الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤمن أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان وباقيتان أبدا، وقد دل على ذلك القرآن والسنة النبوية. الجهمية والمعتزلة خالفوا هذا الاعتقاد.
أهل السنة والجماعة يعتقدون بأن الجنة والنار لا تفنيان، مستدلين بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. بعض أقوال ابن تيمية وابن القيم لا تتوافق مع هذا الاعتقاد.
يخلد أهل الجنة في نعيمها وأهل النار في عذابها. أهل التوحيد الذين يدخلون النار يُعذبون ثم يُخرجون منها إما بالشفاعة أو بتوحيدهم لله.
تم تصحيح رواية خاطئة نسبت إلى البخاري، حيث تم تغيير موقعها من النار إلى الجنة. يُوضح أن الذين ينشئهم الله في الجنة، بينما النار تمتلئ.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام الصابوني رحمه الله في عقيدته: قال الإيمان بالجنة والنار وأنهما مخلوقتان لا تفنيان أبدا. قال: ويشهد أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لا يخرجون منها أبدا. ويؤمر بالموت فيذبح على سور بين الجنة والنار، وأن المنادي ينادي يومئذ: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهذا المبحث مبحث وجود الجنة والنار وأنهما مخلوقتان، ويدل عليه أجلة كثيرة، من ذلك قول الله عز وجل: ﴿وُعِدَتْ﴾ لما ذكر الجنة قال: ﴿وُعِدَتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، ولما ذكر النار قال: ﴿وُعِدَتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فلا شك أن الإعداد يكون قبل، أنها تعد لهم وتهيأ لهم، فدل على أنها خلقت قبل يوم القيامة. ومما يدل أيضا على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام رآها في الإسراء، ودخل الجنة ورأى عذاب النار. وأيضا رآها في الصلاة، وهو يصلي في الكسوف. وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أيضا رؤى كثيرة في هذا الباب، ورؤية الأنبياء حق. وكذلك من الحديث التي دلت على خلق الجنة والنار ما أخرجه الإمام الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لما خلق الله الجنة والنار، قال لجبريل: اذهب وانظر إليهما، فنظر إلى الجنة، وقال: يا رب والله لا يسمع بها أحد إلا طمعا أن يدخلها، ثم نظر إلى النار» الحديث. فهذا الحديث يدل على أن الله عز وجل قد خلق الجنة وخلق النار. وهذا معتقد أهل السنة أنهما مخلوقتان. وخالف في ذلك المعتزلة، قالوا: إنهما باقيتان إنهما لا تفنيان أبدا. وهذا أيضا معتقد أهل السنة أن الجنة والنار لا تفنيان، ولا يفنى نعيم الجنة، ولا يفنى عذاب النار. وهذه المسألة حصل فيها خلاف بين أهل القبلة، أي بين الفرق. فهناك من قال: إنه كل شيء يفنى حتى الجنة والنار، وهم الجهمية، قالوا: إن الجنة تفنى والنار كذلك تفنى. وهناك من قال: إن نعيم الجنة يفنى وعذاب النار يفنى، وهو قول بعض المعتزلة كأبي الهذيل العلاف. ونسب أيضا لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يقول: إن عذاب النار يفنى، وقرره الإمام ابن القيم في بعض كتبه ككتابه «شفاء العليل»، لكن ذكر في كتابه «الوابل الصيب» أن الذي يفنى هو نار العاصين. وجاء وذكر في كتابه في «منظومة الشافية الكافية» أنه لا تفنى النار. وظاهر أن هذا آخر ما قرره رحمه الله، وهو «الكافية الشافية»، هذه من آخر كتبه، قرأت عليه في مرض موته. ونسب ابن القيم هذا القول إلى شيخ الإسلام، لكن في كتب الشيخ الإسلام لا يقول بهذا، لا يقول بفناء النار أو بعذابها، أنه يفنى عذابها. وذكرت رسالة ذكرها معناه عن ابن القيم، يذكر عن شيخ الإسلام أنه يقول هذا، ويستدل ببعض الأدلة. لكن وإن كان مثلا هذا القول منسوب لشيخ الإسلام أو إلى ابن القيم، فالحق أحق أن يتبع. فأهل السنة جميعا يقولون بعدم فناء الجنة ولا النار، وأن نعيم الجنة باق خالدين فيها أبدا، وأيضا عذاب النار باق. وأما قول: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قالوا: الحقب هو ثمانون سنة. لكن حتى لو مثلا لابثين في أحقاب، المراد بها أي سنوات كثيرة جدا ليس لها إحصاء، أنا حقب وراء حقب، فهم أي أراد ربنا جل وعلا يبين أنهم خالدون في النار سنوات كثيرة لا عد لها. فلهذا فقول أهل السنة على أنها لا تفنى لا جنة ولا نار، ولا نعيم الجنة ولا عذاب النار. ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، وقالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، قال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾. هذه كلها الآيات والأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على أن عذاب النار باق. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. ولهذا جاء في هذا الحديث الذي ذكره المؤلف: «يا أهل الجنة خلود ولا موت». حديث أبي سعيد في الصحيحين أنه قال: «يوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟» معنى يؤتى يوم القيامة بكبش أملح. أن الأملح الذي يكون أبيض وفيه سواد أو العكس أسود وفيه بياض. فيجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، هل يشرئبون كأنهم تطول عناقهم حتى ينظر، ويقولون: نعم، هو هذا الموت، يقولون: نعم هذا الموت. ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هو الموت، فينادي: يا أهل النار خلود ولا موت، أو يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت. وجاء في رواية أنه قال عليه الصلاة والسلام معنا، من حديث عبد الله بن عمر في البخاري ومسلم، قال: «يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار، ثم يقوم مؤذن بينهم، يقول: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت». فهذه كل هذه الدلالة تدل على أن أهل الجنة خلود لا يموتون أبدا، فهم يتنعمون في النعيم. وأهل النار أيضا خلود لا يموتون فيها أبدا، ولا يخفف عنهم من عذابها، بل يخلدون فيها، لا يخفف عنهم من عذابها. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، وهم يصطرخون فيها: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾. فأهل النار يلقون ويعذبون في النار خالدين فيها. وإنما الذي يفنى هو عذاب أهل التوحيد الذي يذهب، والذي يفنى هو عذاب أهل التوحيد، أن من دخل النار من أهل التوحيد فإنه يعذب فيها، ثم بعد ذلك يخرج، إما يخرج بالشفاعة، وإما يخرج لتوحيده لله عز وجل، فيعذب في النار ثم يخرج، كما جاءت الأدلة الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بذلك. فلهذا فأهل السنة يؤمنون بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا تفنيان أبدا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها، الذين خلقوا لها، أن خلقهم الله عز وجل وقد علم منهم أنهم من أهل النار. كما جاء في الصحيحين لما جاء بكتابين النبي صلى الله عليه وسلم، جاء بكتابين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فقال: «هذا كتاب فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، وقد ختم عليه، أنا خلاص انتهى هذا الأمر». وهناك أيضا كتاب آخر فيه أسماء أهل النار وأسماء أبائهم، وقد ختم عليه، فلا يزاد أهل الجنة في هذا الكتاب، وأهل النار في هذا الكتاب فلا يزاد عليهم. لكن الله عز وجل كما جاء في حديث البخاري ينشئ خلقا لأن الجنة لا تمتلئ، فينشئ خلقا فيملأ بهم الجنة. وأما النار فتمتلئ، فلا يزال يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة جل وعلا قدمه عليها، فتقول: قط قط، أنا قد امتلأت. فجاء في حديث البخاري أن الله عز وجل ينشئ خلقا فيضعهم في النار. لكن هذه الرواية خطأ، هي في البخاري، لكن حصل وهم من بعض الرواة، فذكرها في النار، وإنما هي في الجنة، الذين ينشئهم الله عز وجل إنما في الجنة. وأما في النار فهي تمتلئ. طيب هذا شيء مما يذكر بهذا المقام، فإن شاء الله نكتفي به والله تعالى.