنه ذكر بهذا الحديث، ذكره أحد الصحابة بهذا الحديث، قال له: سمعت النبي صلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم وهو على المنبر وأنت قادم إليه، يعني وهو صغير، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ابني هذا سيد»، أشار إلى الحسن رضي الله تعالى عنه، «وسيصلح الله بينه» أو «وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». فلما سمع الحسن هذا الحديث ما كان منه إلا أن تنازل بالخلافة، واجتمع المسلمون على أمير واحد وهو معاوية رضي الله تعالى عنه، حتى سمي ذاك العام بعام الجماعة. سمي ذاك العام بعام الجماعة؛ لماذا سمي بعام الجماعة؟ اجتماع المسلمين، اجتمعوا كلهم على أمير واحد، وفض النزاع. والحسن لم يتنازل عن قلة أو عن ذلة، بل ذكر جماعة من أهل العلم أنه هو أحق بالخلافة، ولكن تنازل دفعًا لحقن دماء المسلمين واستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وعليه وسلم إذ وصفه بهذا الوصف: أن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين، فتنازل بالخلافة. ولذلك قال: فنال بذلك السيادة. يعني هذا الأمر ما نزل من شأنه، بل رفع من قدره. قد بعض الناس يقول: تنازل يعني ضعيف، ما عنده يعني قوة، ما عنده قدرة، ما عنده كذا، وفضل لا تنازل. وصار في تنازله مصلحة عظيمة للإسلام والمسلمين، لو لم يكن إلا اجتماع المسلمين، اجتماع المسلمين على أمير واحد. قال العلامة ابن عثيمين: دعا صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». فقوله: «دع» أي اترك الذي ترتاب فيه وتشك فيه إلى الشيء الذي لا تشك فيه. وهذا يشبه الحديث السابق: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه». فالذي يريبك وتشك فيه، سواء كان في أمور الدنيا أو أمور الآخرة، فالأحسن أن ترتاح منه وأن تدعه حتى لا يكون في نفسك قلق واضطراب فيما فعلت وأتيت. فهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام: «أدع ما يريبك». يعني الريب بمعنى الشك. يعني: دع الأشياء التي تشك فيها، أمر أنت تأتيه ولكن في نفسك شيء، أنت مرتاح لإتيان هذا الشيء؟ في نفسك قلق، وفي نفسك تردد، فالأسلم أن تترك هذا الشيء. نضرب على ذلك أمثلة، نضرب على ذلك أمثلة. مثلًا في باب الصلاة، في باب الصلاة، فمثلا... وهذا ليس من باب الوسوسة، ولكن من باب غلبة الظن، من باب غلبة الظن. مثلًا عندك ثوب، هذا الثوب رقيق، يعني وأنت شككت فيه: هل رقته هذه تصف ما بعده أو ما تصف ما بعده؟ ما تدري، يعني ترى من نفسك أن هذا الثوب يعني فيه شيء، فالأسلم أن تترك، خصوصًا إذا لم تجزم بشيء: هل هو رقيق أو ليس برقيق؟ فالأسلم أن تترك: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبه»، ما دام عندك ثياب أخرى، فأنت تلبس الثوب الذي يغلب على ظنك أنه ساتر. هذا إذا لم يكن عليه شيء آخر. وهكذا في باب مثلًا البيع والشراء، أو في باب الأكل والشراب. مثلًا في باب البيع والشراء: بيع معين، أنت في صاحب دكان، أتو لك بشراب، ما تدري هذا الشراب مكتوب يعني بدون كحول أو فيه نسبة يعني هيّنة من الكحول، وأنت ما تدري، في نفسك شيء: هل هو فيه كحول؟ ما فيه كحول؟ هل يعني نسبة يجوز استعمالها أو لا يجوز استعمالها؟ وهنا يقال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ومن ذلك ما انتشرت الآن من هذه العطور، العطور الرشاشة التي فيها الكحول. فإن أهل العلم قد تكلموا عن هذا، ذكروا أن هذه الكحول أو هذه العطور فيها نسبة من الكحول، وبعضهم قال: أن هذه النسبة عالية، لا يجوز استعمالها. طيب، أنت الآن ما تدري: نسبة عالية؟ نسبة ما هي عالية؟ هل هذه النسبة من الكحول يجوز استعمالها أو لا يجوز استعمالها؟ ويقال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». ماذا فيه؟ هناك بديل، فيه عطور سليمة ما فيها ولا واحد في المئة من الكحول، فأنت الحمد لله استخدم هذه العطور الطيبة التي هي خالية من الكحول. صح: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». عرفتم هذا الآن. وهكذا فيه أشياء كثيرة. مثلًا: أنت تعمل في عمل ما، في عمل من الأعمال، وعندك أمر فيه شبهة. مثلًا: بيع شيء معين، أو مثلًا كثرة دخول النساء، وتخاف على دينك وتخاف على نفسك. فهنا يقال: فهنا يقال: «دع ما يريبك، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». الشيء الذي تخاف منه وأنت مضطرب فيه، وما يعني تسلم، وما تضمن على نفسك فيه، ويكون بينك وبين نفسك نزاع، فهنا الأسلم أن تترك هذا الشيء: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وأنت لكثير على هذا، لكن هذا الترك لا يكون عن وسوسة، ولا يكون عن ترك شيء قد دل الشرع على جوازه وعلى سلامته. لا يكون هذا الشيء يعني فيه اضطراب، وفيه ولو خلاف مثلًا بين أهل العلم قوي، وأنت في نفسك شيء، فالأسلم أن تأخذ بالاحتياط. الأسلم أن تأخذ لماذا بالاحتياط؟ «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وقس على هذا الذبائح التي تأتي من الخارج من غير بلاد أهل الإسلام: هل ذبحت على الطريقة الإسلامية أو لم تذبح؟ وإلى غير ذلك. كل هذا من هذا الباب: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». فهو شبيه بالحديث، بالحديث النعمان بن البشير المتقدم: «وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». عرفتم هذا الآن. قال: ويستفاد من هذا الحديث أنه لا بد من ترك الإنسان للأشياء التي يرتاب فيها إلى الأشياء التي لا يرتاب فيها، حتى تكون مطمئن النفس، هادئ البال، لا يزعجك شيء. فالسلامة لا يعادلها شيء. وهنا تترك الشيء الذي ترتاب فيه. قال: وأن الإنسان مأمور باجتناب ما يدعو إلى القلق، باجتناب ما يدعو إلى القلق. فكل شيء فيه قلق، وفيه اضطراب، وفيه صراع مع النفس، فأنت تتركه. لماذا؟ لأنه سيشغلك. أنت في هذه الحياة مأمور أن تعيش عيشة هنية مطمئنة، وما يكون ذلك إلا بالإيمان والعمل الصالح: «من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة». أنت تسعى إلى هذه الحياة الطيبة، فمن أسباب هذه الحياة الطيبة أن تبتعد عن المكدرات، وعن المنغصات، وعن ما يجلب لك الهم والحزن. ومن ذلك أنك تقع في الشيء الذي يشك فيه، تقع في الشيء الذي يشك فيه. عرفتم هذا الآن. فلذلك استنبط الشيخ هذه الفائدة: وأن الإنسان مأمور باجتناب ما يدعو إلى القلق، ما يدعو إلى القلق. ليس الشيء المشتبه فيه بحسب، بل كل شيء. حتى بعض أهل العلم ذكر أن الشخص يبتعد عن المشاكل قدر مستطاعته، قدر استطاعته، لأن المشاكل تكدر وتنقص عليه حياته. والشيخ عبد الرحمن السعدي استدل على هذا، وذكر هذا من أسباب السعادة. له رسالة في أسباب السعادة في الحياة الطيبة، وذكر من هذا أن الإنسان يبتعد عن ما يجلب الهم والحزن والقلق والمشاكل. واستدل على هذا بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلق رضي منها آخر». أين وجه الشاهد من هذا الحديث؟ وجه الشاهد من هذا الحديث: أن تصر الزوجة، التصرف السيئ أو عمل المرأة لخلق سيئ، هذا شيء يغضب الرجل، وشيء يزعج الرجل، ويقلق الرجل. صح. كونك مثلًا في البيت، وهذه الزوجة تعاملك معاملة فيها من القسوة، وفيها كذلك من الخلق السيئ، أنت ربما مباشرة تكره هذه المرأة، وتقول: لا، اذهبي عند أهلك. صح. لكن لا، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أمر آخر، فقال: أن هذه المرأة إذا رأيت من هذا الخلق السيئ، فإن فيها أخلاقًا طيبة، فأنت تترك المعاتبة، وتترك الانزعاج، وتترك القلق الذي ربما يتولد من سوء خلق هذه المرأة. كيف تتركه؟ تتذكر الأخلاق الطيبة التي فيها. هي الآن زيدت ملح مثلًا في الطعام، أو رفعت صوتها عليك، هكذا مثلًا، كانت في حالة رفعت صوتها عليك. طيب، ربما يكون فيها أخلاق أخرى: أنها قائمة بالبيت، بيت نظيف، الطعام أول بأول، وما شاء الله، يعني حسنة العشرة مع الفراش، وكذا أوصاف طيبة أخرى. طيب، تذكر هذه الأوصاف، فإذا تذكرت هذه الأوصاف تغلبت على ماذا؟ على القلق، وعلى الانزعاج، وعلى المشاكل. ما ستولد مشكلة بينك وبين زوجتك لأنك تتذكر الأمور الطيبة. ومعنى «لا يفرك»: يعني لا يبغض، لا يبغض يعني الرجل زوجته بسبب بعض الأخلاق السيئة. «إن كره منها خلق رضي منها آخر». حتى قال بعض أهل العلم: هذا الحديث يطبق حتى مع من يعامل الإنسان من غير زوجته، كالأصحاب مثلًا. لأن أكثر الناس صحبة للإنسان هي الزوجة، صح. فغيرهم من الأصحاب من باب أولى أن يتعامل معهم بهذه القاعدة العظيمة. مثلا: عندك أصحاب يقعون في بعض الأخلاق السيئة، رفع صوت مثلًا، أو كلام بذيء أحيانًا، أو كذا، أو أشياء. فأنت لا تبغضهم وتقاطعهم وتترك مجالستهم بسبب هذه الأشياء التي ربما تقوم، وربما تعمل مشاكل معهم، وتنافر، وغضب، وكذا، وتعيش في قلق وانزعاج. لا، لا، لا. يقول الشاعر: إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلقَ الذي من تصاحبه إذا كنت دائما تعاتب... ما تريد الإنسان يخطئ، أي خطأ لا بد من معاتبة، ومن مشاكل، ومن يعني مصايحة، ومن كذا. هذا ما ستعيش مع أحد. إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلقَ الذي من تصاحبه. ما ستلقى أحد. قال الآخر: من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط. من الذي فقط يعني يعمل بالحسن، ويعمل بالصواب، وما عنده خطأ، وما عنده زلل. أنت تحتاج إلى أن تصاحب... يعني ملك من الملائكة، لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ما يحتاج أنك تصاحب إنسان إذا أنت ما يعني ترضى بخطئه وزلله. فهكذا الإنسان يبتعد عن كل شيء يولد ماذا؟ القلق والانزعاج. لأنه مطالب أن يعيش في هذه الحياة عيشة مطمئنة، عيشة طيبة. وهذه المشاكل، خصوصًا لطالب العلم، ربما تصرفه عن طلب العلم. ربما يعمل مشكلة يسيرة مع أحد زملائه، فيترك طلب العلم، يترك المراكز بسبب هذه المشكلة. لا، لا. يضحك عليك الشيطان، ربما بسبب مشكلة يسيرة يترك مجالسة الصالحين، وهكذا خصومة، مقاطعة، غضب، تفكير، وانزعاج. هذا مما يعرقل عليك طلب العلم، بل يعرقل عليك الحياة المطمئنة الهادئة. فهكذا مما يستفاد من هذا الحديث، كما قال: أن الإنسان مأمور باجتناب ما يدعو إلى القلق. كل شيء يدعو إلى القلق وإلى الانزعاج، فأنت تبتعد عنه، لأنه سيشغلك، وسيصرفك عن الخير الذي أنت مأمور بفعله. ونكتفي بهذا قدره هنا، والله تعالى أعلم.