شرح أصول السنة للإمام أحمد 23

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 23، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

حد الرجم للزاني المحصن وشروط ثبوته

يشرح المقطع حكم رجم الزاني المحصن بالحجارة حتى الموت، ويبين أن ثبوت الزنى يتم إما بالاعتراف الصريح أو بشهادة أربعة شهود رأوا الميل في المكحلة، مع التنبيه على ضرورة التثبت من حال المقر وتجنب رمي الأعراض بالباطل.

أدلة مشروعية الرجم من السنة وآية منسوخة التلاوة

يستعرض المقطع أدلة مشروعية حد الرجم من السنة النبوية عبر قصص رجم ماعز والغامدية واليهوديين، وينقل عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب وجود آية الرجم في كتاب الله نُسخت تلاوتها وبقي حكمها، مؤكداً إجماع الأئمة الراشدين على العمل به.

مشروعية الرجم وإنكار الخوارج له

رجم النبي صلى الله عليه وسلم يهوديين زنيا بعد أن بدلوا حكم التوراة، والرجم ثابت بالسنة المتواترة وإجماع الصحابة، أنكره أكثر الخوارج لكن طوائف منهم أثبتوه، وعدّ علماء إنكار سنة متواترة مجمع عليها كفراً وضلالاً.

تحذير من إنكار الحدود المتواترة والدعاء للإمام أحمد

يؤكد النص أن من أنكر الحدود الشرعية أو الفرائض المتواترة يدخل في حكم من أنكر الرجم، ويختتم الرسالة بالدعاء للإمام أحمد وسائر الأئمة وللمسلمين بالخاتمة الحسنة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. أما بعد، فلا زلنا في آخر رسالة أصول السنة للإمام المبجل، إمام أهل السنة، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله، المتوفى سنة إحدى وأربعين ومئتين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر له، في بيان العقيدة السلفية التي من لقي الله عليها نجا، وهي التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه من بعده، ومن تبعهم إلى يوم الدين. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى ورفع درجته في المهديين: «والرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد رجمت الأئمة الراشدون». ساق المصنف رحمه الله هذه المسألة، وهي من المسائل المهمة الفارقة بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم من أهل الأهواء والبدع. فإن أهل السنة يعتقدون أن من زنى -عياذا بالله- فإن كان ليس متزوجا فالحكم فيه جلد مئة وتغريب عام. هذا الحكم في الزاني الشاب البكر، كما قال صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وتقدم الكلام على هل يجمع له بينهما أم لا في شرح الأربعين. قال الإمام رحمه الله: «والرجم حق»، والرجم أي بالحجارة حتى الموت. الرجم بالحجارة حتى الموت: يحفر له في أرض منبسطة إلى نصفه، ثم يشد عليه بالحبال، ثم يرمى بالحجارة حتى يموت، سواء كان رجلا أو امرأة. فإن كانت امرأة شدت عليها ثيابها حتى لا تتكشف. قال رحمه الله تعالى: «والرجم حق»، أي حكم الرجم حق ثابت، دل عليه الكتاب ودلت عليه السنة، على من زنى إذا ثبت عنه عليه الزنى بإدخال الميل في المقحلة كما يقال، فيخرج عن ذلك المداعبة والقبلة والضم ونحو ذلك. فالكلام في من أولج، أولج الحشفة في الفرج الحرام، هذا الذي يجري فيه الكلام هاهنا، على من زنى وقد أحصن، أي كان متزوجا فيسمى ثيبا. على من زنى وقد أحصن إذا اعترف، أي اعترف بالجريمة وأنه زنى، فيتأكد منه: هل هو مجنون؟ هل شرب خمر؟ هل هو فيه مرض نفسي يجعله يعترف بما لم يفعل؟ هل فعل الزنى حقيقة؟ إذا اعترف، فإذا اعترف يرجم كما اعترف ماعز رضي الله عنه. ماعز كما في الصحيحين: اعترف، فرده النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات، رد ماعز أربع مرات، وكان يقول صلى الله عليه وسلم: «استنكهوه»، أي شموا منه، شموا ريحة، أشرب خمرا ففقد عقله فهو يدعي على نفسه ما لم يصنع. في الرابعة أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فرجم. قال رحمه الله: «والرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا اعترف أو قامت عليه بينة». البينة عبارة عن أربعة شهود يشهدون أنهم رأوا فلانا يزني بفلانة، وأنهم رأوا الميل في المقحلة. أما لو قال أحدهم: رأيت شيئا على شيء، فإنه لا يدل على تمام البينة. لابد أن يشهدوا جميعا أنهم رأوا الميل في المقحلة، أربعة شهود. فإذا شهد هؤلاء الأربعة أنهم رأوا فلانا يزني بامرأة، وصفة الزنى أنه يولج الحشفة في الفرج الحرام، فقد تمت البينة بأربعة شهود، كما قال جل وعلا: ﴿فَإِن لَّمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال رحمه الله تعالى: «إذا اعترف أو قامت عليه بينة». ولهذا لما ادعى بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكرة على عمر بن العاص شيئا من ذلك، وكان يقول لهم: إنها امرأة، أو إنها زوجتي، يحتمل أنه تزوج بها ولم يشهر ذلك، فشهد الثلاثة أنهم رأوه يزني، يعني يقع بالمرأة، وهو يقول: إنها زوجتي، والرابع قال: سمعت نفسا. فأمر الخليفة رضي الله عنه بجلدهم الحد. أعراض المؤمنين الأصل فيها الصيانة. اليوم يتساهل الناس: فلان زاني، فلان فاجر، لوطي، فلان كذا. الله جل وعلا يقول، ذكر في كتابه: ﴿فَإِن لَّمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فيسمى فاسقا حتى يكذب نفسه، ويجلد ثمانين جلدة، لمجرد أنه شهد ولم تتم البينة بأربعة شهداء. اختلفوا في الكلام، فلابد يشهد وتتم البينة بالوصف الشرعي المعتبر. «أو قامت عليه بينة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم». رجم الغامدية أيضا بقرينة الحبل. جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت كما في الصحيحين: «طهرني يا رسول الله، إني حبلى من الزنى». فثبت أنها حبلى، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجعي حتى تضعي حملك». فعادت، فجاءت بالصبي وقد وضعته، قالت: «يا رسول الله، طهرني وهذا الصبي». فقال صلى الله عليه وسلم: «ارجعي حتى تفطميه»، أي بعد حولين كاملين. فذهبت ثم عادت ومعها الصبي ومعه كسرة خبز، قالت: «قد فطمته، وها هو يأكل الخبز». فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها ثم رجمت. فرجمها خالد بن الوليد بحجر، فتطاير الدم على ثوبه، فلعنها، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم، نهاه وقال: «لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر الله له»، وقال في رواية: «لقد تابت توبة لو وزعت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم». قال رضي الله عنه: «وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رجمت الأئمة الراشدون»، أي الخلفاء الراشدون بعده، رضي الله عنهم أجمعين. وفي هذا الباب ما ثبت في الصحيحين، صحيح البخاري ومسلم، عن ابن عباس أن عمر في آخر عمره رضي الله عنه جلس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الله قد بعث محمدا بالهدى والحق، وأنزل معه الكتاب، وإن مما أنزل معه آية الرجم، وإن مما أنزل معه آية الرجم، فقرأناها وحفظناها ووعيناها، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأخشى أن يأتي قائل ويقول: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، وإن الرجم حق في كتاب الله، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده». متفق عليه. هذا الحديث فيه أن الرجم كان آية من كتاب الله. الرجم المعروف الجلد في سورة النور، ولكن هناك آية منسوخة التلاوة ثابتة الحكم، هي منسوخة التلاوة لكنها ثابتة في الحكم، وهي ما قاله الله جل وعلا في سورة الأحزاب: ﴿وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. هذه الآية كان فيما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فنسخ تلاوة وكتابة، وبقي حكم: ﴿وَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ﴾. ومن أصح الطرق لهذه الآية ما جاء في مسند الإمام أحمد من حديث عاصم بن النجود عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: «كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة، سورة الأحزاب كانت توازي سورة البقرة، وكان فيها: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة». وهذا إسناد حسن. ولهذا يقول أمير المؤمنين عمر: «وإن الرجم في كتاب الله»، أي في كتاب الله الذي نسخ تلاوة ولفظا وكتابة وبقي حكمه. «وإن الرجم في كتاب الله فهو ثابت في كتاب الله، فلا يجوز رده، لا يجوز رده». ولهذا يقول الإمام أحمد: «وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم». ثبت عن رسول الله الرجم: قلنا لماعز والغامدية، وثبت أيضا أنه رجم اليهوديين الذين زنيا، كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على يهوديين، أو على يهودي يحمم، يعني يجعل عليه السواد في وجهه وفي جبهته وفي نواحي من جسده، وفي رواية يجلد، فقال: «ما هذا؟» قالوا: زنى يا رسول الله. هذا في صحيح مسلم. وخارج صحيح مسلم أن يهوديين زنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ادعوا لي علماءكم، أنشدكم بالله، أهكذا كان حكم الله عز وجل في كتابكم؟» قالوا: «لا يا رسول الله»، قالوا: «لا يا محمد، ولكننا كثر الزنى في أشرافنا، فاستبدلنا الحكم بالجلد وبالتحميم، وكنا إذا زنى سيد فينا لم نقم عليه الحد، وإذا زنى ضعيف أقمنا عليه الحد، فأجمعنا على التحميم والتسويد، وأن يطاف بحمار مخلوب» إلى آخر ما في المرويات، كما في صحيح مسلم عن جابر، وعن عبد الله بن الزبير، وكذلك أيضا في سنن النسائي وغيرهم، والأسانيد الثابتة في ذلك. هكذا فعل اليهود، وهكذا صنعوا، بدلوا حكم الله. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فرجمهما حتى ماتا. في بعض الروايات أن اليهود جاءوا يسألون رسول الله، فسأل عبد الله بن سلام. الإمام أحمد ذكر مسألة الرجم: «والرجم حق على من زنى وقد أحصن». وفي حديث عمر: «أو كانت البينة أو الحبل». وفي الحبل خلاف: هل المرأة إذا كانت غير متزوجة وليست أمة لسيد، ليست أمة لسيد، ثم ظهر فيها حبل، هل يقام عليها الحد؟ نسأل فيها خلاف عند بعض الفقهاء، والراجح بالدليل وجوب رجمها. الراجح وجوب الرجم لقول عمر رضي الله عنه: «إذا إذا ثبتت البينة، إذا قامت البينة» كما في الصحيحين، الحديث الذي قرأناه: «إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف». فعد الخلفاء، دعا عمر رضي الله عنه الحبل من موجبات الرجم، وانتصر لهذا الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية، قال: وهو الذي جرى عليه عمل الخلفاء الراشدين، فيجب الرجم كذلك. إذا بهر الحمل من غير سبب شرعي للحمل يوجب الرجم. أن يعترف ويكون عاقلا غير مجنون فيجب الرجم. أن يثبت بشهادة أربعة شهود أنهم رأوا الميل في المقحلة فيجب الرجم. هذه ثلاثة أحوال يجب فيها الرجم. والرجم: الرمي بالحجارة حتى الموت. وهذه المسألة أنكرها أكثر الخوارج. هذه المسألة أجمع عليها، أجمعت عليها الأمة، أجمع عليها الصحابة والتابعون، وأجمع المسلمون، وخالف في ذلك أكثر الخوارج. خالف في ذلك أكثر الخوارج، فإن من مذهب الخوارج إنكار الرجم. ولهذا ذكر الإمام أحمد هذه المسألة، لأجل أن الخوارج أنكروها، وبعض المعتزلة كذلك أنكروها. ومن باب الفائدة: فالخوارج لم يجمعوا على إنكارها، فالصفرية والقعدية من الخوارج يرون الرجم، ومع هذا فهم من الخوارج. وهاهنا مسألة مهمة، وهي مسألة أن الخوارج قد يوجد فيهم من لا يكفر بكبيرة، أو لا يقول أو يقول بحد الرجم، ومع هذا يعتبر عند أهل العلم من الخوارج. فمن ظن أن من قال بأصول الخوارج القائمة على الغلو في التكفير، والغلو في قتل المسلمين، ونحو الخروج على الولاة، ونحو هذا من النتائج الناتجة عن أصلهم الفاسد، أنه إذا لم يقل بكفر صاحب الكبيرة ليس بخارجي، فهذا قصور في الفهم. وكذلك لو لم ينكر الخارج الرجم وقال بسائر أصول الخوارج فهو منهم. فالصفرية طائفة من الخوارج أثبتوا الرجم، وكذلك القعدية منهم. وهذه المسألة أيضا أعم من هذا الباب: والرجم حق على من زنى، فكل شريعة متواترة وسنة وحد مجمع عليه، فإنكاره كفر وضلال عن سواء السبيل. ولهذا ذهب طوائف من أهل العلم إلى تكفير الخوارج لأنهم أنكروا سنة معلومة بالاضطرار، مجمعا عليها من عهد الصحابة إلى من بعدهم من الأزمان. فذهب بعض أهل العلم إلى تكفير الخوارج من هذا الأصل. فالأصل أنما ثبت بالسنة الثابتة اضطرارا، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريعة متواترة نقلت بالتواتر، وأجمع عليها الصحابة، فمن أنكر ذلك أو رده فإن هذا من الكفر المبين. ولهذا قال عمر: «وإني لأخشى أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضل». هكذا يقول عمر رضي الله عنه: بترك آية وحكم أنزله الله يضل عن سواء السبيل، والضلال يدخل فيه الكفر وغيره. فهذا باب من الأبواب العظيمة، فيجب تعظيم السنن. فمن أنكر الحدود الشرعية يدخل كذلك في حكم من أنكر الرجم، ومن أنكر كذلك الفرائض المتواترة فهذا أيضا داخل في حكم من أنكر الرجم. ولا زلنا في هذه الرسالة النافعة، فأسأل الله جل جلاله أن يرحم الإمام أحمد وسائر أئمتنا، وأن يرحمنا برحمته، ويختم لنا جميعا بالحسن، إنه جواد كريم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر