الدرس في كتاب الطهارة 70، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في حكم الاستمتاع بالمرأة الحائض، حيث أجاز بعضهم الاستمتاع فيما بين السرة والركبة بينما أجاز آخرون الجماع بعد مجاوزة الدم الأكثر. استندوا في آرائهم إلى أدلة من القرآن والسنة.
يجوز الاستمتاع بالزوجة الحائض باستثناء الجماع في مكان الحيض، والأفضل الاكتفاء بالاستمتاع فيما بين السرة والركبة. جاءت أدلة من السنة النبوية بجواز الاستمتاع مع تجنب الجماع.
يحرم وطء الحائض قبل الغسل بالإجماع، ولا يجوز حتى تنقطع دم الحيض وتغتسل. كذلك لا يجوز الجماع بعد الطهر حتى تغتسل المرأة، وهو قول أكثر العلماء.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن اتبعه إلى يوم الدين. بعد، قال المؤلف رحمه الله: يحرم الاستمتاع بما بين السرة والركبة عند الثلاثة. وقال أحمد: استمتع بما دون الفرج، ووطء قبل الانقطاع حرام بالإجماع، ولا يجوز وطؤها بعد الانقطاع وقبل الغسل عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يجوز بعد مجاوزة الأكثر. المسألة الأولى: مسألة الاستمتاع بالمرأة الحائض، هل يجوز لزوجها أن يستمتع بها؟ قال الثلاثة -هم الشافعي ومالك وأبو حنيفة- إنه يجوز ما بين السرة والركبة أن يستمتع بزوجته. واستدلوا ببعض الأدلة، فمن ذلك حديث أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يستمتع بزوجته وهو حائض، فقال: «ما بين السرة والركبة». وهذا الحديث مختلف في صحته. وأيضا استدلوا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يجامع أو إذا أراد أن يباشر امرأته وهو حائض ألقى عليها شيئا. ولكن هذا ليس بحديث له، وإنما هو عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ألقى خرقة في مكان الحيض». أي يلقي خرقة، ليس يستر جميع الحاجز. وجاء في قول الله عز وجل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، فقال عليه الصلاة والسلام: «مقبلة ومبذورة إذا كان في الحَرْث أو مكان الحَرْث». وجاء: «إذا كان في صمام واحد». وأيضا جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قول الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، قال: «يفعلوا كل شيء إلا النكاح». مراد النكاح الوطء، فتبين أنه يجوز للرجل أن يستمتع بزوجته إلا أنه لا يجامعها. وأيضا ما جاء عن استمتاع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يباشر والمرأة حائض، وكذلك أيضا يضع على فرج امرأته شيئا. فخلاصة المسألة أنه يجوز الاستمتاع بالزوجة في غير مكان الحَرْث، لكن الأفضل أنه يبتعد خاصة إذا رأى من نفسه أنه سيقع في الحرام، لأن وطء الزوجة في مكان الحيض إذا كانت حائضا لا يجوز إجماعا وبنص الآية. والأفضل له أن يستمتع بها ما بين السرة والركبة، أو يستمتع بها إلا ما بين السرة والركبة فيكره، وهذا إذا كان في بداية الحيض. وأما إذا كان في غير بدايتها أو في نهايتها، فله أن يستمتع بكل شيء إلا الجماع لا يجوز. قد جاءت الأدلة بجواز ذلك، لكن الأفضل إن كان يرى من نفسه أنه سيقع في الحرام، فالأفضل أن يستر ما بين السرة والركبة ويستمتع بالباقي. والصحيح هو قول لإمام أحمد أنه يستمتع بما دون الفرج، لكن على صحة حديث أسامة فيقال بالكراهة. وطء الحائض قبل أن ينقطع الدم حرام بالإجماع، لا شك فيه. قال: ولا يجوز وطؤها بعد الانقطاع وقبل الغسل عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة: يجوز بعد مجاوزة الأكثر. وقال: لا يجوز أن يأتي الرجل امرأته بعد أن ينتهي الحيض قبل أن تغتسل، لأن الله عز وجل يقول: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، أي حتى ينقطع منهن الدم، فإذا تطهرن هنا، قال ابن عباس: يغتسلن. وهذا هو المذهب الصحيح، وهو قول جمهور العلماء أنه لا بد أن يكون هذا الوطء بعد الغسل. فإذا وقع عليها قبل الغسل، فعليه كفارة. كان ابن عباس يقول: يكفر بدينار أو بنصف دينار، كان في بداية الحيضة فبنصف دينار إذا لم ينقطع الدم، وبدينار إذا كان قد انقطع الدم. وهذا الحديث أيضا مختلف فيه بين أهل العلم، ولم يقل بالكفارة إلا الحنابلة، قالوا بالكفارة أنه يكفر. فخلاصة الأمر أنه لا يجوز وطء الحائض في دمها حتى تغتسل، وحتى إذا انقطع دمها لا يجوز حتى تطهر وتغتسل. فإذا طهرت أيضا لا يجوز أن يأتيها حتى تغتسل على قول أكثر العلماء، وهو الصحيح إن شاء الله. والله أعلم.