شرح رسالة فضل الإسلام 67

شرح رسالة فضل الإسلام 67

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 67، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

سؤال حذيفة وتوضيح الفتن بعد الخير

سأل حذيفة النبي عن الشر فأخبره بوقوع فتن بعد الخير، ثم عودة خير مرة أخرى. هذا الخير الثاني يشوبه دخن ويتبعه شر.

وصف الفتنة العمياء ودعاة الشر

وصف النبي الفتنة بأنها عمياء ويتبعها دعاة إلى أبواب جهنم، وهؤلاء الدعاة يروجون للباطل. من أمثلة هؤلاء الدعاة من يدعون لعبادة القبور وغيرها.

العلاج والنجاة من الفتن

العلاج من هذه الفتن يكون بالتمسك بجماعة المسلمين وإمامهم، وإن لم يتيسر ذلك فيجب الاعتزال حتى الموت. هذا ما أوصى به النبي حذيفة.

ختام الحديث والدروس المستفادة

يختتم الحديث بالتأكيد على أهمية التأمل في الدروس المستفادة وتطبيقها عملياً. يشدد على أهمية التمسك بالجماعة والصلاة على النبي وآله.

  • 27 جمادى الأولى 1442هـ - 10/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمارنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. وأما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال في هذا الباب: إخواني في الله، ولا يزال المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا بعض الأدلة من الكتاب والسنة في بيان فضل الإسلام، في ذكر ما يتعلق بمكملاته أو ما يتعلق بما يخدشه أو ينقصه، فأورد رحمه الله تعالى ها هنا حديث حذيفة الطويل الذي فيه بيان لذكر شيء من الفتن، فسنذكر هذا الحديث مع تعليق يسير عليه. قال: وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. أخبر حذيفة رضي الله تعالى عنه عن حال الصحابة في زمنه، إذ أن الكثير منهم من يسأل عن أبواب الخير، بينما حذيفة رضي الله تعالى عنه كان يسأل عن الشر. قال العلماء: المقصود بالخير والشر هنا الخير ما يكون من استقامة الدين، والشر ما يتعلق بما يعكره من الفتن والحوادث والأحداث، فكان حذيفة رضي الله تعالى عنه يسأل رسول الله عن هذا الباب خاصة، وفيه بيان كما قال علماء أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وكان حذيفة رضي الله تعالى عنه لماذا يتعمد في طرح هذه الأسئلة؟ قال: مخافة أن يدركني، فهذه العبرة، وكما قال القائل: سألت عن الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه، الذي ما يميز بين الحق والباطل وبين الخير والشر فيختلط بينهما فيقع في الشر وهو لا يدري. لكن من تميز عنده الشر يكون على دراية فيبتعد، ولهذا يقول علماء في هذا الحديث: لا بأس أن تسأل عن مكامن الشر وعن طرق الشر حتى لا تقع فيه، مثاله: كما أنت يا عبد الله الآن تسأل عن أسباب الثبات وعن أسباب الثبات على الدين، كذلك سل يا عبد الله عن نواقض الدين، سل يا عبد الله عن نواقض الإسلام. كما أنك تسأل أيضاً يا عبد الله عما يثبتك على الهداية والاستقامة، سل أيضاً عن أسباب الانحراف، سل عن هذا وعن هذا، عن الخير وعن الشر حتى لا تقع في الشر وأنت لا تشعر به وأنت لا تدري به. لهذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية. الشاهد من هذا أن حذيفة رضي الله تعالى عنه كان يسأل رسول الله عن الشر. قال: فقلت يا رسول الله، إن كنا في جاهلية وشر. يصف الحالة التي كانوا عليها حالة الجاهلية حيث كانوا في عهد الوثنية والشرك وعبادة الأصنام وعبادة الأوثان وما يكون من سفك الدماء واقتراف الفواحش وأكل الميتة، وكان القوي يستولي على الضعيف، وكان الغني يأكل مال الفقير، ما كان هناك شريعة تحكمهم، وما كان هناك دين يردعهم، كانوا في جاهلية وشر. ثم قال حذيفة رضي الله تعالى عنه: إن كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير. وما الخير الذي أراده؟ أراد الإسلام، الإسلام خير، فمنذ ما جاءهم الإسلام غير الله حالهم إلى أحسن حال، ورفع الله جل وعلا به قدرهم، بل رفع ربنا من حالهم، فأبادل من يأكل الموبقات ويأكل المحرمات أصبحوا يعلمهم ربنا جل وعلا بأكل الطيبات وفعل الطاعات ومعاملة الناس بأحسن المعاملات. ناهيك عن التوحيد وعن الأعمال الصالحة التي ارتقوا بها، هذا في حق الدين، أما في حق الدنيا فبالأمس كانوا رعاة غنم، فما هي أسنوات حتى أصبحوا قادة أمم، بماذا؟ بالإسلام؟ بهذا الخير الذي متعهم الله جل وعلا به. فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، بعد هذا الخير الذي أنتم فيه شر. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن هذا الشر بدأ بهم متى؟ بقتل عمر رضي الله تعالى عنه، إذ جاءت روايات فيها الإخبار بأن بيننا وبين الفتن بل أمواج الفتن المطلاطمة بيننا وبينها باب. وأن هذا الباب إذا كسر دخلت الفتن ودخلت الشرور على الأمة، ومن كان هذا الباب هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فلما قتل رضي الله تعالى عنه فتحت أبواب الشر على الأمة، ومنها كذلك ما كان من مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وما كان من الحروب التي جرت، فهذا هو الشر الذي يذكره العلماء في هذا الحديث. فقال: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. ثم قال: قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ طيب هذا الشر الذي وقع والذي قد ذكرناه الآن، هذا الشر وقع هل بعد هذا الشر من خير؟ هل سيعود الخير؟ قال عليه الصلاة والسلام: نعم، وفيه دخن. نعم، وفيه دخن، أي أن هذا شر حصل، لكنه ما يلبث إلا أن يهدأ يهدأ قليلاً حتى تستقر الأمور، ثم يظهر الخير من جديد، يظهر الخير من جديد. وأشار الشراح إلى أن هذا الخير هو الذي يدخل فيه ما كان في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، أظهر الخير الكثير على يديه. وفي زمنه ما كان من خير الفتوحات حتى فتحت الأمصار والبلدان، وصل إلى بلاد أوروبا في زمنه، وفي حدود أفريقيا في زمنه، ناهيك عما وجده المسلمون من الرغد من الرغد، كان الناس يذهبون إلى بيت المال ويجدون الذي يجدونه من الخيرات، ومن العدل الذي كان في زمن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى، فهذا كان الخير. لكن أشار نبينا إلى أمر، قال: نعم، وفيه دخن، لكن هذا الخير وإن كان هو الأصل الخير، لكن فيه دخن، قال العلماء: الدخن والدخان بمعنى الكدرة، أي أن هذا الخير فيه كدرة، فيه كدرة، ليس بخير صافي محض من وإلى، وإن كان الأكثر فيه الخيرية. لكن قال: نعم، وفيه دخن. فقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: وما دخنه؟ ما هذا الدخن الذي كدر هذا الخير الذي سيظهر على الأمة؟ قال عليه الصلاة والسلام: قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. يهدون بغير هدي، الهدي بمعنى الطريقة والسيرة، قال العلماء: هذا الوصف في حق أناس من أهل الصلاح، من أهل الخير، من أهل الفضل، إلى أنهم من باب الحرص على الطاعة والعبادة زادوا في هذا الباب في باب التعبد حتى أوصلهم الاجتهاد إلى الوقوع في بعض البدع والمحدثات. قد يكون من حرص، وقد يكون عن غفلة، ولهذا الناظر إلى هؤلاء تارة يعرف منهم أشياء، وهو الذي يكون من أصل الدين، لكن إذا التفت يرى منهم أشياء ينكرها، فهو يعرف منهم أشياء وينكر منهم أشياء، وأشياء الذي يعرفه منهم ما كان على أصل الديانة، وينكر عليهم أشياء هم الذين اخترعوها من ذوات أنفسهم. فهذا هو الدخن الذي ظهر في هذه الحقبة الزمنية، وفي هذا إشارة يا عبد الله أن هذا مقياس اجعله معك معيار، إذا أردت أن تعرف أن الرجل على الطريقة المستقيمة، إذا لابد أن الذي تعرفه منه كله من دين الله. فإن عثر على أن هذا الشخص الذي أمامك منه شيء كثير من دين الله، إلا أنك ضفرت بأشياء ليست من دين الله، فكن يا عبد الله على ريب منه، لأن هذا دخن، لأن شرع الله واضح، ﴿تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها﴾، واضحة وضوح الشمس، فمن استقام على دين لا يستقيم بوضوح. لكن من يسير على هذا الخط وفيه ظلمة وفيه كدرة بحيث تنكر منه أشياء ما كانت تعرف من دين الله ولا عن سلفنا الصالح، قل: هذا فيه دخن، هذا فيه دخن. فهذا هو الدخن الذي أشار إليه نبينا بصفتهم قوم يهدون بغير هدي، تعرف منهم وتنكر. قال: قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ طيب هذا الخير الذي فيه دخن، بما عرفنا من دخنه، طيب هل هذا الخير ما عرفنا؟ هل يأتي بعده شر؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم. قال العلماء: وهذا كان في المئة الثالثة ظهر الشر واستفحل، ظهر الشر واستفحل في المئة الثالثة. طيب لما قال حذيفة سأل نبينا: هل بعد هذا الخير من شر؟ قال نبينا: نعم. ثم قال نبينا صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا الشر: فتنة عمياء، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قد فوه فيها. هذه الحقبة الزمنية والذي فيها الشر من صفاتهم ومن وصفهم أن فيه أناس هم دعاة على أبواب جهنم، بخلاف الطبقة التي مضت خير، فيه دخن، يهدون بغير هدي، هؤلاء في أنفسهم، لكن طبقة الشر لهم دعاة، ما اكتفوا أن يكون الإحداث أو الباطل ينحصر في أنفسهم، لا، وإنما تجلدوا وتجندوا إلى إيصال الشر إلى غيرهم. حتى أصبحوا دعاة، كما صار في فتنة خلق القرآن عند السلاف عند صدر الأمة، عندما قام أئمة ذاك الزمان بالحديد والنار بإلزام الناس بالقول بخلق القرآن، ليس فقط رأي فيه أخذ وعطاء، لا، بل فيه نار، إما أن تقول برأي وإما أن تكتوى بهذا النار، حتى قتل الكثير من أهل السنة. منهم من عذب، منهم من نكر، حتى أن بعض الرؤوس علقت، فاجتمع بذلك آراء أهل الأهواء، وهكذا سطوة الأمراء مع ظلمهم، فاجتمعوا في هذه الفتنة العمياء. ثم وع ذلك يا عبد الله توالت الفتن على هذا الوصف، دعاة، دعاة، تجد دعاة يا عبد الله من يدعو إلى عبادة القبور، يصرح بها مدوية، لا يخفي ذلك. لو متلائم على حد زعمه يشد الرحال، بل يأمر بشد الرحال إلى الأضرحة وإلى القبور وإلى العتبات، وأنها الملاذ لمن أراد أن يلتذ بشيء أو أن يلتجأ إلى شيء، فعليك بالأضرحة، ففيها المدد، فيها المغفر للذنوب، فيها يا عبد الله ما تريد وما تشتهي من تفريج الكربات ومن جلب الخيرات. وهكذا دعاة من أمثال هؤلاء الرافضة، دعاة على أبواب جهنم، حينما يصرحون بملء أفواههم بسبب ولعن أصحاب رسول الله، ولعن زوجات ومهات المؤمنين وزوجات الرسول عليه الصلاة والسلام، بل لا يفتؤون بالإشارة إلى أن القرآن الذي بين أيدينا قرآن محرف، وإلى غير ذلك. يدعون هذا في وسائل الإعلام من غير خوف ولا رقيب، دعاة على أبواب جهنم، وهكذا من يدعو إلى الإلحاد وإلى الزندقة وإلى أن طمس هذا الدين، وأن هذا الدين قد عفي عليه الزمن، وأن هذا الدين يدعو إلى التطرف والإرهاب تحت ما يسمى بمسمى الجهاد. وأن هذا الدين عنده كبت للمشاعر الإنسانية والمشاعر البشرية، لأن عنده حرام وعنده موبيقات وعنده عظائم، إذا متى يتمتع الإنسان؟ فلا زال سهام موجه للإسلام والمسلمين، دعاة على أبواب جهنم، وليس فقط في باب الدين، بل حتى في باب الشبهات، في باب الشهوات، ممن يدعو إلى السفور والتبرج والسنا والخنا والربا. كل هؤلاء دعاة على أبواب جهنم، قال نبينا: من أجابهم إليها قد فوه فيها، كيف إجاب إليها؟ أن تأخذ بأقوالهم، أن تأخذ بغرزهم، أن تسير على دربهم، من أجابهم إليها قد فوه فيها، فهم وسيلة إلى غضب الله وسخطه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: أو قال حذيفة: قلت يا رسول الله صفهم لنا، هؤلاء الدعاة إلى أبواب جهنم، قال، عليه الصلاة والسلام: هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، هم من جلدتنا، من عشائرنا، من قبائلنا، من أمتنا، ويتكلمون بألسنتنا. قيل: أن يتكلمون باللغة العربية، بمعنى أنك لا تنظر يا عبد الله أن العدو لهذا الدين الخارج، بعض الناس يعين هناك، إذا أراد أن يحرس ويقيم حراسة على حمى المسلمين، يعين في الخارج، ينظر إلى الغرب، ينظر إلى الكفر، ينظر إلى اليهود. لا، انظر إلى الداخل، هناك طابور خامس، طابور خامس في أمتنا، هم من جلدتنا، لا تذهب بعيداً، هناك من بين أيدينا، هم محسوبون على الأمة، وهم معاول هدم، يهدمون دين الله جل وعلا، كأهل النفاق وأهل الشقاق، ومن أفكار لا دينية، وغير ذلك. من دعاة الذين هم كثر في هذه الأزمان، لا كثرهم الله. قال: فقلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ وهذا هو مربط الفرس، لما وصل حذيفة مع رسول الله إلى هذا الحد، إلى هذه الفتنة العمياء، أن يكون في الأمة دعاة يدعون الناس إلى النار بشتى صورهم ومللهم ونحلهم وأشكالهم، من مخرج من هذه الفتنة؟ قال: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ واسمع يا عبد الله، واسمع يا من تحفظ هذا الحديث، واسمع يا من تلقن هذا الحديث لغيرك، واسمع يا من تشرح هذا الحديث لطلابك، اسمع يا عبد الله الجواب لك، وليس الجواب لغيرك. ثم أنت بعد هذا تشهد هذه المصيبة عظمى، أن يكون الحل بين يديك، الحل بين يديك، نبينا وصف لنا الداء والمرض، وذكر لنا الدواء والعلاج، ماذا بقي؟ فقال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، هذه الكلمة فيها صعوبة يا إخواني في الله، سهلة، لكن سهلة على من؟ سهلة على أهل السنة الذين وطنوا أنفسهم على هذا المقام. تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، لهم إمام، لهم رأس، لهم زعيم، لهم قائد، بغض النظر عنه، ما هو؟ فاسق، فاجر، ظالم، مستبد، قد جاءت الأدلة الكثير على أن الأمير والإمام وإن كان ظالماً فإنه يطاع، فإنه يطاع. أسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، ألاّ من ولي عليه وال، فرأه يأتي معصية الله، فليكره الذي يأتي، ولينزع يده من طاعة، ابقها يا عبد الله، إلزم جماعة المسلمين مع إمامهم، هذا يكون فيها ماذا؟ الخروج من هذه الدوامة، حتى لا يكون الأمة الإسلامية فرقاً ممزقة ممزقة. فتأتي دعاة الأبواب، فيجاء دعواها، ولا دعاة فيصطادون هنا وهنا وهنا، لأن الأمة أصبحت شذر مذر. وانظر إلى فقه الصحابة رضي الله تعالى عنه، بعدما قبض عليه الصلاة والسلام وانتقل نبي إلى الرفيق الأعلى، اجتمع الصحابة في بني ساعدة على ماذا؟ على نصب خليفة. هل هذا حرص منهم على الزعامة؟ لا والله، بل كان حرص على استتابة الأمور، لابد أن تستتب الأمور على شخص واحد. ولنا في الخليفة العباسي الذي مضى عبرة لمن كان يعتبر، قام الناس بإسقاط هؤلاء الأئمة، وماذا صار بعد ذلك؟ القتل والقتال، وحمامات الدماء، حتى أصبح الكل يعض على أصابع الندم، ويتمنى أن ترجع الأمور إلى ما كانت عليه. ولهذا يقول من يقول من سلفنا الصالح: حاكم غشوم ولا فتنة تدوم، حاكم ظلوم ولا فتنة تدوم، حاكم يظلم، ولكن سهل ولن تبقى فتنة تدوم بالأمة، وتقتل وتأكل الأخضر واليابس. ولهذا يا إخواني في الله أمر نبينا بهذا ليس كحديث بعض الناس، ما الذي فعل؟ كالذي يقرأ مثل هذه الأحاديث، ماذا يفهمها؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، أي إمام الجماعة؟ ما الجماعة المسلمين؟ قلت: لا جماعتي، إذ بهم أولياء كل واحد، أسقط الأمير وأسقط الإمام الكبير، ثم جعل أمير له، هذه جماعة لها أمير، وهذه جماعة لها أمير. ذاك صغير وذاك كبير، ذاك مجهول وذاك مستكر، وذاك خلف الكواليس، وذاك له بيعة، وتلك إمارة، ما هذه الفوضى؟ ما هذه الفوضى؟ اسمع يا عبد الله لكلام نبيك، صلوات ربي والسلام عليك، ولا يستهينك الهوى، اقرأ وتمعن، اقرأ للداء، وهذا الحديث فيه علم من أعلام نبوته بما سيصير في آخر الزمان. وهذا العلاج بين يديك، قال: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة، حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. أي اعتزل يا عبد الله، إن لم تكن هناك جماعة للمسلمين، جماعة الحق الذي تسير على الهدي النبوي، لم تكن جماعة، لم تعثر عليها، ما هناك إمام يحكمهم، دبت الفوضى العارمة في أسقاع الدنيا، اعتزل يا عبد الله، ابتعد عنها، ولو أن تموت لوحدك، ولا أن تخالط الناس وهم على هذا الشر. لأن الشر سرعان ما سيأتيك، فلو أن تموت لوحدك وأنت منعزل على الخير خير يا عبد الله من أن تلقى الله جل وعلا على الشر، يصيبك بحجة الاجتماع. فهذا ما يذكر يا إخواني في الله في هذا الحديث، وغيره احتوى على مسائل كثيرة، لكن يهمنا ما ذكر وما أشرنا إليه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.