شرح رسالة فضل الإسلام 38

شرح رسالة فضل الإسلام 38

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم التداعي بأسماء الجاهلية

يناقش مفهوم التداعي بأسماء الجاهلية والانتساب إلى غير الإسلام، ويوضح أن كل ما يخرج عن دعوة الإسلام والقرآن فهو من عزاء الجاهلية. يشرح أن الانتساب إلى أسماء غير شرعية يعتبر من أمور الجاهلية.

أسماء أهل الإسلام وفرقه الممدوحة

يتناول أسماء أهل الإسلام وفرقه، ويشرح أن أهل الإسلام الحق اختاروا لأنفسهم أسماء مثل "أهل السنة والجماعة". يوضح أن بعض الأسماء الأخرى مثل "أهل الحديث" تعبر عن نفس المعنى.

تحليل الانتماءات المذمومة والمباحة

يتناول تحليل الانتماءات المختلفة في الإسلام، ويشير إلى أن بعض الجماعات تستخدم أسماءً للفرقة والتعصب. يوضح أن الانتماء إلى نسب أو بلد للتعريف جائز، ولكن إذا أدى إلى التعصب، فلا يجوز.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر التوجه الديني والالتزام بالتقوى، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال أبو العباس: كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن. وأبو العباس هنا هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. والمؤلف رحمه الله تعالى اكتفى واختتم هذا الباب، والذي عنونه بقوله: باب الخروج عن دعوة الإسلام، ختمه بهذا الكلام، وهو عبارة عن كلام شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى. قال رحمه الله تعالى: كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب فهو من عزاء الجاهلية. بل لما اختصم مهاجري وأنصاري، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار، قال عليه الصلاة والسلام: «أبدعوة الجاهلية وأنا بين أظهركم»، وغضب غضبا شديدا. قال: انتهى كلامه رحمه الله. وهذه العبارة أو القطعة من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى تلخص لنا ما مضى حول ما ذكره المؤلف أو ما أراده من أدلة الباب من النهي عن التداعي والدعوة، أي التنادي بغير اسم الإسلام. فقول شيخ الإسلام رحمه الله: «كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن»، فقوله «كل» من صيغ العموم، ما يخرج عنها شيء. فأي دعوة يتداعى ويتداعى بها أصحابها، وهي ليست من دعوة الإسلام والقرآن، أي: ليس مما جاء ذكره في كتاب الله ولا في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقد مر معنا أن من ذلكم أسماء شرعية: الإسلام، أهل الإسلام، مسلم، والمؤمن. وقس على ذلك ما جاء في شرع الله. ثم قام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى وأخذ يمثل ببعض الأمثلة التي توضح المقام، فقال رحمه الله تعالى: وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب. قال: من نسب، مثل أن شخصا ينتمي إلى نسبه، ينتمي إلى عشيرته، إلى قبيلته، يقول: أنا ابن فلان، أو أنا من آل بني فلان، فهذا معناه أنه ينتسب إلى نسبه وإلى عشيرته. قال رحمه الله تعالى: أو بلد، وهذه كذلك من بعض الانتماءات التي ينتمي إليها بعض الناس، أن ينتمي إلى بلده، كحال بعض الناس يقول: أنا الشامي، أو أنا العراقي، أو أنا اليمني. وقس على ذلك سائر البلدان. قال: أو جنس، وهذا الانتساب يقع عند أهل القوميات، كمن يعتز مثلا وينتسب وينتمي إلى الجنس العربي، وآخر ينتمي إلى جنس البربر والمغول. وقس على ذلك مثل هذه الانتماءات لبعض القوميات الموجودة عند أهلها. قال: أو مذهب، كذلك هذه من أنواع النسبة عند بعض الناس، أن ينتسب إلى المذاهب. وهذه الكلمة «مذهب» عامة، فيدخل في ذلك المذهب العقدي أو المذهب الفقهي أو المذهب السلوكي. فهذه النسب قال عنها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «كل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب فهو من عزاء الجاهلية»، أي: هذا من أمر الجاهلية. لكن هنا الأمر يحتاج إلى إضاحة، وإضاحة الأمر إخواني في الله، وهو حول هذه التسميات التي يتسمى فيها الناس وإليها ينتمون لها ثلاثة أحوال. لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى وهي الحالة الممدوحة مشروعة، لك أن تنتمي وأن تنضم وأن تنتسب. والحالة الثانية مذمومة، لا يجوز أن تتنادى بهذه الأسماء كما سيأتي الضابط. والحالة الثالثة مباحة جائزة، لا غبار على من انتسب إلى فلان أو إلى علان. فما هو التفصيل في هذه الأحوال الثلاثة؟ الحالة الأولى إخواني في الله، وهي الحالة الممدوحة، وهو أن تنتسب وأن تنتمي إلى الأسماء الشرعية التي أرادها الله جل وعلا بين عباده. وقد مر معنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «تداعوا بما دعاكم الله به»، المسلمين، المؤمنين، عباد الله. فالإسلام كما تقول: أنا مسلم، ويا أهل الإسلام، هذا جائز. تنتمي وتدعو بدعوة الإسلام جائز، أو يا أهل الإيمان، هذا جائز، أو كذلك يا عباد الله، هذا جائز. هذا من التداعي بأسماء إصطلاحية شرعية جاء ذكرها، بل الترغيب بالتداعي عليها، لأنها لا تكون إلا حقا. ومثل ذلك كذلك ما أشار إليه الشرع، ما أشار إلى حسنه. ففهم العلماء على أن كل ما أشار الإسلام والشرع إلى حسنه من الأسماء أو من الأوصاف، لك أن تنتسب إليه. ومن هذه الأسماء إخواني في الله اسم «أهل السنة والجماعة»، أهل السنة والجماعة، هذه من الأسماء التي انتسب إليها أهل الإسلام في الصدر الأول، في أواخر عهد الصحابة، كما نقل ذلك عن ابن عباس وعن غيره، أنهم كانوا يتسمون باسم أهل السنة والجماعة. والسر إخواني في الله أن أهل الإسلام لما كانوا على هذا اللقب «أهل الإسلام، أهل الإيمان»، لماذا انتقلوا إلى لفظ ولقب «أهل السنة والجماعة»؟ هنا كان لضرورة ولحاجة. ما هي الضرورة؟ الضرورة والحاجة عندما وجد المسلمون أن فرقا قد ظهرت ونشأت. فرق ظهرت مثل في عهد علي رضي الله عنه، في منتصف خلافة علي رضي الله تعالى ظهرت فرقة الشيعة، ثم تفرعت حتى وصلت إلى الرفض. والشيعة يتسمون باسم الإسلام، وظهرت كذلك في منتصف خلافة علي مذهب الخوارج، وكانوا أيضا يتسمون باسم الإسلام. ثم ظهر بعد ذلك فرقة المرجئة، وفي أواخر الصحابة فرقة القدرية. فهذه فرق ونحل، وهم ليسوا على الجادة، ليسوا على الجادة، ويتسمون باسم الإسلام. بحيث يجئ كافر مثلا، كافر جاء وأسلم، أراد أن يكون مسلما سينتمي إلى أي جهة؟ لأن الكل يقول: أنا مسلم. الخارجي يقول: تعالى يا نصراني، تعالى أنا مسلم. ويقول الشيعي: تعالى أنا مسلم. وأهل الإسلام الحق يقولون: نحن مسلمون، تعالى. فمن يدخل سيضطرب عليه الأمر، يدخل مع من؟ ولهذا كان أهل الإسلام أمام هذه المعضلة كانوا بين أمرين لا ثالثة لهما، إما أنهم يسلبوا اسم الإسلام عن هؤلاء الخارجيين، ليسوا من أهل الإسلام، الرافضة ليسوا وشيعة ليسوا من أهل الإسلام، المرجئة ليسوا من أهل الإسلام، فيسلبون اسم الإسلام عن هؤلاء ويجعلوا لأنفسهم لأنهم على الحق. وهذه المشكلة عويصة، لأن معنى هذا أنك ستكفر هؤلاء، ولا قائل بالتكفير، لأن أهل البدع يعذرهم العلماء على التأويل الذي وقعوا فيه. فكان من الصعوبة أن يسلبوا اسم الإسلام ويجعلون الإسلام لهم فقط، هذه مشكلة صعبة. ولهذا اضطروا إلى الحل الثاني، وهو أن يقول: هؤلاء على ما يطلقونه على أنفسهم، لكن نحن لا بد أن نتميز بميزة، نتميز بصفة، وهذه صفة تكون لنا إشعار لباقي الناس أننا لا زلنا على الجادة، ما غيرنا ولا بدلنا، نحن على ما نحن عليه منذ أن جاءنا بهذا الوحي، فنحن على الوحي نسير. ولهذا كان من شأن أهل الإسلام أن اختاروا لأنفسهم أسماء أرادوا من هذه الأسماء أن يتميزوا بهم عن غيرهم ممن زاحمهم أصلا ممن زاحمهم على اسم الإسلام. ومع ذلك فإن هؤلاء الأوائل عندما أرادوا لأنفسهم أسماء ما اقترحوها من بنيات أفكارهم، وإنما أخذوا لأنفسهم أسماء جاء ذكرها في شرعنا، جاء ذكرها في شرعنا، بل في نفس المقام الذي اضطروا إليه، وهو في مقام الفتن والفرق. فاختاروا لأنفسهم اسم «أهل السنة والجماعة». وهذه الأسماء قد جاءت ترغيبا بها في شرعنا. فقوله عليه الصلاة والسلام عندما تكلم عن الفرق الضالة: «وافترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتي وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة»، لما سئل عن الناجية قال: «هي الجماعة». إذن علم العلماء أن وصف «الجماعة» هو الوصف الذي سينجيه الله من هذه الفرق الضالة. إذن هذا من أسمائنا «الجماعة». وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن من سيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، الفرق التي ستظهر في آخر الزمان، قال: «فعليكم بسنتي». إذن علموا أن هذا إشعار من رسول الله أن لقب «السنة»، وصف «السنة» من الأوصاف التي سنتميز بها عن غيرنا من الفرق الضالة. إذن أخذوا اسم «السنة» وأخذوا اسم «الجماعة»، فتسموا باسم «أهل السنة والجماعة». فهذا كان مأخذهم. فتجد أن هذا الاسم إنما هو في الحقيقة اسم للإسلام الصحيح، لكن الذي جعلهم يغيرون ما قد وصل إليه حال الناس من التشتت والتفرق، والكل يمسك براية الإسلام، يدعي أنه مسلم، ولا زال على الأمر الأول. فكان لا بد أنهم يتميزوا عن غيرهم. ثم بعد ذلك توسع العلماء، فأحيانا يسمون أنفسهم بـ «أهل الحديث»، وأحيانا بـ «أهل الأثر»، وكل مؤداها واحد. أحيانا بـ «أتباع السلف الصالح»، أو ما يسمى الآن بـ «الدعوة السلفية». وهذه من ألفاظ الشرعية. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال: «وكل من أظهر مذهب السلف ومن السلف؟ الصحابة، الرعيل الأول، الجماعة الأم، الذي كانوا على الإسلام الصحيح». فالسلف امتداد هؤلاء. قال: «وكل من أظهر مذهب السلف وانتمى إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق». فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا. قال: «ولا يعب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه». هذا لا عيب أنك تنتمي لمذهب السلف. قال: «بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق». فهذه مما اتفقت عليه كلمة العلماء قاطبة. قال: «لأن مذهب السلف لا يكون إلا حقا». فالحاصل إخواني في الله أن العلماء قالوا: يدخل في اسم: التسمي بالتداعي بالإسلام والإيمان، كل ما جاء الإسلام بحسنه، كهذه الألقاب: لقب «أهل السنة»، أو لقب «أهل السنة والجماعة»، أو «أهل الحديث»، أو «أتباع الأثر»، أو «أتباع السلف». فكل مؤداها واحد، جعلها العلماء من الإصطلاحات الشرعية التي حلت محل «الإسلام»، لأن ليس المراد منها الخروج عن الإسلام، وإنما أراد بذلك التمييز عن غيرهم من الجماعات. هذه أسماء. الحالة الأولى تسميها التسمية بأسماء محمودة. الأمر الثاني، والحالة الثانية، وهي الانتماء والانتساب إلى أسماء مذمومة، وهي الأسماء والتسميات التي تسمى بها أصحابها، وهي أسماء مبتكرة محدثة، لا تمت إلى ديننا ولا إلى شرعنا بصلة، ما لا إعلاقة بالدين، ولا أشار إليها شرعنا الحنيف. مثل «الرافضة»، مثل «شيعة»، مثل «خوارج»، مثل «مرجئة»، مثل «قدرية». انظر لهذه الأسماء وترقبها أو «الفرق النقشبندية»، أو «الرفاعية»، أو «الصوفية». انظر لهذه الأسماء من أين انبثقت؟ تجدها منبتة. فهي أسماء هي في حد ذاتها منقطعة، ليس لها امتداد الإسلام الصحيح، وإنما هي محض اختراع. فكفى بهذا الزم لها، لأنها مبتكرة. الثاني: كيف إذا انضاف إلى ذلك أن هذه التسمية لمثل هذه الجماعات والفرق إنما قامت على باطل، قامت على باطل، قامت على خروج عن قواعد الإسلام، مخالفة لشرع الله جل وعلا، قامت على بدع، على أفكار محدثة، على طقوس مبتكرة. فكيف إذا انضاف إلى ذلك؟ فكيف؟ فوق هذا وذاك إذا انضاف على ذلك أن هذه الأسماء المخترعة والقائمة على أفكار ضالة أنها أدت إلى القسمة بين المسلمين، فأصبح عليها الحب والبغض والولاء والبراء. فهذه الذم ما بعده ذم يا عبد الله. ولهذا حرم العلماء التسمية بمثل هذه الأسماء، لما حوت عليه من ضلالات وعلى بدع وجهالات. فلا يجوز ولا يقس أحد. وكيف هذا؟ وأنتم قد تسميتم بـ «أهل السنة»، «أهل السنة» قد علمت الذي فيه، أنها ما خرجت وإنما هي امتداد الإسلام، وهي ألفاظ دلت الشريعة على حسنها، وقد أقرها العلماء قديما وحديثا. لكن أنتم جئتم ببدع من الأقوال. وعلى هذه الفرع إخواني في الله، ما نراه من باقي الجماعات الإسلامية: «جماعة الإخوان المسلمين»، «جماعة التكفير والهجرة»، «جماعة الجهاد»، «جماعة التبليغ». هي أسماء، لكن لماذا أسمت؟ هذه الأسماء من فائدة منها؟ هي أسماء تجد أنها إنما هي أصالة وقيمة للفرقة بين المسلمين: فرقة فلانية، فرقة فلانية. ولهذا إخواني في الله، حتى تعلم أن هذه الأسماء ما مراد منها التعريف فقط كما سيأتي، لا. ما مراد منها التعريف وإنما المراد منها الانضمام والتعصب لها، الانضمام والتعصب لها، التعصب لأهلها. وهذا الذي يعنيه العلماء بالحزبية أو الولاء الضيق. فمن جاء مثلا مسلما مؤمنا موحدا، جاء من شرق الدنيا، وأراد إلى هذه الجماعة الفلانية مثلا أن يدخل إليها، يدخل. لا. ما يدخل. انتظر. تنتمي إلينا. عضوية تنتمي إما عضوية عقدية أو منهجية أو بطاقة عضوية حزبية. أولا كذلك أنك تمشي على قواعدنا، تمشي على شروطنا. لأن إمام متبع فلان من فلان، نزل لنا منظومة، سر على ما سار عليه. أنت منا وفينا، وإلا ابتعد. لكن هل هكذا «أهل السنة والجماعة»؟ لا. «أهل السنة والجماعة» إن جاء رجل من غرب الدنيا، من أسكيمو، من أفريقيا، من أدغال أفريقيا، من أي قارة من قارات الدنيا السبع، صح التعبير. ودخل إلى «أهل السنة» وهو مسلم، وحد، حي، أهلا. أنت منا وإلينا. ديننا أقم الصلاة، وحد الله، أقم الصلاة، تأتي الزكاة، احرص على طاعة الله ورسله، انتهى الأمر. ما عندهم إملاءات زائدة عن ذلك. هذا الفرق. بهذا تعلم يا عبد الله الانتماءات الممدوحة والانتماءات المذمومة، والتي دائما يسميها العلماء بالانتماءات الحزبية البغيضة، الولاءات الضيقة. فلا ينتمي إليهم إلا من والاهم. ثم بعد ذلك يكون الولاء والبراء. وقد رأينا وقد رأيتم أن هؤلاء إنما يقربون من كان منهم، ولو كان فاجرا. في بعض الجماعات أذكر جماعاتنا الإسلامية، للأسف أنها كان ممن انضم إلى بعض أعضائها نصارى. وهذه الجماعة أيضا ممن حاربتهم فلان من كبار العلماء. كيف هذا؟ على ماذا هذا الأساس؟ ضمنتم نصرانيا، بل رجل مادي، بل رجل أعوذ بالله عقلاني. وناس نعرفهم من كبار هؤلاء الذين عرموا مروقهم عن الدين. ومع ذلك انضموا في سلك جماعة من الجماعات. وهؤلاء هم بأنفسهم حاربوا فلان من كبار العلماء، ممن قد رسخت أقدامهم على الإسلام والسنة. إذا أردت يا عبد الله أن تعرف ما السبب؟ هذا مكان الولاءات الضيقة. هذا لما اعتنق ورضي بتنظيمهم، رحبوا به كائنا من كان، ولو كان الضال مضلا. الضال مضلا. وأن من لم يرتض ما هم عليه من هذه المحدثات، فإنهم يحاربونه ويزاحمونه، ولو كان عابدا تقيا، وليا. فهذا إخواني في الله مما يتعلق بالحالات المذمومة، وهي الانتماءات التي تنتسب إلى هذه الأسماء المبتكرة المحدثة، وهي كذلك قائمة على بدع وأمور قد خرجت عن إنجادة الإسلام الصحيح. الحالة الثالثة وهي الأسماء والانتماءات المباحة، وهي أن يتسمى المسلم، ينتمي إلى نسب أو إلى بلد أو إلى عشيرة أو إلى وطن، ويراد بذلك التعريف. هل ما حكم هذا؟ حكم ذلك أن هذا جائز، ما في شيء. أنت من أنا؟ فلان من فلان، آل فلان، حيا. هلا. وأنت من أنا؟ فلان من فلان، آل فلان، حيا. أنت من أين؟ أنا من الشام، حيا. تعريف. عرف. كلني عرف. أنا من منطقة فلانية. جاءت الأسماء لكي تعرف الناس من أين؟ أماكنهم من أين هم؟ كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائلا لتعارفوا﴾. التعريف هذا القصد. أما إذا وضعت هذه الأسماء لكي يكون عليها الحب والبغض والكراهية، فلا يجوز. لا يجوز. مثل أنا من آل فلان، أنعم به، أنعم. من قبيلة، لكن إذا كان آل بني فلان تريد بذلك أنك تتفاخر على غيرك، وأن آل بني فلان الذي أنت تنتمي إليهم أنهم أبرك وأفضل وأحسن وأجع من آل بني فلان الجبناء الأنذال، ثم ترمي بهم بالنقص، لأنهم من قبيلة أخرى معادي، هذا ما يجوز. هذا من عزاء الجاهلية. ولنا عبرة بقصة الأنصار والمهاجر، قد مرت معنا بالأمس، وأشار إليها شيخ الإسلام في عبارته المذكورة آنفا. كيف أن الأنصار من الألفاظ الشرعية، والمهاجرين من الألفاظ الشرعية، لكن لما كانت وسيلة إلى أن يقع بينهم ولاء وبراء على الاسم، جاء الإسلام بمنعه. قال: «دعوها فإنها منتنة». وهكذا يقول في أصحاب المذاهب. فلو أن رجلا يقول: أنا على مذهب الشافعي، أكثر العلماء ما في شيء، تعريف. أنك تسير على هذه الطريقة. أكثر العلماء يمشون هذا اللقب. وأنا من الألقاب المباحة جائزة. وآخر يقول: أنا على مذهب الحنفي، لكن إذا كانت هذه النسبة أدت إلى التعصب بين المسلمين والفرقة، فلا يجوز. كما وقع في بعض الأزمان. ولعل بعضهم يذكر الصور القديمة للكعبة المشرفة، كيف أن رسما موجودا عند بعض الناس: كعبة في الوسط، ثم أربعة محاريب، محراب ومحراب ومحراب ومحراب. ماذا تظن هذه المحاريب؟ يعني جوة احتياط، لا. ما هي احتياط. هذه المحاريب: محراب لكل إمام من أئمة المذاهب. فإن جاء الشافعي صلى في محراب الشافعية، ومن كان من متأئتي باع مذهبه صلى خلفه فقط. وإذا جاء الحنفي يبحث عن محرابه صلى خلف محرابه فقط، ولا يصلي خلف محراب الآخر. هذا يقال في حق: «دعوها فإنها منتنة». هذه دعوة خبيثة أدت إلى فرقة الناس. متى كان هذا؟ الناس يصلون على أربع صلوات على أربعة مذاهب، هذا ما جاء. فإن كانت التزكية في أصلها مباحة، لكن إن جرت إلى القسمة والتفريق والتداعي والولاء والبراء، فإنها تمنع. فإذا علمت يا عبد الله هذه القسمة وهذه الأحوال الثلاثة، تعلم حينها مسألة الانتماء إلى الأسماء. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.