الدرس في آداب الطريق 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول هذا الفصل آداب الطريق كما وردت في الشريعة الإسلامية، ويشير إلى أهمية غض البصر وكف الأذى عن الناس. يشدد على أن هذه الآداب تشمل واجبات على كل من الرجال والنساء.
يتحدث هذا الفصل عن أهمية غض البصر عند السير في الطرقات وتجنب التحديق في النساء أو البيوت، ويستشهد بأقوال العلماء في هذا الشأن. كما يبين أهمية الاستئذان عند الدخول إلى البيوت.
يختتم هذا الفصل بالدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويتبع بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويظهر الرغبة في نيل رضا الله والتوفيق.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. ومواصل إخواني في الله فيما نحن فيه من ذكر الآداب الشرعية، فإن من الآداب التي تذكر في هذا المضمار أدب جديد من الآداب العظيمة التي دلت عليها الشريعة، ألا وهو آداب الطريق. وإن الواحد لربما يتمالكه العجب، فيقول: وهل للطريق من آداب؟ الجواب: نعم، فقد جاءت أحاديث كثيرة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام متعلقة بهذا الباب من أبواب الآداب، أن يعتني المسلم أن يعطي للطريق حقه، وآدابه التي أرادها الشرع. وبهذا يعلم المسلم عظم المنة التي حباه الله جل وعلا به، أن منَّ عليه بهذا الدين العظيم، حتى وصل به الأمر أن يهذب من حياتك، وكذلك ما يكون من طريقك ومن ممرك. حديثنا في هذا اليوم، وما سيأتي معنا في هذه الحلقات بإذن الله، حول ذكر آداب الطريق. وأولى هذه الآداب إخواني في الله، وهي من أعظمها، أن تعطي للطريق حقه. فهذا هو الأدب الأول، جاء ذلك كما في صحيح مسلم، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس في الطرقات»، قالوا: ما لنا بد من مجالسنا، نتحدث فيها، قال عليه الصلاة والسلام: «فإن أبيتم فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر». فهذه الأمور الخمسة، وليست هي من باب الحصر كما قال الشراح، وإنما ذكرت لأهميتها، وأن المسلم يعتني بها اعتناءً عظيما. فأول ما ذكره عليه الصلاة والسلام من حق الطريق غض البصر. غض البصر، وهذا الحكم إخواني في الله ما يتعلق بغض البصر، هو حكم عام يشترك فيه الرجال والنساء، كما قال سبحانه: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾، وهكذا قال: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾. فأمر ربنا جل وعلا الرجال والنساء بضرورة غض الأبصار. وهذا الحكم قال العلماء: إنما هو في حق المتعمد الذي يقصد أن يجول ببصره، فيتطلع إلى المحرمات. أما إن كان البصر وقع عن غير قصد، ويسمى بنظر الفجأة، فإن هذا من المعفو عنه. وقد ثبت ذلك من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة، قال: «فأمرني أن أصرف بصري». ونظر الفجأة ضابطه: أن يقع منك النظر من غير قصد. هذا نظر الفجأة، أحيانا من جلس في طريق الناس، سواء كان في جلسة أخوية مع زملائه وأصحابه في مطاعم أو كافيه أو مقهى، أو في قرب منزله، وهكذا جرى عرف الناس على أنهم يجلسون في الطرقات لتبادل الأخبار. فأحيانا في حديثك، وخاصة في جلوسك في هذا الممر، سيمر عليك الرجال، ويمر عليك أيضا النساء، فأحيانا يقع بصرك من غير قصد على امرأة، فهذا يسمى نظر الفجأة، أي أنك معفو عنه. ولهذا قال إمام النووي رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن حكم هذه النظرة، قال: فإن صرف بصره في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم. إن صرف بصرهم بالحال فلا إثم عليه؛ لأنه باعتبار نظر الفجأة، لكن إن استدام النظر، أي أطال النظر، هنا أصبح في حكم المتعمد، فحينها يؤثم على فعله، وعلى تتبعه لهذه النظرة. فإذا كان هذا الحكم إخواني في الله في مثل هذه الحال، فما ظنك بالذي يجلس بالطرقات عمداً وقصداً لتتبع العورات، كالذي يقوم بالمعاكسة وغير ذلك؟ كما نرى من بعض من قل دينه، وقل علمه، وقل ورعه، تجد أنه يتحين الفرص في مرور النساء، إما عند المدارس أو عند الجامعات أو في أسواق النساء، فيخرج ويجلس في هذه الطرقات عمداً وقصداً، لا لشيء إنما فقط للنظر، إنما فقط للنظر، وأن يسترق النظر هنا وهنا، فماذا هذا الحكم؟ هذا الحكم أعظم، وإثمه مضعف، إثمه مضعف من جهتين: الجهة الأولى لأنه تعمد النظر، والجهة الثانية أنه أخلى بأدب الطريق، أخلى بأدب الطريق. فالأمر ليس بالسهل كما يظن كثير من الناس في هذه المسألة بالذات. وأيضا مما يدخل في هذا الباب، ونحن في حديث آداب الطريق، أنك تغض البصر، أن يكون غض البصر لجميع العورات، سواء كانت العورات البادية أمامك، وهي عورات النساء عند مجيئها ورواحها، وهكذا عورات البيوت. عورات البيوت نبه على ذلك العلماء، يقول علامة ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن العورات، فقال: وهي قسمان: عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب. عورة وراء الثياب، وعورة وراء الأبواب، أي عورة البيوت. فالبيوت عورة، فأحيانا بعض الناس، صحيح يجلس في الطرقات، ليس قصده النظر في الذي يذهب ويجيء، لا، إنما يقصد النظر على النوافذ أو يطل على الأبواب إن فتحت، أو يطل على البيت بشكل عام، علّ وعسى أن يقع نظره على ما يريده. فهذه من العورات التي أمرت يا عبد الله أن تغض بصرك عنها. فأحيانا بعض الناس يتعمد يسير وينظر في البيوت، علّ وعسى أن يجد، وهذا مرض وجد عند بعض الناس، يجده يسير هنا وهنا وهنا، وهمه هذا، علّ أنه يختلس النظر فيجد ما يكون من عورة النساء حتى يتسل بها، وهذا مما حرمه الشرع. ويقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الصدد، رحمه الله، قال: ويتحدث عن العورات، قال: يتناول غض البصر النظر إلى المحرمات، فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس، يتناول الغض عن بيوت الناس. فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه. تأمل عبارته، قال: كما أنك لا تتجاسر على أنك ترفع ثوب أحد من الناس لكي تنظر إلى عورته، فكذلك لا تتعمد في أنك تطل على الأبواب والنوافذ لكي تنظر إلى العورة، فإنك يا عبد الله بهذا الفعل قد كشفت العورات. فإن للعورة كما قال ابن القيم: إما تكون عورة وراء الثياب، أو عورة وراء الأبواب. وما جُعِل الاستئذان سيأتي هذا معنا في باب الأبواب العظيمة في باب الآداب، ما يتعلق بآداب الاستئذان. ونعلم حينها أن الاستئذان واجب، وسنعلم في هذا الموطن أن المرء إنما يستأذن لماذا؟ يستأذن لهذا السبب، وهو أن لا يقع نظره على ما وراء الباب. فوجب عليه أن يستأذن لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر»، إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر. وهذا إخواني في الله مما يؤكد هذه المسألة على أن من كان يسير في طريق الناس، فليعط الطريق حقه، وذلك من غض البصر. وهذا يشمل سواء كانت عورة الناس وراء الثياب، أو العورة وراء الأبواب. وهكذا من حق الطريق الذي جاء ذكر في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «وكف الأذى». كف الأذى، ويشمل ذلك على عدم أذية الناس، سواء كان في أبدانهم أو كان في أعراضهم، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا﴾. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده». وأعظم ما ينبغي أن تكف عن أذية المارة، فإن للطريق حقا، فلا تؤذهم. ومن أعظم ما نجده ونسمعه في هذه الأزمان من الإخلال بهذا الأدب العظيم، وما نرى من فعل من يسمون أنفسهم بقطاع الطريق، فهي من أعظم المهن دناءة، أن الرجل إنما يعيش على التقطع لطريق الناس، ما له مسلك إلا هذا، يقوم هو ومن يعينه في هذه المهمة الدنيئة الخبيثة المحرمة، أنه يتقطع طريق الناس، فيقف السيارات أو يقف القاطرات، ويقف ما الذي يستطيع أن يوقفه؟ ثم بعد ذلك يتلصص عليهم، فيلزمهم أن يدفع له الأتاوات، يدفع له الضريبة، أو يدفع له مالا، أو يسرق المجوهرات من عند النساء، أو يسرق الأموال من عند الرجال، أو لربما يسلب السيارة بأسرها. وهذا من أعظم الأذية، من أعظم المحرمات التي جاءت الشريعة على عقوبة صاحبها في الدنيا بالحد والتعزير، وفي الآخرة وهكذا. قاسي عبد الله ما دون ذلك، ما يكون من أذية الناس في طريقهم، كونك يا عبد الله أنك تستخدم اليد بالضرب أو بنحو ذلك، أو بمد اللسان، سواء كان هذا عن طريق الجد أو عن طريق الهزل. فبعض الناس إخواني في الله يمسك طريق الناس، ثم يستهزئ ويضحك على كل من جاء ومر عليه. وأذكاء هذه الخصلة ليس من خصال أهل الإيمان، وإنما ذكر ذلك ربنا جل وعلا عن الكفار: ﴿وإذا مروا بهم يتغامزون﴾. هذا حال الكفرة إذا مر المؤمن والمسلم، إذ بهم يلوكون ألسنتهم بالضحك والاستهزاء والتنقص والاستهزاء والسخرية في حقه، حتى ماذا يجرحونه بهذا الكلام السفيه. ولهذا هذا ما يجوز إخواني في الله، فإن ذلك مما جعله ربنا جل وعلا على لسان رسوله من حق الطريق أن تكف أذاك. فمن أراد أن يجلس مجلسا، وهذا المجلس قد عقد في طريق الناس، فلتجعل الناس يسلمون من أذيتك، فكن يا عبد الله في مجلسك كفافا، لا لك ولا عليك، أي لا تؤذي أحدا من خلق الله. ثم ذكر نبينا صلى الله عليه وسلم الأدب الثالث، وهو رد السلام. ولا نطيل في هذا المبحث؛ لأنه سيأتي معنا مبحث خاص يتعلق بهذا الأدب العظيم، وما فيه من مسائل كثيرة وطويلة، نعرضها في ذاك المقام. لكن تعلم على أن من حق الطريق عليك يا عبد الله أن ترد السلام على كل من سلم عليك. فأنت في مجلس، فالذي يمر وهو واقف وهو ما يمشي، سيضطر أن يسلم على الجلوس، فيسلمون عليك لأنك جالس. فإذا سمعت تحية من أحد من الناس، وجب عليك أن ترد. إن غطى لك السلام عليكم، قل: وعليكم السلام، ترد؛ لأن هذا من حق الطريق. ولا تجعل رد السلام يا عبد الله إنما عن طريق المعرفة، فإن ذلك ما جاء في السنة على أنه من علامات الساعة أن يكون السلام لمن تعرف فقط، ومن لا تعرفه فلا ترد عليه، هذا لا يجوز. وإنما يكون رد السلام لكل أحد، من عرفت ومن لم تعرف. وبقي كذلك ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي كذلك من الحقوق العظيمة التي لن يغني أن يقوم بها كل من جلس في طريق الناس. فإن رأى منكرا، وجب عليه أن ينكره على قدر استطاعته. «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه». وهكذا يقوم بالمعروف. وسيأتي معنا في هذا من الأداب العظيمة في آداب الطريق، ذكما يتعلق مثل هذه المسائل. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.